رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

موزا محمد الكواري

باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي

مساحة إعلانية

مقالات

543

موزا محمد الكواري

حين تتقدّم القدوة على القوة

01 فبراير 2026 , 12:00ص

هل تُقاس مكانة الدول بما تملكه من أدوات القوة، أم بما تمثّله من قيم؟ سؤال يبدو فلسفياً في ظاهره، لكنه اليوم في صميم السياسة الدولية، حيث لم يعد النفوذ حكراً على الجيوش أو الثروات، بل أصبح انعكاساً لصورة أخلاقية وسلوكية تبنيها الدول في وعي العالم.

في زمن التحولات الكبرى، تغيّر معنى القوة. لم تعد مرتبطة فقط بالقدرة على الفعل، بل بالقدرة على الإقناع، وعلى تقديم نموذج يُحتذى به. فالدولة التي تُحسن إدارة اختلافها، وتحترم إنسانها، وتلتزم بمبادئها في أوقات الرخاء كما في أوقات الأزمات، تفرض حضورها دون أن ترفع صوتها.

النفوذ الحقيقي اليوم لا يُنتزع، بل يُمنح. يُمنح عندما تصبح الدولة مرجعاً في المواقف، لا مجرد لاعب في المصالح. وعندما تتحول سياساتها إلى تعبير صادق عن منظومة قيم، لا مجرد استجابة ظرفية لموازين القوى. هنا، تتقدم القدوة على القوة، ويصبح السلوك السياسي رسالة بحد ذاته.

لقد أثبت الواقع الدولي أن القوة الصلبة قد تفرض واقعاً مؤقتاً، لكنها نادراً ما تبني احتراماً دائماً. أما القدوة، فهي نفوذ طويل الأمد، يتسلل إلى العقول قبل المؤسسات، ويصنع حلفاء قبل الاتفاقيات. فالاحترام لا يُشترى، والمصداقية لا تُفرض، بل تُبنى بتراكم المواقف.

وفي عالم مفتوح تتسارع فيه وسائل الاتصال، أصبحت صورة الدولة امتداداً لسياساتها الداخلية والخارجية معاً. فالدبلوماسية لم تعد محصورة في الغرف المغلقة، بل باتت تمارَس أمام الرأي العام العالمي، حيث تُختبر القيم يومياً، وتُقاس مصداقية الخطاب بمدى اتساقه مع الفعل.

إن الدول التي تدرك أن نفوذها الأخلاقي لا يقل أهمية عن نفوذها السياسي، هي الأقدر على الاستمرار. فالقوة قد تُخيف، لكن القدوة تُلهم. والخوف قد يفرض صمتاً مؤقتاً، أما الإلهام فيصنع اقتناعاً دائماً.

وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال مفتوحاً: أيهما أبقى في ذاكرة الشعوب والتاريخ؟ دولة امتلكت أدوات القوة، أم دولة امتلكت شجاعة أن تكون قدوة.

 

مساحة إعلانية