رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إن الذي يفهم أبسط قواعد الإسلام يدرك أن مصطلح (الإسلام السياسي) دخيل على ديننا وإسلامنا، فالإسلام كل لا يتجزأ، فهو يضم في جنباته السياسة والاقتصاد وكافة العلوم الشرعية وغير الشرعية، كما أن رسولنا الكريم، وخلفاءه من بعده، كانوا هم قادة السياسة، فهم الحكام وهم أيضا من يدير شؤون البلاد ومصالح العباد، واستمر الحال على ذلك طيلة مئات السنوات التي كانت الدولة الإسلامية تتبنى الإسلام منهجا لها وطريقا لإدارة شعوبها.
ولم يعرف المسلمون مصطلح (الإسلام السياسي) بمفهومه السلبي للإسلام إلا في السنوات المتأخرة وبسبب ظروف سياسية اقتضتها مصالح الغرب وقد اتفقت مصالح الليبراليين العرب مع مصالح الغرب وأعداء الإسلام عامة، فاجتمع هؤلاء على فكرة تشويه الإسلام وتشويه من يطالب أو يعمل على تمكينه من حياة المسلمين في بلادهم، بادعاء أن هؤلاء هم من دعاة الإسلام السياسي وكأن هذا النوع من الإسلام - بزعمهم - لا يمت للإسلام بصلة وأن من الواجب محاربته والوقوف مع الغرب في حربه وحرب من ينادي به.
الحرب على ما يعرف بـ(الإسلام السياسي) بدأه الغربيون، لأنهم يعرفون أن هذا النوع من الإسلام هو الذي ينازعهم الرئاسة في بلاد المسلمين، وهو الذي يقاوم مشاريعهم الاستعمارية والاقتصادية والإعلامية والثقافية، ولأنهم يريدون استغلال بلاد المسلمين بكل ما فيها، فقد وجدوا أن المسلمين الذين يفقهون دينهم هم الذين يقاومونهم، فلم يجدوا طريقا لمقاومة ذلك إلا بمحاولة تشويه الإسلام أمام أبنائه ليخلو لهم الجو الاستبدادي الاستعماري الذي يريدونه.
ومنذ احتلال العراق وأفغانستان ومن ثم ما عرف بالربيع العربي برز مصطلح (الإسلام السياسي) بقوة، استخدمه الأمريكان والغرب لتبرير جرائمهم ثم تبعهم بعد ذلك كثير من الليبراليين العرب الذي هاجموا - وما زالوا - المسلمين الذين قاوموا المحتل أو الذين أرادوا إيجاد نوع من الحكم يتفق مع دينهم - ولا يتفق طبعا مع مصالح الغرب - فاتهموهم بممارسة (الإسلام السياسي) على اعتبار أن هذه الممارسة تخالف الإسلام، وفي جزئية كراهية الإسلام اتفق الليبراليون العرب مع الغربيين، فعملوا جميعا على تشويه الإسلام ومن يعمل من أجله.
هذا النوع من دعاة الليبرالية خالفوا منهجهم الفكري الذي يدعون الإيمان به، وأصبحوا يمارسون العبودية المطلقة للغرب وأعوانه، وأصبحت أهواؤهم ومصالحهم وكراهيتهم للإسلام كله هي التي تقودهم لحرب الإسلام واختراع الأكاذيب لتبرير ذلك الهجوم القذر على الإسلام.
وقد رأينا كيف أن الليبراليين وقفوا مع المشروع الأمريكي في قضايا تغيير المناهج الدراسية بحسب المفهوم الأمريكي وليس بحسب مصالح المسلمين، كما اتفقوا معهم على منهج تغيير الأنظمة بالقوة العسكرية وليس بالديمقراطية التي طالما طنطنوا بالدعاية لها، فأصبحت القوة هي الطريق إلى الديمقراطية أما صناديق الاقتراع التي لا تحقق أهواءهم فهم من أشد دعاة الحرب عليها حتى لو قتل من أجل ذلك آلاف البشر.
الديمقراطية عند الغربيين مجرد لعبة يحققون بواسطتها أهدافهم السياسية، وهذا المفهوم الأعرج للديمقراطية تحدثت عنه (كيركيا تريك) مستشارة البيت الأبيض في عهد الرئيس الأمريكي السابق (ريجان)، وكانت أيضا ممثلة أمريكا في الأمم المتحدة، قالت: (إن الديمقراطية مجرد لعبة لتحقيق مصالح الغرب وأن قيم الغرب وسياساته خاضعة للعبة المعايير المزدوجة)، والمفكر الغربي (روبرت كانمان) قال في كتابه (الديمقراطية والمعايير المزدوجة): (إن الجميع في الغرب يتفق على أنه من الخطر دعم الديمقراطية بجميع صورها في العالم الإسلامي، والسبب أنهم يقولون: إن التعامل مع الحكومات الفاشية أسهل بكثير من التعامل مع الحكومات الإسلامية)، وقريب من هذا القول ذكره الفرنسي (أوليفيه روا) الخبير بشؤون الإسلام السياسي، قال: (عندما يكون على الغرب الاختيار بين العلمانية والديمقراطية فهو يختار العلمانية دائما، وعندما تكون العلمانية في كفة والديمقراطية في كفة أخرى كما في الجزائر وتركيا، فالغرب يختار دائما العلمانية لا الديمقراطية، الغرب يفضل النظام التسلطي الدكتاتوري على وصول الإسلاميين للسلطة).
إن الذي يزعج الغرب ليس هو الإسلام السياسي كما يقولون وإنما هو الإسلام بحد ذاته، وهذا الواقع أكده الخبير الأمريكي المعروف (صومائيل هنتنغتون) الذي قال: (إن المشكلة بالنسبة للغرب ليست الإسلاميين المتطرفين وإنما الإسلام ككل)، ونحن نفهم من الواقع الذي نراه أنهم يعادون الإسلام الصحيح الكامل الذي يقبل على الآخرة كما يقبل على الدنيا، ولكنهم يتعايشون ويشجعون الإسلام الخامل الذي يدعي الإقبال على العبادة فقط، ولهذا فهم يشجعون على التصوف وبكل طرقه، فهم لا يهمهم كثرة المصلين أو كثرة قارئي القرآن ومن في حكمهم، خاصة إذا كان هؤلاء يقتصرون على العبادة فقط ويتركون قيادة بلادهم واقتصادها في أيدي الغربيين والأمريكان وهكذا ثقافتها وسائر قضاياها الأخرى.
الليبراليون العرب ومن منطلق كراهيتهم للإسلام كله، يرددون كالببغاوات أن الإسلاميين يريدون الوصول إلى الحكم، وأن الإسلام السياسي هو الذي يسيء إلى المسلمين!! وأعجب من هذا المنطق الغبي الذي خجل الغرب منه - ظاهريا على الأقل - فما المانع في أن يصل الإسلاميون إلى الحكم إذا كان وصولهم إليه بحسب المعايير التي وضعتها بلادهم؟! لماذا يحق لكل حزب ولكل مذهب أو دين الوصول إلى الحكم ويحرم ذلك على المسلمين؟!!
لقد أثبت الواقع أن معظم الليبراليين عروا أنفسهم وأثبتوا أنهم لا يؤمنون بما يقولون، فصفقوا لكل من وصل إلى الحكم من غير الإسلاميين وأيضا لكل من انقلب على الديمقراطية وصادر حرية الشعوب واختيارها، ولكن مبادئهم الزائفة ضاقت عن قبول الإسلاميين بأي صورة كانت، فآثروا الاصطفاف إلى جانب الغرب في عدائه للإسلام وللمسلمين، وإذا كان الغربيون ينظرون إلى مصالحهم بعيدا عن مصالح المسلمين أو دينهم وإذا كان فعلهم هذا يشكل جزءا من مساوئهم، فإن فريقا من الليبراليين العرب أكثر منهم سوءا، لأنهم نصبوا العداء لدينهم وأمتهم وقبلوا أن يكونوا مطايا للغرب وأهدافه.
الشيء المطمئن أن أكاذيب الغرب ومعهم الأمريكان وأبواقهم الليبراليون العرب أصبحوا مكشوفين وهذا سيجعل العرب يتعاملون معهم بصورة مغايرة، حتى وإن كانت بطيئة!!.
الإرهاب وثقافة قطع الرؤوس: الجذور !!
الحديث عن الإرهاب قديم ولكنه ازداد كثيرا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١ م في أمريكا، ولكن... اقرأ المزيد
2799
| 30 ديسمبر 2014
إرهاب العوامية متى يتوقف ؟؟
والعوامية - لمن لا يعرفها - بلدة صغيرة في محافظة القطيف، والإرهاب الذي أتحدث عنه لا يطال كل... اقرأ المزيد
1615
| 23 ديسمبر 2014
قطر في عرسها الوطني
اليوم الثامن عشر من ديسمبر من كل عام يحتفل القطريون بيومهم الوطني، وكان أمير قطر السابق قد أصدر... اقرأ المزيد
1438
| 09 ديسمبر 2014
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4617
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1278
| 28 سبتمبر 2026