رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

موزا محمد الكواري

باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي

مساحة إعلانية

مقالات

453

موزا محمد الكواري

رمضان .. حين يأتي الضوء بهدوء

17 فبراير 2026 , 02:29ص

شهر رمضان ليس مجرد موعدٍ يتكرر في التقويم، ولا ضيفًا يأتي ثم يمضي كما تأتي الشهور وتغادر. هو أشبه بلحظةٍ كونية تتسلل إلى الروح دون استئذان، فتوقظ فيها شيئًا كان نائمًا تحت ضجيج الأيام.

رمضان لا يطرق الأبواب بصوتٍ عالٍ، بل يصل كنسمةٍ خفيفة تغيّر ترتيب الداخل. فجأة يصبح الوقت أبطأ، والكلمات أكثر وزنًا، والسكينة ممكنة… كأن العالم يمنح الإنسان فرصة نادرة ليعود إلى نفسه، لا إلى ما حوله.

في استقبال رمضان، لا نستقبل شهرًا بقدر ما نستقبل مرآة. مرآة تكشف هشاشتنا، وتُظهر كم كنا نركض بلا معنى، وكم امتلأت أرواحنا بأشياء لا تُشبع. يأتي رمضان ليقول: ليس كل ما تملكه يكفي، وليس كل ما تعيشه حياة.

الصيام في جوهره ليس امتناعًا عن الطعام، بل تدريبٌ على الفراغ. ذلك الفراغ الذي يخيف الإنسان لأنه يضعه وجهًا لوجه أمام ذاته. في رمضان نتعلم أن الجوع ليس عدوًا، بل لغةٌ قديمة تذكّرنا بأن الإنسان لا يعيش بالامتلاء فقط، بل بالمعنى.

رمضان يشبه نافذة تُفتح في جدار السنة، يدخل منها ضوء مختلف. ضوء لا يفضحنا، بل يطهّرنا. وفي هذا الضوء، تتغير الأشياء الصغيرة: يصبح الدعاء أكثر صدقًا، والعائلة أكثر حضورًا، والليل أكثر عمقًا، وحتى الصمت يصبح عبادة.

ولعل أجمل ما في رمضان أنه لا يطلب منا أن نكون ملائكة، بل أن نكون أكثر إنسانية. أن نخفف من قسوتنا، من عجلة أحكامنا، من ضجيج رغباتنا. أن نتذكر أن الروح أيضًا تحتاج إلى صيام.

استقبال رمضان ليس زينةً في الشوارع ولا طقوسًا محفوظة، بل استعداد داخلي… أن نرتب قلوبنا كما نرتب موائدنا، وأن نغسل أرواحنا كما نغسل أيدينا قبل الإفطار.

رمضان يأتي كل عام، لكن السؤال الحقيقي:

هل نأتي نحن إليه ؟

مساحة إعلانية