رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كانت أبرز سردية كل المشاركين في المنتدى الاقتصادي العالمي بالدوحة هذه الأيام هي الإرادة على رفض ما سمي بالنظام العالمي بسبب فشله ومعاييره المزدوجة والظلم المسلط على الشعوب ومن جهة أخرى تتلاحق الأحداث الجسام في بلداننا العربية وفي العالم بأسره حولنا بوتيرة يومية لتعلن عن ظاهرة استثنائية عالمية قد لا يتفطن لها العرب في خضم مأساة جزء منهم فلسطين وهي تتعرض منذ 7 أكتوبر 2023 الى حرب إبادة جماعية نازية غير مسبوقة ومهما كان الخطب الراهن فنحن العرب معتادون على الغفلة بل مطبعون مع الاستسلام قابلون للاحتلال ثم للاستبداد حسب تعبير مالك بن نبي إلا قلة من حكامنا حفظهم الله يؤدون الأمانة ويثبتون على العهد أولهم حضرة صاحب السمو أمير قطر حفظه الله.
** لم تكن حالتنا تلك صدفة أو بإرادتنا بل جاءت نتيجة مدروسة لمخططات استعمارية قديمة زرعت في المسلم بذور احتقار الذات وتعظيم الغرب الطاغي! وأصابنا داء الانغيار (أي الذوبان في الغير) مع ما رافقه من عدم الاهتمام بما يمس مصالحنا الحيوية وأمننا القومي وهويتنا الأصيلة في زمن لا يغفر للغافلين غفلتهم وفي زمن نطلق عليه نعت عصر العولمة. يكفي أن نقرأ التحولات العميقة التي تضمنها بيان مؤتمر ميونخ للأمن الدولي المنعقد في 17 فبراير 2024 وبيان القمة للعشرين دولة الأقوى الذي انعقد في نيودلهي في 10 سبتمبر 2023 لندرك حجم ومدى التغيير في طبيعة العلاقات الدولية حيث استفاقت كل الأمم الأخرى على الحقائق الجديدة الطارئة والمفروضة على الناس جميعا.
** أكبر وأخطر هذه الحقائق هي إفلاس النظام العالمي الأطلسي التقليدي الجائر الذي نشأ مع نهاية الحرب العالمية الثانية وتشكل حسب مصالح وإرادة الدول الكبرى المنتصرة على الأعداء النازيين في ألمانيا والفاشيين في إيطاليا والمتجبرين في اليابان، أي أولئك المهزومين الذين يسمون تحالفهم بدول المحور حين هزمتهم جيوش أمريكا وبريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفييتي (آنذاك) واستسلم المهزومون الثلاثة بعد قصف مدينتي هيروشيما وناجازاكي بالقنابل الذرية في أغسطس 1945، وشرع الغالبون يقسمون الدول المهزومة إلى مقاطعات تخضع لهم وعاقبوها بإذلالها وحرمان شعوبها من أن تكون لهم دول مستقلة أو جيوش أو حتى رايات تمثل سيادتهم.
**والكبار من القراء عايشوا الحرب الباردة بين المعسكرين الليبرالي الذي تتزعمه واشنطن والشيوعي الذي تتزعمه موسكو وكيف هندس هؤلاء المنتصرون نظاما سموه «عالميا سيستم» يضمن على المدى البعيد سيطرتهم ويضمن خضوع المهزومين ولكنه «سيستم» يضمن لهم كذلك استمرار عجز الشعوب المستضعفة عن التحكم في مصائرها ومن هذه الشعوب نحن العرب ولم نكن طرفا لا في الحرب ولا في السلم بل حشرونا حشرا في خانة سموها «دول العالم الثالث» أو بنعت ألطف «الدول السائرة في طريق النمو» واكتشف جيلنا العربي أن النمو لا يزال بعيد المنال وتساءلنا في كتبنا ومؤتمراتنا عن طريق النمو الموعود وقلنا إما أننا نزحف كالسلاحف على الطريق وغيرنا يجري كالغزلان وإما أننا أخطأنا الطريق أصلا!
** تشكل ما سموه النظام العالمي منذ 1945 على قياس المنتصرين ولخدمة مصالحهم ولضمان هيمنتهم فأسسوا منظمة الأمم المتحدة بمبادئ سامية معلنة تغش شعوب الأمم المستضعفة، بينما دفن المستكبرون في ميثاقها لغما يسمى «حق النقض» (الفيتو) فاستعملوه على سبيل المثال ضد الحقوق الفلسطينية 73 مرة آخرها منع واشنطن تمرير قرار مجلس الأمن لمنح فلسطين مقعدا في المنظمة رغم شبه الإجماع في الجمعية العامة على قبول دولة فلسطين في الأسرة الأممية!
ثم فكر المستبدون في الهيمنة على الاقتصاد العالمي ومصادرة خيرات البلدان الهشة فأسسوا سوقين للمال يتحكمان في مسالك التجارة العالمية وتداول العملات وتحديد كمية المواد الأولية التي تستغل وأسعار الطاقة، والسوقان هما «وول ستريت» في نيويورك و»السيتي» في لندن (وقد ولدا في مؤتمر بريتن وودس في يوليو1944 مع البنك العالمي وصندوق النقد الدولي) وهما يسيطران إلى اليوم على 76% من اقتصاد العالم.
** ثم بطبيعة تشابك الاقتصادي مع السياسي انتهكت حرمات الشعوب المستضعفة وديست مصالحها الحيوية وصفيت قضايانا المركزية مثل الملف الفلسطيني المهدد بالحل النهائي الذي عرضه (جاريد كوشنير) على دول الشرق الأوسط في مايو2017 ورفضته دولة قطر في حينه بالقول إن قطر لا توافق على مشروع لم يحظ بموافقة الفلسطينيين أنفسهم. وانهارت حرياتنا وهوياتنا بفعل الغزو الممنهج واستمر النظام العالمي لمدة خمسة وسبعين عاما وهو ليس نظاما بل هو يرسم ملامح فوضى أقنعونا بأنها خطوط حمراء لا يجوز الاقتراب منها أو التشكيك فيها! وحين قامت حماس بعملية 7 أكتوبر زلزل النظام المسمى زورا بالعالمي واستيقظت الصين ليفرض رئيسها على الغرب في زيارته التاريخية منذ أيام الى باريس إرادة بيجين كسر وحدانية الولايات المتحدة وانفرادها بقيادة العالم كما عاد بوتين الى أصول روسيا القيصرية ليثبت أن موسكو لن تتسامح باذلالها في حرب الغرب عليها عن طريق أوكرانيا، وأذكر للتاريخ وللحقيقة أني حالفني الحظ بالتعرف منذ أكثر من ثلث قرن على المفكر الاقتصادي الأمريكي ومستشار الرئيس ريغن في الثمانينيات السيد «ليندن لاروش» الراحل عنا منذ سنوات قليلة وزوجته السياسية الألمانية السيدة «هلجا لاروش» رئيسة معهد «شيلر» الدولي وشاركت في مؤتمرات عديدة نظماها في واشنطن وبون وباريس وفرانكفورت وتحاورت معهما في عديد المناسبات وكانا يحملان هذه الأفكار منذ السبعينيات وينددان بالظلم المسلط على الأمم ويدعوان إلى تأسيس نظام عالمي عادل وبالطبع كانت كل أجهزة الإعلام الغربية تكيل الشتائم لهما وتروج أن هذه الأفكار هي متطرفة وخيالية (أقوى وسائل الإعلام كانت ولا تزال أذرعا للإمبراطوريات المالية).
** أدركت شخصيا اليوم أن إصرار ليندن لاروش على مبادئه ودفاعه عن حقوق الشعب الفلسطيني أثمر بعد عقود وأن زعماء أمثال بوتين وأردوغان والرئيس الصيني (شي جين بنغ) وأن نخبا من دول أوروبية وآسيوية ومن أمريكا الجنوبية يجسدون اليوم حلم «لاروش». وظهر ذلك في الاتجاه السليم الذي توخاه مؤتمر قمة العشرين الأقوى «جي20» وأعلن فيه الرئيس الصيني إنه على قادة العالم اليوم أن يتحالفوا لهندسة نظام اقتصادي ونقدي واستراتيجي وثقافي جديد ومختلف عن النظام القديم.
**من هذا المنظور فإن تشكل نظام عالمي بديل تعزز بطوفان الأقصى الذي قلب الموازين وحطم الأساطير وأثبت أن المستضعفين قادرون على تحدي وهزيمة المستكبرين بروح إسلامية (أو أخلاقية) عادلة ومشروعة وهو في الحقيقة اعتراف بالمساواة بين الحضارات من دون الصدام الذي تصوره المفكر الأمريكي «صامويل هنتنجتن»، والذي كرسته في بداية القرن سياسات المحافظين الجدد بزعامة الرئيس بوش الابن.
عودة وساطة الخير والسلام القطرية
عندما كنت بصدد تحرير مقالي واخترت عنوانه فوجئت كما فوجئتم جميعا بعودة الاشتباكات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران... اقرأ المزيد
159
| 04 سبتمبر 2026
الغرب المنتقل من حكم القانون إلى الشعبوية (1)
الشعبوية بطبعها مناقضة للأمن والسلام وجلابة للعنف بين الدول وهو ما يجرنا للإشارة الى جهود دولة قطر بتوجيه... اقرأ المزيد
288
| 27 أغسطس 2026
فقدان إسرائيل السند تلو السند
حينما تكتب (واشنطن بوست): مع اقتراب الانتخابات الحاسمة في الولايات المتحدة وإسرائيل، يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس... اقرأ المزيد
228
| 20 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5814
| 23 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3108
| 24 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
2988
| 29 سبتمبر 2026