رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة دولة قطر أصغر من مساحة السودان حتى بعد انفصال جنوبه بفعل مؤامرات خارجية وتبعية قطاعات من الشعب السوداني لتلك القوى الشيطانية لكني لا أبرئ النظام السياسي القائم في السودان من التقصير وغياب الرؤية الاستراتيجية عنده، ومعارضة تبحث عن مكان في قيادة السودان حتى ولو أدى إلى تفتيته. مساحة المملكة السعودية أكبر من مساحة قطر لكنها آثرت الدبلوماسية السرية والانكفاء نحو السلبية في كثير من المواقف فهي تخلت عن الدور الذي كان عليها أن تؤديه تجاه أمتنا العربية. المثالان أحدهما عربي من إفريقيا والآخر آسيوي أيضاً عربي، ومصر كان الله في عونها وسوريا في مهب الريح بفعل حكامها، والعراق ذهب مع الريح إلى أحضان جواره. هذه الدول لعبت أدوارا مؤثرة في التاريخ العربي المعاصر لكنها تواجه أزمات تثنيها عن القيام بالدور المطلوب.
(2)
شاركت في مؤتمر دولي في إحدى الدول العربية، وكما هي العادة بعد جلسات المؤتمر تجرى حوارات ومناقشات قد يتحفظ البعض عن إثارة مسائل بعينها داخل قاعات المؤتمر، بكل أسف كنت القطري الوحيد في ذلك المؤتمر، تجمع حولي المحبون والحاقدون والحاسدون والمشككون لمواقف دولة قطر أضف إلى ذلك مروجو الشائعات. قال أحدهم: ماذا تفعل قطر إنها في كل محفل رافعة إعلامها بأدلة جهودها تارة لتحقيق مصالحة بين الأشقاء، وتارة أخرى لتوسيع مجالات استثماراتها وتارة لمعونة دولة شقيقة من أجل الولوج في معراج التنمية الوطنية دون منة أو شروط إذعان. وقال آخر: وتارة أخرى تؤلب العالم ضد حكومة عربية أو أكثر بقصد إسقاط نظام تلك الدولة أو هذه، وسمعت صوتا من بعيد يقول لديكم في قطر أكبر قاعدتين أمريكيتين وقادتها هم الذين يوجهون السياسة الخارجية القطرية. سألوني بربك كيف تستطيع قطر أن تعمل هذا كله ونحن نعلم أن الحجم السكاني القطري متواضع وأن هذه المشاريع تحتاج إلى كوادر وطنية مدربة.
قلت لكل الدين تحلقوا حولي وكأني في قفص الاتهام كل يريد أن ينتزع مني قولا يناسب هواه أرجو أن تعطوني فرصة للحديث دون مقاطعة وهذا شرط اشتراكي في هذه الجلسة التي تتسع دائرتها بمرور الدقائق الزمنية. في شأن القاعدة الأمريكية في قطر لا أنكرها وهي حقيقة موجودة، ولكن هل القواعد والتواجد العسكري الأمريكي في الخليج وقفا على قطر؟ أعلم أن كل دول مجلس التعاون الخليجي يوجد بها قواعد عسكرية برية وبحرية وجوية إضافة إلى تواجد قواعد عسكرية فرنسية وبريطانية ولا ينكرها إلا مكابر أو جاهل والإثبات المادي يمكن الرجوع إلى موقع وزارة الدفاع الأمريكية الإلكتروني لترون بأم أعينكم عدد القواعد الأجنبية في الخليج العربي ومكان تواجدها وعدد القوة البشرية العاملين فيها ومع هذا فإني لست من أنصار التواجد الأجنبي في أي دولة عربية ورأيي أن القيادات السياسية في دول مجلس التعاون ترتكب خطأ تاريخيا بقبول هذه القوات الأجنبية على الأرض العربية، فجيلي أنهى وجود تلك القوات ولا أريد جيل أبنائي أن يشهد عودتها إلى أرض العرب برغبة القيادات السياسية.
(3)
نعم قطر في كل محفل يعود بالخير على أمتنا العربية والإسلامية، فهي قادت حوار مصالحة بين الإخوة اللبنانيين وحققت إنجازا في ذلك المجال يعترف به اللبنانيون أنفسهم، وقدمت عونا لإعادة إعمار ما دمرته الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006 ووقفت إلى جانب الشعب الفلسطيني المحاصر في قطاع غزة سياسيا وإعلاميا وماليا، وناصرت الشعب الليبي في التخلص من نظام القذافي مع بعض دول المجلس، وناصر إعلامها الثورات العربية من تونس مرورا بليبيا إلى مصر إلى اليمن وما انفكت تناصر تلك الثورات الوطنية عن طريق نشر أخبار تلك الثورات، وقدمت في السودان عملا محمودا من كل الأطراف السودانية. نعم قدمت وتقدم دون منة أو تباهي. وقدمت لليمن الكثير لا ينكره إلا حاقد بغيض. ألا تريدون أن تقدم قطر أي دعم وتأييد لمطالب الشعب العربي الذي يتعرض لاضطهاد من قبل حكومات متسلطة؟
أما ما يتعلق بقلة عدد السكان وندرة الكوادر المؤهلة، فدعوني أقول كل فرد منا في قطر يعمل بقوة عدد من الأفراد لا فرد واحد، وذلك طبقا لتوجيهات أمير البلاد سمو الشيخ حمد بن خليقة آل ثاني " كل فرد قطري عليه أن يعمل بقوة عشرة أفراد لتجاوز الندرة السكانية " أما الكوادر القطرية المتخصصة فقد عملت الدولة بتوجيهات سمو أميرها وولي عهده على تكثيف الدورات التدريبية في كل المجالات لنتمكن من القيام بواجباتنا نحو وطننا الغالي قطر فتوافرت الكوادر فما المانع من أن نكون في كل محفل؟ ولماذا لا تكونون معنا في كل محفل من أجل النهوض بأمتنا العربية الإسلامية؟
حوارات امتدت في تلك العاصمة العربية إلى الهزيع الأخير من الليل كلها تدور حول قطر والدور الذي تؤديه والأدوار التي على الآخرين أداؤها ولم يؤدوها وفي النهاية أعتقد إنني خرجت مزهوا بمرافعاتي عن بلادي قطر وذلك بشهادة البعض ممن أسروا لي بذلك.
(4)
عدت إلى الدوحة فوجدت الدوحة وما حولها من المدن تعج بالشباب العربي أكثر من 6000 ألف لاعب وإداري أتوا من كل الأقطار العربية إلا سوريا الأسيرة لكن صوتها مثلته الفنانة السورية أصالة التي غنت أغنية افتتاح الدورة الرياضة العربية في الدوحة، رجال أمن ومرور وإعلام وفرق طبية ومرشدون كلهم من قطر كانوا في خدمة هذه المظاهرة الرياضية، الأسبوع ذاته تستضيف الدوحة منتدى تحالف الحضارات الذي تنظمه قطر بالتعاون مع الأمم المتحدة والذي حضره العديد من رؤساء الدول العربية والأجنبية وأمين عام الأمم المتحدة وفريق من الكتاب والمفكرين والإعلاميين من كل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، هؤلاء أيضاً في حاجة إلى رجال أمن ومرور وخدمات طبية وإعلامية وسياحية وغير ذلك وقد قدمت لهم كافة الخدمات بالكمال والتمام، وفي الأسبوع ذاته انعقد مؤتمر محاربة الفساد، وجاء موعد افتتاح معرض الكتاب العربي والذي ضم ممثلين وأصحاب معظم دور النشر والتوزيع في الوطن العربي وإيران وتركيا واليابان إلى جانب دول أخرى. أعمال خيرية تقدم للبؤساء والمعاقين والمحتاجين والمستضعفين في أقطار شتى، وكان آخر تلك الجهود الخيرية وليست الأخيرة "حفل العشاء الخيري الرابع لمؤسسة أيادي الخير نحو آسيا روتا " وشارك في هذا الحفل كبار الشخصيات رؤساء دول أذكر منهم رئيس جمهورية النمسا وحرمه إلى جانب شخصيات عربية ودولية مرموقة هدا اللقاء الخيري الذي يتكرر كل عام من أجل جمع التبرعات لفقراء ومحتاجين في القارة الآسيوية، تقوم سعادة الشيخة المياسة آل ثاني بإدارة هذه المؤسسة الخيرية الإنسانية والإشراف على تنفيذ مشاريعها لصالح أولئك المستضعفين.
في أسبوع واحد احتضنت قطر أكثر من خمس فعاليات دولية وعربية شارك فيها الآلاف من الناس من كل الأجناس وبكل اللغات والثقافات، ألا تستحق هذه الدولة منا نحن العرب كل التقدير والاحترام وتستحق منا الإشادة بكل جهود أبنائها الذين يسهرون على أمن وسلامة وسعادة ضيوفهم؟
تمنيت أن أكون علمت بما يجري في الدوحة من فعاليات قبل حواري الذي ذكرت أعلاه كي أسمع رأي الحاسدين والحاقدين والناصحين والصادقين ومروجي الإشاعات من الكذابين والمنافقين مما رأت من فعاليات في قطر هذا الأسبوع، قلت في نفسي الدولة التي تقوم بهذه الأدوار وهذه الفعاليات الخلاقة هي دولة كبيرة رغم صغر المساحة وقلة عدد السكان.
آخر القول: نحن كبار بأفعالنا وإنجازاتنا داخليا وعربيا ودوليا، ولا نمانع في أن يكبر الكبار معنا بالأفعال لا بالمساحات وعدد السكان.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8985
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4899
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4266
| 23 سبتمبر 2026