رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحرب المجنونة على قطاع غزة، بعد مائة يوم من الوحشية والبربرية الصهيونية، والتي أخذت شكل إبادة جماعية، وحرب ضد الإنسانية، فإن حصادها مصاب، لوعة وألم، في البشر والحجر والشجر، لكن حصادها في الجانب الآخر، أكثر مرارة وألماً، وشتان بين ألم وألم، بين ألم يتحمله الإنسان تجملاً عن قناعة ويقين في جهاد يفضي إلى هدف نبيل سام، وبين مهووس بثقافة عنصرية شوفينية، وكراهية بلا حدود ومسح للآخر. لا يتحمل الالم، بل ينعكس عليه بسلوك عنيف وصدمة وخوف وقلق، وقد سجل الآلاف من افراد الجيش على لائحة العوق النفسي والعصبي الامر الذي استدعى ميزانية خاصة لمواجهة هذه النفقات!.
بعد مائة يوم.. اسرائيل فشلت فشلاً ذريعاً في تحقيق اهداف الحرب، تعرض الجيش لخسائر هائلة في الضباط والجنود، فقد ما يزيد على 1000 عجلة بين دبابة وناقلة جنود وجرافة وغيرها! رافقه فشل بتحرير حتى اسير واحد! أما هدف القضاء على حماس، فها هي اشتباكات مجاهديها من كتائب القسام على الارض مع جنود الاحتلال، تتكرر في اليوم الواحد مرات عدة دليل الفاعلية والجاهزية القتالية، فضلا عن المعنويات العالية، بالإضافة إلى صواريخ وقذائف القسام التي لم تتوقف رشقاتها نحو المدن والبلدات داخل الارض المحتلة، هي أكبر شاهد على حضورها وفعّاليتها في إدامة زخم المقاومة، أما الهدف الثالث المهم فيتعلق باستعادة «الردع» المفقود فقد تلاشى وغاب عن البيانات العسكرية ومن الخطاب السياسي، لأنه ببساطة سقط تحت ضربات كتائب القسام في صولتهم المباركة في السابع من أكتوبر، وبها تمزقت سردية «الجيش الذي لا يقهر»! وهي واحدة من الأكاذيب التي تراكمت على مدى عقود من الزمن، لكنها تهدمت خلال ساعات.
أما الداخل الصهيوني فهو منقسم انقساماً حاداً، والفجوة تتسع بين الصهاينة المتطرفين وبين الاكثر تطرفاً، بين من يعتقد بأن مواصلة الحرب لا تخدم سوى تطلعات وطموحات رئيس الحكومة نتنياهو، وحاجته لتحقيق اختراق عسكري يستعيد ما فقده، او يلمع صورته الملطخة بالفساد، وبين من يعتقد بضرورة مواصلة الحرب مدفوعاً بكراهية لا قبل للبشرية بها، تقضي- فيما يتخيله- بمسح غزة عن بكرة أبيها من الوجود.
لكن ربما الحدث الأبرز خلال هذه المائة يوم هو مثول إسرائيل ولأول مرة أمام محكمة العدل الدولية باتهام معزز بالأدلة والبراهين لارتكابها الابادة الجماعية.
أتقن عرضها فريق محامين متمرس يرأسهم وزير العدل في دولة جنوب افريقيا.
من جانب آخر، دمر جيش الكيان الصهيوني بالقصف العنيف كل وسيلة للحياة على ارض غزة، مركزاً على المنازل والمشافي والمدارس ومراكز الإيواء والمساجد والمخابز. حتى لم يعد فيها شبر آمن، ترافق ذلك مع قطع الغذاء والدواء والماء والكهرباء والوقود. مستهدفا حرمان أهل غزة من مقومات الحياة، والذي ينجو من القصف الوحشي يموت جوعاً او عطشاً أو مرضاً، لم يستثن من ذلك حتى الأطفال الخدج! والغرض واضح والنوايا الخبيثة معلومة، دفع السكان للهجرة بهدف إخلائها، لكن هيهات!
فالشعب أبيٌّ وهو يأبى ان يهاجر او يُهجّر، ومقاومة باسلة مذهلة وتأييد شعبي عالمي لا نظير له، وصورة إسرائيل النمطية في العالم باتت في الحضيض، والعالم وخصوصاً شريحة الشباب تراقب وتتأمل مبهورة من صمود أهل غزة الأسطوري. ويصدحون بمشروعية المقاومة وحق فلسطين في الحرية والوجود، بل يرون الحل في ازالة اسرائيل وليس في «حل الدولتين» كما تعدى تأثر الشباب الى «الدين» الذي صنع إنساناً قادراً على الصمود بل والاستهانة بالألم والحمل الذي تنوء به الجبال، ترافق ذلك مع السمو الاخلاقي والتميز الراقي.
أرادوا مسحها «غزة» فتحولت إلى أيقونة واصبحت مصدر إلهام لجميع شعوب الارض.
ولكن حملناها نفوساً كريمةً
تُحمّل ما لا يستطاع فتحملُ
لم تعد الصورة المزورة (للضحية الوادعة الباحثة عن السلام تستجدي تحسين فرص الحياة والمهددة من جيران متوحشين) لم تعد هذه الصورة لتنطلي على أحد، واستبدلت بصورة مغايرة تماماً، هي صورة الصهيوني الفاشي السادي المتوحش. هكذا اقترنت افعالهم باقوالهم. فمن ينكر؟
حتى بروباغندا الهولوكوست والمحرقة - صحت أم كذبت - تهدمت تحت انقاض غزة. أمّا المحرقة الحقيقية فهي هنا في غزة وهي ماثلة اليوم للعيان وسارت بأخبارها الركبان فلا يسع احد ان ينكر الا من كان اعمى البصيرة ارمد العين.
صحيفة يديعوت احرونوت اختصرت مشهد ما بعد مائة يوم من تراكم الخيبات والهزائم:
(علينا ان نتعايش مع الهزيمة!)
وقبل ايام في مقال آخر:
(عندما تكون في حفرة توقف عن الحفر اكثر… اقتباساً من مقولة “ دينس هيلي / وزير دفاع بريطاني «. حرب لا نهاية لها.. تدفع ثمن حياة جنودنا ولا تقربنا من النصر).
وبينما اختارت الولايات المتحدة الأمريكية الاصطفاف حد المشاركة الفعلية في الحرب على غزة والتحقت بها بريطانيا وألمانيا دون أدنى مراعاة للمصالح الاقتصادية والسياسية وحتى العسكرية مع الدول العربية والإسلامية، فإن المصلحة تقتضي مراجعة واعادة تقييم العلاقات معها، أما الاقربون من غزة من المحيط إلى المحيط، باستثناء قلّة، الغالبية من الأنظمة والحكومات فقد فضلت الصمت واختارت القعود والتفرج وربما الاكتفاء بالحوقلة:
وشرُّ سلاح المرء دمعٌ يفيضه
اذا الحرب شُبّت نارُها بالصوارم
على ان المنازلة لم تنته بعد ومن يجد في نفسه خيرا فليفعل، ومن جاهد فلنفسه، ومن قعد فعليها، وللتاريخ لسان يذكر وعين تبصر.
كلمة اخيرة، كيفما ستكون مآلات هذه الحرب، فإن دروسها ومضامينها ترسخت وقضي الأمر، ألخصها بمايلي:
• البحث عن حل عاجل لمظلومية فلسطين بات مطلباً عالمياً ملحّاً.
• ان القوة العسكرية مهما بلغت فإنها عاجزة عن كسر إرادة شعب يتطلع إلى الحياة بشرف وكرامة.
• ان الايمان الصادق لا زال كما كان في فجر الاسلام صانع أعاجيب ومعجزات.
• ان اسرائيل دولة مارقة، وحشية بربرية عنصرية، تشكل خطراً كبيراً على البشرية لابد ان يتصدى لها المجتمع الدولي.
• ان رهان الاتفاقيات المذلة والتنازل عن الحقوق املاً في استعادتها لاحقاً خيار فاشل.
• وأخيراً سقطت الحضارة الغربية، بما فيها من قيم وركائز، وثبت ان المنظمات والقوانين الأممية الضابطة مجرد ادوات بيد القوة الغاشمة تستخدمها الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الامن متى شاءت، للتلاعب في مصائر ما يقرب من مائتي دولة في العالم، لهذا فإن البحث عن نظام جديد اكثر عدلاً بات مطلباً غير قابل للتأجيل والعالم حقاً اكبر من خمس.
قانون ذوي الإعاقة والوعي المؤسسي
رصدنا في مقالات سابقة دقة القانون رقم 22 لسنة 2025 بشأن الأشخاص ذوي الإعاقة وإلزاميته، والجدران التقنية والإجرائية... اقرأ المزيد
96
| 21 يونيو 2026
أين شذاذ الآفاق؟
عندما أراد الإعلام الغربي ومن وراءه ان يشوهوا صورة دولة قطر إبان الاستعدادات الخاصة ببطولة كأس العالم 2022،... اقرأ المزيد
186
| 20 يونيو 2026
يوم لا أريده أن يتكرر
أكتب لكم والنعاس يكاد يفتك بي وبجانبي قهوة مركزة لعلها تفتح مدارك مخي ليركز جيداً في العمل وفي... اقرأ المزيد
246
| 20 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
● سياسي من العراق
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
مع كل ارتفاع جديد في أسعار الذهب، يتكرر المشهد نفسه. تبدأ التوقعات بمزيد من الصعود، وتنتشر النصائح بضرورة الشراء قبل فوات الأوان، ويشعر كثير من الناس بأنهم قد يفوتون فرصة استثمارية كبيرة إذا لم يدخلوا السوق سريعاً. لكن ما أن يتراجع الذهب بشكل مفاجئ حتى يبدأ سؤال آخر بالظهور: هل كان قرار الشراء صحيحاً من الأساس؟ الحقيقة أن الذهب من أكثر الأصول الاستثمارية التي يساء فهمها. فالبعض ينظر إليه على أنه استثمار مضمون، بينما يراه آخرون مجرد معدن لا يحقق أي عائد. وبين هذين الرأيين تقع الحقيقة. فالذهب ليس استثماراً سيئاً، لكنه ليس أيضاً الطريق السريع إلى الثراء. لفهم الموضوع بشكل أفضل، علينا أولاً أن نسأل: ما الذي نريده من الاستثمار؟ إذا كان الهدف هو تحقيق دخل دوري منتظم، فإن الذهب ليس الخيار المناسب. فهو لا يوزع أرباحاً مثل الأسهم، ولا يدفع فوائد مثل السندات، ولا يدر إيجارات مثل العقارات. أما إذا كان الهدف هو حماية جزء من الثروة في أوقات الأزمات وعدم اليقين، فإن الذهب يمتلك سجلاً تاريخياً طويلاً يجعله أحد أهم الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون حول العالم. ولهذا السبب تحتفظ البنوك المركزية بآلاف الأطنان من الذهب رغم امتلاكها خيارات استثمارية أخرى قد تحقق عوائد أعلى. وقد يتساءل البعض: إذا كانت الأسهم والعقارات والسندات قادرة على تحقيق عوائد أعلى، فلماذا تواصل البنوك المركزية حول العالم شراء الذهب؟ الجواب أن البنوك المركزية لا تبحث دائماً عن أعلى عائد، بل تبحث عن أعلى درجات الأمان والاستقرار. فالذهب لا يعتمد على ملاءة حكومة معينة، ولا على أداء شركة محددة، ولا يمكن طباعته كما تطبع العملات الورقية. ولهذا ينظر إليه باعتباره أحد الأصول الاحتياطية التي تساعد الدول على تنويع احتياطاتها وتقليل اعتمادها على العملات الأجنبية. وخلال السنوات الأخيرة زادت العديد من البنوك المركزية حول العالم مشترياتها من الذهب، في خطوة تعكس استمرار الثقة في دوره كأداة لحفظ القيمة على المدى الطويل، حتى في عصر تتعدد فيه الخيارات الاستثمارية وتتنوع الأدوات المالية. ومن هنا يمكن تلخيص وظيفة الذهب في عبارة واحدة: الذهب يحمي الثروة أكثر مما يصنعها. وقد عبّر المستثمر الأمريكي الشهير وارن بافيت عن هذه الفكرة بطريقة مختلفة عندما انتقد الاستثمار في الذهب، معتبراً أن الأصول المنتجة مثل الشركات والمشاريع هي القادرة على بناء الثروة الحقيقية لأنها تحقق أرباحاً وتتوسع مع مرور الوقت. في المقابل، يرى المستثمر المعروف راي داليو أن الذهب جزء مهم من أي محفظة استثمارية متوازنة، ليس لأنه يحقق أعلى العوائد، بل لأنه يساعد على تخفيف المخاطر عندما تتعرض الأسواق لصدمات مفاجئة. فالأسهم والعقارات والسندات صممت أساساً لتحقيق النمو والدخل، بينما يؤدي الذهب دور الحماية والتوازن داخل المحفظة الاستثمارية. ولعل المثال التالي يوضح الصورة بشكل أفضل. لو أن مستثمراً وضع 100 ألف ريال في الذهب قبل عشرين عاماً، فمن المرجح أنه كان سيحقق مكاسب جيدة مع ارتفاع أسعار الذهب على المدى الطويل. لكن لو استثمر المبلغ نفسه في أسهم شركات قوية أو في صندوق يتبع الأسواق العالمية وأعاد استثمار الأرباح الموزعة، لكانت النتيجة في كثير من الفترات التاريخية أفضل من الذهب. أما لو استثمر المبلغ في سندات ذات جودة ائتمانية مرتفعة، فربما كانت الأرباح أقل من الأسهم، لكنه كان سيحصل على دخل دوري منتظم طوال فترة الاستثمار. وفي العقار المؤجر، لا يعتمد المستثمر فقط على ارتفاع قيمة الأصل، بل يستفيد أيضاً من الدخل الإيجاري المستمر. وتشير البيانات التاريخية إلى أن الذهب حقق أداءً قوياً خلال العقدين الماضيين، مستفيداً من الأزمات المالية العالمية وارتفاع معدلات التضخم وزيادة مشتريات البنوك المركزية. لكن الدراسات الاستثمارية طويلة الأجل تظهر أيضاً أن الأسهم العالمية تفوقت على الذهب في كثير من الفترات الزمنية عند احتساب الأرباح المعاد استثمارها، وهو ما يؤكد أن الذهب أداة مهمة لحماية الثروة وتنويع المخاطر، لكنه ليس بالضرورة الأداة الأفضل لتحقيق أعلى العوائد. ومن الأخطاء الشائعة التي يقع فيها بعض المستثمرين شراء الذهب بعد موجات الارتفاع الكبيرة بدافع الخوف من ضياع الفرصة، أو وضع نسبة كبيرة من ثرواتهم في أصل واحد، أو اتخاذ قراراتهم بناءً على الأخبار اليومية بدلاً من خطة استثمارية واضحة. ويبقى السؤال الأهم: كم يجب أن أخصص للذهب من أموالي؟ لا توجد نسبة مثالية تناسب الجميع، لكن كثيراً من مديري الأصول العالميين يرون أن تخصيص ما بين 5 % و15 % من المحفظة الاستثمارية للذهب قد يكون كافياً لتحقيق التنويع والحماية دون المبالغة في الاعتماد عليه. وفي النهاية، لا ينبغي النظر إلى الذهب باعتباره منافساً للأسهم أو العقارات أو السندات، بل باعتباره مكملاً لها. فالذهب يشبه حزام الأمان في السيارة. لا أحد يشتري السيارة من أجل حزام الأمان، لكنه يشعر براحة أكبر عندما يكون موجوداً. فالذهب كان وسيبقى جزءاً مهماً من النظام المالي العالمي، لكنه ليس وصفة سحرية للثراء. المستثمر الناجح لا يسأل فقط: إلى أين سيتجه سعر الذهب؟ بل يسأل أيضاً: ما الدور الذي يجب أن يؤديه الذهب داخل ثروتي؟ وعندما يعرف الإجابة عن هذا السؤال، يصبح الذهب أداة استثمارية مفيدة بدلاً من أن يتحول إلى رهان عاطفي على حركة الأسعار.
30381
| 20 يونيو 2026
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات الدولارات على السفارات والبعثات والوفود الرسمية والمؤتمرات الدولية من أجل التعريف بثقافتنا وقيمنا وحضارتنا. ومع هذه الجهود الكبيرة بقيت الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في أجزاء واسعة من العالم أسيرةً لما تنتجه بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كثيراً ما ربطت الشرق الأوسط بالنزاعات، وربطت الإسلام بالتشدد والإرهاب، وقدّمت الإنسان العربي في صورة لا تعكس حقيقته ولا تاريخه الحضاري العريق. فجاءت دولة قطر وفي أقل من شهر لتنجز ما عجزت عنه سبعون سنة من العمل التقليدي للدول العربية والإسلامية وجميع سفاراتها المنتشرة في كل رقعة من العالم. لذلك لم يكن كأس العالم FIFA قطر 2022 مجرد بطولة رياضية بل كان أكبر منصة حضارية وإنسانية عرفتها المنطقة العربية في تاريخها الحديث. فبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الملاعب كانت قطر تقدّم للعالم شيئاً أكبر من كرة القدم، كانت تقدّم الإنسان العربي كما هو دون تزييف وتعرض الثقافة العربية في صورتها الحقيقية، وتكشف الوجه المشرق للإسلام القائم على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان. لقد أدركت قطر منذ البداية أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة داخل المستطيل الأخضر، بل بالصور النمطية التي يمكن تحطيمها خارج مدرجات الملاعب. ولهذا لم يكن الاستثمار القطري موجهاً نحو تنظيم بطولة ناجحة فحسب بل نحو ترسيخ إرث حضاري وإنساني طويل الأمد يغيّر نظرة العالم إلى المنطقة بأكملها. ولعل ما يبرهن على ذلك أن ملايين الزوار الذين توافدوا إلى الدوحة خلال أسابيع قليلة شاهدوا بأعينهم ما لم تستطع عشرات المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية أن تنقله خلال سنوات طويلة. فقد تعرفوا على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا تجربة الضيافة الخليجية عن قرب واستمع كثير منهم إلى الأذان للمرة الأولى واكتشفوا مجتمعاً آمناً وديناً يحترم التنوع والتعايش. وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول المستضيفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد المالية المباشرة اختارت قطر طريقاً مختلفاً. فقد استثمرت في جودة التجربة الإنسانية، وفي راحة الزوار وفي تقديم نموذج ثقافي وحضاري يظل عالقاً في الذاكرة سنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة. وكانت الرسالة واضحة، الربح المالي يمكن تحقيقه في أي مشروع، أما بناء السمعة الدولية وصناعة الانطباع الإيجابي لدى شعوب العالم فهي فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. ولهذا خرج ملايين الزوار من قطر وهم يحملون انطباعات تختلف تماماً عما كانوا يتصورونه قبل وصولهم، وتحول كثير منهم إلى سفراء لنا ينقلون تجربتهم الشخصية إلى مجتمعاتهم، وهنا كانت القوة الحقيقية للبطولة فشهادة من عاش التجربة أقوى أثراً من آلاف البيانات والحملات الإعلامية. ولعل الأهم من ذلك أن قطر لم تكن تمثل نفسها فقط، فعندما كان المشجع الأجنبي يتجول في سوق واقف أو يشاهد العائلات العربية في المدرجات فإنه لم يكن يتعرف على قطر وحدها بل كان يتعرف على العرب والمسلمين جميعاً، ولهذا شعر الملايين من أبناء المنطقة بأن قطر كانت وجههم المشرق أمام العالم وسفيرهم الذي تحدث بلغتهم وثقافتهم وقيمهم. واليوم ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ستظل تجربة قطر حاضرة في الذاكرة العالمية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الملاعب أو حجم المدن المستضيفة بل في القدرة على صناعة تجربة إنسانية تترك أثراً يتجاوز حدود الرياضة، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر عندما حولت بطولة رياضية إلى حدث ثقافي وحضاري وإنساني عالمي. لقد أنفقت قطر المليارات نعم، لكنها لم تكن تشتري بطولة بل كانت تبني سمعة وترسخ إرثاً، لم تكن تبحث عن شهرة مؤقتة بل كانت تثبت رصيداً معنوياً واستراتيجياً للعقود القادمة، واليوم يمكن القول إن المكسب الأكبر لم يكن كأس العالم ذاته، بل الصورة الجديدة التي ترسخت في أذهان الملايين عن العرب والإسلام والشرق الأوسط. وهذا ربح لا يُقاس بالأرقام ولا يُسجل في الميزانيات لكنه سيبقى واحداً من أعظم الإنجازات التي حققتها دولة قطر في تاريخها الحديث.
17643
| 16 يونيو 2026
تتردد بين المستثمرين مقولة قديمة مفادها أن «العقار يمرض ولا يموت». وقد أثبتت السنوات صحة هذه العبارة في كثير من الأحيان، فالعقار ظل لعقود طويلة أحد أهم أوعية الادخار والاستثمار وحفظ الثروة، واستطاع تجاوز أزمات اقتصادية وتقلبات مالية عديدة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في السوق القطري هو: هل ما زال العقار يحقق الثروة كما كان يفعل في السابق؟ من وجهة نظري، ما زال العقار أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه لم يعد الاستثمار السهل الذي كان يحقق المكاسب بالطريقة نفسها التي عرفها المستثمرون خلال العقود الماضية. فالسوق العقاري القطري أصبح أكثر نضجاً واستقراراً، وأصبح المستثمر مطالباً بالنظر إلى الأرقام والعوائد الفعلية أكثر من اعتماده على توقعات ارتفاع الأسعار. ومن السمات الطبيعية لأي سوق عقاري أنه يمر بمراحل مختلفة، ففي المراحل الأولى من النمو والتوسع العمراني تكون مكاسب ارتفاع الأسعار كبيرة نسبياً، مدفوعة بزيادة الطلب وتطوير البنية التحتية ودخول رؤوس أموال جديدة، أما بعد وصول السوق إلى مرحلة أكثر نضجاً، فإن وتيرة الارتفاعات السعرية تميل إلى التباطؤ، ويصبح العائد التشغيلي عاملاً أكثر أهمية في القرار الاستثماري. وقد دخل السوق العقاري القطري إلى حد كبير هذه المرحلة من النضج، ولم تعد مكاسب ارتفاع الأسعار التي اعتاد عليها المستثمرون في الماضي أمراً يمكن التعويل عليه بالدرجة نفسها. وهذا النضج لا يُعد مؤشراً سلبياً، بل يعكس انتقال السوق من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ. ولا يعني ذلك أن السوق ضعيف أو يعاني من تراجع. فعلى العكس، فقد تجاوزت التداولات العقارية في قطر 26 مليار ريال خلال عام 2025، كما تم تنفيذ آلاف الصفقات العقارية خلال العام نفسه، بينما تجاوز المخزون السكني في الدولة 400 ألف وحدة سكنية. وهنا نصل إلى النقطة الأهم: العائد الحقيقي. فمتوسط العائد الإيجاري الإجمالي في السوق القطري يدور حول 5% إلى 5.5% سنوياً، وقد يصل في بعض الحالات إلى نحو 6% قبل احتساب المصروفات، لكن المستثمر لا يعيش على العائد الإجمالي، بل على العائد الصافي الذي يبقى في حسابه البنكي بعد خصم جميع التكاليف. ولنفترض أن مستثمراً يمتلك مليون ريال ويرغب في استثمارها في شقة استثمارية، إذا حققت هذه الشقة عائداً إيجارياً إجمالياً بنسبة 6%، فإن الدخل السنوي الظاهر سيكون 60 ألف ريال. لكن بعد احتساب رسوم الخدمات والصيانة وفترات الشغور والمصاريف المختلفة، قد ينخفض العائد الصافي إلى ما بين 4% و5% فقط. كما أن هناك فرقاً جوهرياً آخر يغفل عنه كثير من المستثمرين، وهو الفرق بين امتلاك الأرض وامتلاك الوحدة العقارية فقط. لكن ربما يكون التطور الأبرز خلال السنوات الأخيرة هو ظهور منافس حقيقي للعقار في المحافظ الاستثمارية، وهو سوق السندات. فلسنوات طويلة كان العقار يمثل الخيار الأول لمن يبحث عن دخل دوري أو استثمار طويل الأجل. أما اليوم فقد أصبحت السندات وأدوات الدخل الثابت تستحوذ على اهتمام متزايد من المستثمرين حول العالم، بمن في ذلك المستثمرون في منطقتنا. بل إن بعض المستثمرين المؤسسيين حول العالم أصبحوا يقارنون العقار بالسندات من زاوية التدفقات النقدية أكثر من مقارنة أسعار الأصول نفسها. وتتميز السندات بأنها توفر تدفقات نقدية دورية معروفة مسبقاً، ولا تتطلب إدارة مستأجرين أو متابعة أعمال صيانة أو تحمل فترات شغور. كما أن المستثمر يستطيع في كثير من الأحيان معرفة العائد المتوقع منذ اليوم الأول للاستثمار. وفي الوقت الحالي توفر بعض السندات الحكومية الخليجية عوائد تقارب 4% إلى 5% بحسب مدة الاستحقاق، بينما تقدم بعض سندات الشركات الكبرى ذات التصنيف الائتماني الجيد عوائد تتراوح بين 5% و7%. كما توفر بعض الصناديق المتخصصة في أسواق الدين الناشئة عوائد أعلى من ذلك، وإن كانت مصحوبة بمستويات أعلى من المخاطر. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المستثمر سيحقق من عقار معين عائداً صافياً يتراوح بين 4% و5% بعد احتساب الرسوم والصيانة والشغور، فهل من المنطقي ألا يقارن ذلك بالعائد المتاح في السندات؟ ولنعد إلى مثال المليون ريال مرة أخرى. فإذا استثمر شخص مليون ريال في عقار يحقق عائداً صافياً قدره 4.5% سنوياً، فإنه سيحصل على نحو 45 ألف ريال سنوياً. وإذا استثمر المبلغ نفسه في أداة دخل ثابت تحقق 6%، فإن الدخل السنوي سيرتفع إلى 60 ألف ريال. أما إذا تحقق عائد 7% فسيصل الدخل إلى 70 ألف ريال سنوياً. وبالطبع لا تعني هذه المقارنة أن السندات أفضل من العقار، كما لا تعني أن العقار فقد جاذبيته. فالعقار أصل حقيقي يمكن استخدامه أو تطويره أو توريثه للأجيال القادمة. لقد تغيرت قواعد اللعبة الاستثمارية. ففي الماضي كان السؤال الذي يطرحه المستثمر هو: «في أي منطقة أشتري؟» أما اليوم فأصبح السؤال الأهم: «أين يحقق رأسمالي أفضل عائد معدل بالمخاطر؟» ومن هنا فإن مستقبل الاستثمار العقاري لن يكون لمن يشتري أكثر، بل لمن يحلل أفضل ويختار بدقة أكبر. فالعقار سيبقى أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه أصبح جزءاً من منظومة أوسع من الفرص والبدائل التي تتنافس جميعها على رأس مال المستثمر. وهذا ربما هو أهم ما يجب أن ندركه في المرحلة الحالية: أن الثروة لا يصنعها العقار وحده، بل يصنعها القرار الاستثماري الصحيح.
8643
| 14 يونيو 2026