رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

جاسم إبراهيم فخرو

مساحة إعلانية

مقالات

255

جاسم إبراهيم فخرو

خطب مكررة... وقضايا تنتظر المنبر

19 فبراير 2026 , 01:26ص

أصبحت خطب الجمعة في كثير من الأحيان متشابهة إلى درجة أنك تكاد تتوقع موضوع الخطبة القادمة قبل أن تسمعها، وكأنها نسخة مكررة لا تلامس هموم الناس اليومية ولا تتفاعل مع قضاياهم الواقعية. والمفارقة أن الذكاء الاصطناعي اليوم قادر على كتابة خطبة في دقائق، بطولٍ وموضوعٍ تختاره، بينما بعض المنابر ما زالت تدور في الدائرة نفسها دون تجديد أو معالجة لما يعيشه المجتمع من تحديات.

وعندما ننظر حولنا، نجد أن القضايا الاجتماعية كثيرة ومتشعبة؛ من مخالفات المرور التي تتبدل فيها السلوكيات حسب وجود الرادار من عدمه، إلى التوسع في التعدد دون مسؤولية، وتراجع الثقة في التعليم الحكومي مقابل الاندفاع نحو التعليم الخاص.

ومن أبرز هذه القضايا ما يتصل بالأسرة واستقرارها وتيسير الزواج، من تأخر سنّ الزواج، وارتفاع المهور، وتكاليف الأعراس المبالغ فيها، وما ينتج عن ذلك من عزوف بعض الشباب عن الزواج أو دخوله تحت ضغوط مالية مرهقة. ثم تأتي ظاهرة الطلاق لتزيد الصورة تعقيدًا، حيث تنهار بعض الزيجات سريعًا لأنها قامت على المظاهر والديون لا على التفاهم والرحمة والاستقرار.

هذه الموضوعات ليست بعيدة عن روح الخطبة، بل هي في صميمها، لأن الدين جاء ليهذّب السلوك وينظم حياة الناس، لا ليبقى في إطار العناوين العامة المتكررة. فالمنبر تاريخيًا كان مدرسة أخلاقية وتربوية، يلامس تفاصيل الحياة اليومية، ويعالج الأخطاء الصغيرة قبل أن تتحول إلى أزمات كبيرة.

خذ مثالًا بسيطًا من سلوكيات الصحة العامة: كم من مريض بالإنفلونزا أو الزكام يذهب إلى المسجد أو الأماكن العامة، ويسلّم على الناس وجهًا لوجه بعد الصلاة، ثم يعتذر قائلًا: “السموحة… أنا مصخّن شوي”. طيب يا أخي، إذا كنت تعلم أنك مريض، فلماذا لا تلبس كمامة على الأقل حمايةً لنفسك وللآخرين؟ أليست الوقاية من الأذى مبدأً إسلاميًا أصيلًا؟

مثل هذه السلوكيات اليومية البسيطة، لو تناولتها خطب الجمعة بواقعية وهدوء، لأسهمت في تحسين أخلاق المجتمع وصحته، ولأعادت للمنبر دوره التربوي الحقيقي، القريب من حياة الناس. ولا يقتصر هذا الدور على القضايا العامة، بل يشمل أيضًا تثقيف المصلين بآداب المساجد، والالتزام بالأخلاق الحسنة، والهندام اللائق، واحترام الإمام والمصلين، لتبقى المساجد مدارس للسلوك الراقي قبل أن تكون أماكن للصلاة فقط.

فالمجتمع مليء بقضايا تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة الأثر في تقويم السلوك ووضع الناس على الطريق الصحيح. والتوجيه إلى هذه التفاصيل اليومية هو ما يصنع التغيير الحقيقي، ويحوّل الخطبة من كلمات عابرة إلى رسالةٍ حية تؤثر في الواقع وتبني مجتمعًا أكثر وعيًا واتزانًا. فحريٌّ بالخطيب أن ينتقي القضايا بعناية، وأن يلامس واقع الناس وهمومهم، ليبقى المنبر منارةَ توجيهٍ وإصلاح، لا صدىً لموضوعاتٍ مكرّرة.

مساحة إعلانية