رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لماذا ندرس التاريخ؟ سؤال ربما سمعت به أو قرأته عشرات المرات.
ومن المؤكد أنك توقفت مرات ومرات عند هذا السؤال، ووجدت إجابات عديدة متنوعة، وربما أيضاً لاحظت أن كل أحد يجيب بالعقلية التي يدير بها حياته، أو برؤية معينة ينظر من خلالها إلى الحياة بشكل عام. ولأن كل أحد منا له نظرته الخاصة، وله فكره الخاص أو ثقافته التي قامت حياته عليها، تتنوع الإجابات على السؤال أعلاه، لكن حين يكون المرجع الأهم في محاولات الإجابة على السؤال هو القرآن الكريم، فلابد أن الإجابة تكون هي المعتمدة والرئيسية.
القرآن الكريم قد يعتقد قارئه غير المسلم، أنه كتاب تاريخي يسرد قصص الأولين، باعتبار كثرة القصص وتنوع أساليب سردها في مواضع من القرآن كثيرة، لكنه بالطبع ليس كتاباً للقصص التاريخية، إلا أن القصة لها مكانتها في القرآن، وأهدافها تتضح لقارئها كلما تدبرها وتأملها بين الحين والحين.
حين يذكر القرآن الهدف الأبرز من سرد القصص في قوله تعالى (لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِى ٱلْأَلْبَٰبِ ۗ) أي أصحاب العقول الراجحة المفكرة والمتأملة، فذلك لأن قصص الأولين في القرآن ليست للتسلية والاستمتاع كما حال القصص والروايات الدنيوية، بل هي تاريخ مضى يستحضره القرآن للتأمل والتدبر، وأخذ الدروس والعبر. فما الفائدة مثلاً من قراءة قصة عاد وثمود مع أنبيائهم ومعجزاتهم، والمشاهد الرهيبة التي وقعت لهم، إن لم نتدبر من خلال تلك القصص، أسباب رفضهم لدعوات أنبيائهم والتي استحقوا على إثرها نهاياتهم الأليمة؟
القرآن يذكر تلك القصص بأشكال متنوعة، كي يحث من يقرؤه على التدبر والتأمل، والاستفادة من دروسها الكثيرة كي تدفعه لأن يستخلص القوانين أو السنن الإلهية في البشر والحياة بشكل عام.. إذ عبر تلك القصص، عرفنا كيف الأمم والحضارات السابقة عاشت وانتهت، وكيف أن التاريخ يعيد نفسه مرات ومرات عبر العصور والحقب، إلى درجة أن يقع الحدث الآن كما لو أنه الذي كان قبل مئات أو آلاف السنين، لكن بشخوص أو أناس مختلفين.
يقع الحدث لأنه جرى وفق سنن أو قوانين معينة، سواء عبر اتباعها أو رفضها؛ يقع حدث النصر مثلاً أو قيام حضارة بشرية جديدة بسبب اتباع قواعد وسنن تحقيق الانتصار، أو قيام حضارة على أنقاض أخرى على وشك أن تزول وتختفي. وبالمثل تقع الهزيمة أو زوال حضارة بشرية ما، بسبب مخالفة قواعد وسنن الله في خلقه وأرضه (وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ).
أمثلة من التاريخ
حين ندرس مثلاً قصة سقوط بغداد أو الإمبراطورية العباسية على يد وحوش المغول، أو إمبراطورية الهدم، فلأن المنهزم سلك مسلك الهزيمة والفناء، وتوفرت وتكاملت عنده عبر الزمن أسباب وعوامل الانهزام والسقوط. وبالمثل نقول إن المنتصر، ما انتصر إلا لأنه اتبع قوانين وسنن النصر وكسب الآخرين.
التقى ناس من المسلمين واليهود والنصارى فقال اليهود للمسلمين: نحن خير منكم، ديننا قبل دينكم وكتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم، ونحن على دين إبراهيم. ولن يدخل الجنة إلا من كان هوداً. وقالت النصارى مثل ذلك. فقال المسلمون: كتابنا بعد كتابكم، ونبينا بعد نبيكم، وقد أمرتم أن تتبعونا وتتركوا أمركم. فنحن خير منكم. نحن على دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ولن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا. فأنزل الله (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوٓءًا يُجْزَ بِهِۦ).
أنزل الله القول الفصل في هذا الأمر، وبين لنا نحن المسلمين أنه ليس فضل الدين وشرفه، ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم، إن ديني أفضل وأكمل. بل عليه أن يعمل بما يهديه إليه، فإن الجزاء إنما يكون على العمل، لا على التمني والغرور. فليس أمر نجاتكم ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطاً بالأماني في الدين، فالأديان لم تُشرع للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بالانتساب إليها دون العمل بها، كما جاء في تفسير المراغي. وللإمام ابن تيمية قول مأثور يوضح لك هذا الأمر على مستوى أعم وأكبر من العمل الفردي، وهو أن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة.
سنن الله في عباده وأرضه
هذه الحياة الدنيا تسير وفق قوانين وسنن إلهية، لا تفرق بين شخص وآخر وفق عقيدته أو شكله أو عرقه؛ المعيار ها هنا هو العمل الصالح والصحيح. فالصالح يُقصد به كل عمل يعود بالنفع على عامله والآخرين، والصحيح يُقصد به ما كان وفق قوانين وسنن الله في عباده وأرضه.
عودة للمثال الذي بدأنا الحديث عنه وهو سقوط بغداد على أيدي المغول، نقول بأن أسباب السقوط والهزيمة توفرت وساهمت في سقوط الخلافة العباسية، وأبرزها الفساد والترف، ثم الظلم وغياب العدالة، وهي كلها تناقض قوانين وسنن الله في عباده وأرضه. وقد تكرر الأمر مرة أخرى وتوفرت أسباب الزوال عند دولة السلاجقة العظيمة، التي لم تدرس زوال الإمبراطورية العباسية بشكل مستفيض، فانهارت وتفككت حتى قامت على إثرها الإمبراطورية العثمانية، التي كانت قد بدأت تسلك مسالك العدل ومنع الظلم ومناصرة المظلومين، ولم تكن تعيش أجواء الترف والفساد كسابقتها من الدول والإمبراطوريات الإسلامية، فحكمت مساحات شاسعة وملايين البشر، واستمرت أكثر من ستة قرون، حتى بدأت في مخالفة سنن وقوانين الله في أرضه وعباده، فحدث لها ما حدث.
خلاصة الحديث
التاريخ ندرسه لتجنب تكرار ما حدث للأولين، أو هكذا هو الأصل في التعامل مع أحداثه، والتي هي أشبه بقوانين الكيمياء والفيزياء والرياضيات. فلا يمكن مثلاً، أن يتكون الماء إلا باتحاد ذرتي هيدروجين مع ذرة واحدة من الأكسجين، وأي تلاعب في الكميات أو مخالفة تلك المعادلة الكيميائية، فلن يظهر لك ماء، بل لا تنتظره أبداً. وبالمثل مع التاريخ. فكلما احترمت قوانين وسنن الله في أرضه وعباده، كان الله معك، وحققت ما تروم إليه، والعكس صحيح دون أدنى ريب.
التاريخ ندرسه ونستقرئ أحداثه لأجل فهم أفضل للواقع أو الحاضر، ولأجل استشراف أوضح وأدق للمستقبل. حين ندرس أسباب وعوامل زوال الإمبراطوريات المختلفة، الإسلامية وغيرها، فلأجل أن نسقطها على واقعنا اليوم أولاً، فنعالج ما يمكن معالجته قبل أن يتكرر ويعيد التاريخ نفسه. ولأجل أن نمنع ثانياً، ظهور مسببات الهزيمة والسقوط والزوال، ونعمل على صناعة أسباب النهوض والنصر. وهذا هو بكل اختصار، المنهج المعتدل في التعامل مع أحداث التاريخ دون مزيد تفصيلات وكثير شروحات.
فرائس الاتصال المرئي
منذ سنوات، ومنصات التواصل الاجتماعي تدفع المحتوى المرئي إلى الواجهة على حساب المكتوب، ظهرت منصات كاملة مبنية على... اقرأ المزيد
30
| 21 أبريل 2026
قطر والأردن.. علاقات لا ترسم بالكيلومترات
لعلك تظن أنني حين أقول إن الأمة الإسلامية والعربية عامة والأردني في طليعتهم يحمل من الود والقرب والألفة... اقرأ المزيد
54
| 21 أبريل 2026
ترنيمة الانهيار والنهوض
إن من مقتضيات النبل، ومن شواهد استنارة البصيرة، أن يُسلّم المرء لعوارض البشرية وما يعتريها من وهن فطري،... اقرأ المزيد
27
| 21 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
شهدت وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي خلال الفترة الأخيرة نقلة نوعية لافتة في أساليب التعامل مع الجمهور، انعكست بشكل مباشر على مستوى رضا أولياء الأمور والطلبة في المدارس القطرية ، وساهمت في تسهيل إنجاز المعاملات بصورة غير مسبوقة. هذه الطفرة لم تكن مجرد تحسينات شكلية، بل جاءت نتيجة رؤية واضحة تهدف إلى تطوير الخدمات التعليمية والإدارية بما يتماشى مع التحول الرقمي الذي تشهده الدولة.في السابق، كان إنجاز العديد من المعاملات المتعلقة بأمور الطلاب يتطلب وقتًا طويلًا وجهدًا كبيرًا، إضافة إلى الحاجة للمتابعة المستمرة من قبل أولياء الأمور، سواء فيما يتعلق بنقل الطلبة أو استخراج الشهادات أو متابعة الطلبات المختلفة، وكانت الإجراءات تتسم أحيانًا بالتعقيد وكثرة الخطوات، مما يسبب ضغطًا وإرهاقًا للأولياء الأمور.أما اليوم، فقد تغيرت الصورة بشكل جذري. فقد عملت الوزارة على تبسيط الإجراءات وتوحيدها، مع إطلاق منصات إلكترونية متطورة تتيح للمستخدمين إنجاز معاملاتهم بسهولة وسرعة من أي مكان. وأصبح بإمكان ولي الأمر متابعة حالة الطلب بشكل فوري، دون الحاجة إلى مراجعة المكاتب أو الانتظار لفترات طويلة،هذا التحول أسهم في تقليل الجهد المبذول، ورفع مستوى الشفافية، وتعزيز الثقة بين الجمهور والمؤسسة التعليمية.ويرى كثيرون أن السر في التحول اللافت الذي شهدته وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي في الفترة الأخيرة لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة جهود قيادية ركزت على كسر الجمود الإداري وتحديث أساليب العمل، قامت بها سعادة السيدة لولوة الخاطر وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي التي ارتبط اسمها بالدفع قدما وسريعا بعجلة التطوير التي تشهدها الوزارة وإعادة النظر في عدد من الإجراءات التي ظلت لفترات طويلة دون تغيير يُذكر.فمنذ تولي سعادتها الوزارة، اتجهت الجهود نحو مراجعة شاملة للأنظمة والإجراءات، ليس فقط بهدف التحديث، بل لإزالة التعقيدات التي كانت تُعد في السابق من المسلّمات التي لا يجب التعامل معها إلا كما هي دون تغيير، إن هذا التوجه الجديد أتاح إعادة تصميم الخدمات بطريقة أكثر مرونة، وجعل تجربة أولياء الأمور والطلبة أكثر سلاسة ووضوحًا، وقد انعكس ذلك في تقليص الوقت والجهد اللازمين لإنجاز المعاملات، وتحسين آليات التواصل مع الجمهور.كما تميزت هذه المرحلة بشكل كبير وواضح بالتركيز على اعتبار أولياء الأمور شركاء أساسيين في العملية التعليمية، وليسوا مجرد متلقين للخدمة. ومن هنا، تم تطوير قنوات تواصل أكثر فاعلية، والاستماع لملاحظاتهم بشكل مباشر، والعمل على تحويلها إلى تحسينات ملموسة على أرض الواقع.ولم يقتصر التغيير على الإجراءات فقط، بل شمل أيضًا ترسيخ ثقافة مؤسسية جديدة تقوم على الابتكار والتطوير المستمر، وتشجع على المبادرة بدلاً من التمسك بالأنماط التقليدية، هذا التحول الكبير كان له أثر كبير في جعل العمل داخل الوزارة أكثر حيوية ومرونة، وأسهم في تحقيق مستوى أعلى من رضا جميع أصحاب العلاقة مع الوزارة.إن هذه الطفرة النوعية تعكس التزام الوزارة بتحقيق التميز في تقديم الخدمات، وحرصها على مواكبة التطورات العالمية في مجال الإدارة والخدمات الحكومية،كما أنها تؤكد أن الاستثمار في التكنولوجيا وتطوير الكفاءات البشرية يمكن أن يحدث فرقًا حقيقيًا في حياة الناس اليومية.وهنا يمكن التأكيد بأن هذه الجهود القيادية أسهمت في إحداث نقلة نوعية حقيقية، حيث أصبحت الخدمات أكثر كفاءة، والتعامل مع الوزارة أكثر سهولة ومرونة، بما يعكس رؤية حديثة تضع احتياجات الطلبة وأولياء الأمور في صميم أولوياتها.
1506
| 20 أبريل 2026
في خضمّ التحولات العالمية والصراعات المتشابكة، يبرز تساؤل مهم حول طبيعة المواجهة التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم: هل هي مواجهة مع عروبة العربي، أم مع لغته وحضارته، أم أن جوهرها الحقيقي يتصل بدينه وهويته الإسلامية؟ عند التأمل في الواقع، يبدو أن كثيرًا من المؤشرات تميل إلى أن الاستهداف يتجاوز الجوانب الثقافية واللغوية، ليركّز بصورة أوضح على البعد الديني خصوصًا بعد إعلان الكثير من القادة والمسؤولين الغربيين أن الحرب صليبية. فالعالم، في سياقاته المختلفة، لا يعادي الرموز مهما كانت غريبة أو حتى غير منطقية، بل يمنحها تقديسًا واحترامًا رسميًا. ففي بريطانيا، لا يُنظر إلى «التيس ويليام وندسور» على أنه مجرد حيوان، بل هو جندي رسمي في الجيش البريطاني، له رتبة عسكرية معترف بها، ويُعامل بانضباط عسكري، ويُخصص له مرافق، ويُشارك في العروض الرسمية، بل إن هذا التقليد جزء من الأعراف التي أُقرت في ظل المؤسسة الملكية، ويُحاط به باحترام كأنه فرد من أفراد الجيش. وفي النرويج، يصل الأمر إلى مستوى أكثر غرابة، حيث مُنح البطريق «نيلز أولاف» في الحرس الملكي النرويجي رتبة لواء، وتُقام له مراسم رسمية، ويُحتفل به عند كل ترقية، ويُعامل كرمز عسكري وطني بكل معنى الكلمة. أما في الولايات المتحدة، فإن حيوان «البايسون» (الجاموس الأمريكي) لا يُعتبر مجرد كائن طبيعي، بل هو رمز وطني رسمي، تُطبع صورته على العملات، وتُنشأ له هيئات ومنظمات للحفاظ عليه، ويُقدَّم بوصفه جزءًا من التراث الأمريكي الذي يجب صونه. وفي أستراليا، يُعدّ الكنغر رمزًا وطنيًا بارزًا، بل إن البعض يذهب إلى اعتباره أقدم من الوجود البشري في القارة، وتُبذل جهود كبيرة لحمايته، حتى أصبح حضوره أقوى في الرمز الوطني من حضور السكان الأصليين أنفسهم في بعض الخطابات. وفي إثيوبيا، تُمنح بعض الطيور مثل «الكرك الإثيوبي» مكانة خاصة، ويُنظر إليها كرمز مرتبط بالهوية الطبيعية والثقافية، وتُحاط بنوع من التقدير الذي يقترب من القداسة في الوعي الشعبي. بل إن الأمر لا يتوقف عند الكائنات الحية، بل يمتد إلى الأساطير؛ ففي الصين، يُقدَّس “التنين”، وهو كائن خيالي لا وجود له، ومع ذلك يُرفع في المهرجانات، ويُجسّد القوة والهيبة، ويُعامل كرمز وطني عريق دون أي اعتراض عالمي. كل هذه الأمثلة تؤكد حقيقة واحدة واضحة: العالم لا يرفض أن يكون للشعوب رموز، بل على العكس، يدعمها ويُعظّمها، مهما كانت طبيعتها، حيوانًا أو طائرًا أو حتى كائنًا أسطوريًا. لكن عند الحديث عن العرب والمسلمين، تتغير المعايير بشكل لافت. فلا يُنظر إلى ارتباطهم بدينهم كرمز وهوية يجب احترامها، بل يُقدَّم في كثير من الأحيان كقضية يجب أن تخضع للنقاش والتعديل والتدخل. فتُراجع مناهجهم، وتُنتقد شعائرهم، وتُعاد صياغة مفاهيمهم الاجتماعية والسياسية، وتُطمس سير قدواتهم وقادتهم، وكأن المطلوب ليس مجرد التعايش، بل إعادة تشكيل الهوية نفسها. وهنا تظهر المفارقة بوضوح: العالم يقبل أن يكون للتنين مكانة، وللبطريق رتبة عسكرية، وللتيس احترام رسمي، وللبايسون حضور على العملة… لكن حين يكون للعربي والمسلم دينٌ يشكّل هويته، ويرتب أولوياته، ويُبرز أعلامه، ويُذكر بملهميه، يصبح ذلك محل جدل واعتراض وسخط وغضب!!. وهذا ما يدفع إلى التساؤل الحقيقي: هل المشكلة في العرب، أم في الإسلام ؟ إن قراءة هذا الواقع تكشف أن التحدي لم يكن يومًا موجّهًا إلى اللغة أو العِرق، بل إلى العقيدة، وأن الصراع الحقيقي يدور حول هويةٍ تريد أن تبقى كما هي، في عالمٍ يقبل كل الرموز… إلا رمزًا واحدًا إذا كان مرتبطًا بالإسلام.
1371
| 15 أبريل 2026
لم يعد الزواج، عند شريحة من الشباب، مجرد خطوة نحو الاستقرار وبناء أسرة، بل تحوّل في بعض الحالات إلى ساحة تنافس مفتوحة، تُقاس فيها القيمة بمدى الفخامة، وعدد الحضور، وحجم التفاعل الاجتماعي. مشهد يتكرر: سباق نحو «أفضل عرس»، و»أفخم قاعة»، و»أكبر عدد من المعازيم»، و»أقوى تغطية إعلامية»، وكأن الحدث لم يعد بداية وبناء حياة جديدة، بل عرضًا قصيرًا يخضع لمقاييس الإبهار، وهي في الأساس أتت من مفهوم دنيوي خاطئ وهو البحث عن الوجاهة! ومن اللافت ظهور ممارسات دخيلة على ثقافة المجتمع، مثل تعدد الأزياء الرسمية خلال ساعات الحفل، أو الالتزام ببروتوكولات أقرب للمناسبات الرسمية منها للاحتفالات الاجتماعية، هذه التفاصيل؛ رغم بساطتها الظاهرية، تعكس تحوّلًا أعمق في مفهوم الزواج نفسه، حيث تتقدّم الشكليات على الجوهر. وخلف هذا المشهد للأسف يقف عامل مؤثر وهو «ضغط المجتمع»؛ فالكثير من الشباب باتوا يخشون «كلام الناس» أكثر من خشيتهم من التبعات المالية أو النفسية، مما تؤدي هذه الخشية إلى إنفاق مبالغ كبيرة، قد تصل إلى حد الاستدانة، فقط لضمان صورة مثالية في نظر الآخرين! لكن ما يغيب عن كثيرين، أن هذا «الاستثمار في المظهر» غالبًا ما يكون قصير الأمد، إذ ينتهي تأثيره بانتهاء حفل الزواج، بينما تبقى التبعات المالية والنفسية لفترة أطول، قد تمتد إلى بداية الحياة الزوجية نفسها. ولعل علم النفس يُفسّر هذا السلوك ضمن ما يُعرف بـ Status Anxiety، وهو القلق المرتبط بالمكانة الاجتماعية ونظرة الآخرين. في هذه الحالة، لا يُبنى القرار على القناعة الشخصية، بل على المقارنة المستمرة مع الآخرين، والسعي لتجنب الانتقاد أو التقليل. هذا النوع من التفكير قد يدفع الأفراد إلى تضخيم التفاصيل الشكلية على حساب الأساسيات، ويجعل من لحظة الفرح مصدر توتر بدل أن تكون مناسبة للراحة والاطمئنان. في مقابل هذا الاتجاه، يبرز مفهوم بسيط لكنه عميق الدلالة مفاده أن البركة تكمن في التيسير، وأن البدايات الهادئة قد تكون أكثر استقرارًا، فالزواج؛ في جوهره ليس مناسبة عابرة، بل مشروع طويل الأمد يقوم على التفاهم والمسؤولية والمودة. ولعل إعادة ترتيب الأولويات باتت ضرورة ملحة في مثل هذه الظروف، بحيث يعود التركيز إلى جودة العلاقة لا شكل الحفل، والاستقرار النفسي لا الانطباع الاجتماعي، والقدرة على الاستمرار لا لحظة الظهور. فاصلة أخيرة حين تتحول بداية الزواج إلى استعراض، يفقد الحدث معناه الحقيقي. أما حين يُبنى على القناعة والبساطة، فإنه يفتح الباب لحياة أكثر توازنًا وهدوءًا. فالزواج لا يُقاس بما يُقال عنه في ليلة واحدة، بل بما يُبنى على أسس نفسية وقناعة شخصية دون التأثر من ردود وآراء آنية.
891
| 16 أبريل 2026