رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أفادتنا وكالة الأنباء القطرية بأن مجلس الوزراء اجتمع يوم الأربعاء الماضي برئاسة معالي الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية للنظر في السياسة والاستراتيجية العامة للمحتوى المحلي الوطني اللتين أعدتهما وزارة المالية بالتنسيق مع المجلس الوطني للتخطيط تنفيذا لأحكام قرار مجلس الوزراء رقم 11 لسنة 2025 والذي يتعلق خاصة بتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار محليا بتوفير فرص استثمارية عديدة وجديدة وفي نفس السياق أطلقت محكمة الاستثمار والتجارة مدونة الأحكام القضائية في المجال التجاري تحت شعار: "عدالة أكثر شفافية" وتهدف المدونة خاصة الى تعزيز سيادة القانون وتسهيل الوصول الى المعرفة القضائية وبدعم الثقة في المنظومة العدلية. ولا يخفى اليوم أن اسم دولة قطر أصبح متداولا لا في أوساط السياسات الدولية فحسب بل وأيضا في أوساط المستثمرين العالميين حيث يصنفونها كوجهة أولى لجلب الاستثمارات الضخمة من مختلف قارات الدنيا، والأسباب لهذا التميز معروفة تتلخص في خيارات قيادتها الرشيدة منذ عقود والتي راهنت وما زالت على بناء اقتصاد قوي يرتكز على مؤسسات شفافة محترمة للقانون وعادلة في توزيع أرباح مساهميها ويكفي للتأكد من هذه الأمانة أن تلقوا نظرة على ما تنشره الصحف اليومية القطرية من كشوف أرباح الشركات والمصارف بغاية إطلاع الرأي العام على الأرقام الحقيقية الدالة في النهاية على حسن التصرف في الأموال المودعة فيها. والجميع يعلم أن العالم يشهد اضطرابات جيوسياسية وتقلبات اقتصادية متسارعة انعكست خاصة على منطقة الشرق الأوسط ورغم ذلك تواصل دولة قطر ترسيخ مكانتها كواحدة من أبرز الوجهات الجاذبة للاستثمارات الأجنبية المباشرة، مستفيدة من قوة اقتصادها، واستقرار سياساتها المالية، ومرونة بنيتها التحتية، فضلًا عن رؤيتها التنموية بعيدة المدى. وأظهرت أحدث بيانات المجلس الوطني للتخطيط ومصرف قطر المركزي، أن رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر الوارد إلى قطر ارتفع بنهاية عام 2025 إلى نحو 165.4 مليار ريال قطري، مسجلًا نموًا بنسبة 2% مقارنة بعام 2024، فيما ارتفعت الاستثمارات القطرية الخارجية إلى 210 مليارات ريال بزيادة بلغت 8.1%. كما كشفت بيانات الربع الثالث من عام 2025 عن نمو رصيد الاستثمار الأجنبي الداخل بنسبة 7% ليصل إلى 157 مليار ريال، في مؤشر واضح على استمرار ثقة المستثمرين العالميين في الاقتصاد القطري، رغم التحديات التي تشهدها الأسواق الدولية.
ويؤكد مراقبون أن قدرة قطر على جذب الاستثمارات الأجنبية لا ترتبط فقط بوفرة السيولة أو قوة قطاع الطاقة، بل بمنظومة متكاملة من العوامل، تشمل البيئة التشريعية الحديثة، وتسهيل تملك المستثمرين الأجانب، وتطوير المناطق الحرة، إضافة إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية الرقمية واللوجستية. وخلال السنوات الأخيرة، نجحت قطر في التحول إلى مركز إقليمي للاستثمارات في قطاعات التكنولوجيا والخدمات المالية والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة مستفيدة من مشاريع استراتيجية عملاقة عززت مكانتها كمحور اقتصادي عالمي.
ورافقت الحكومة القطرية عن طريق وزارة التربية والتعليم هذه النهضة الرقمية ببرامج تهيئة عديد الطلاب والطالبات وتكوينهم في مجالات تلك الثورة التكنولوجية حتى ينخرطوا فيها ويثروها بزادهم المعرفي المكتسب. وتشير بيانات المجلس الوطني للتخطيط إلى أن أكثر من 95% من الاستثمارات الأجنبية المباشرة الواردة تركزت في خمسة قطاعات رئيسية، تصدرها التعدين واستغلال المحاجر بنسبة 44%، تليه الأنشطة المالية والتأمين بنسبة 32%، ثم الصناعات التحويلية بنسبة 15%، ما يعكس نجاح الدولة في الحفاظ على قوة القطاعات الاستراتيجية بالتوازي مع دفع جهود التنويع الاقتصادي.
ويرى الخبراء أن التجربة القطرية في مواجهة الأزمات عززت ثقة المستثمرين الدوليين بصورة كبيرة خاصة بعد النجاح في تجاوز تداعيات الأزمة الإقليمية سابقًا ثم التعامل بكفاءة مع تداعيات جائحة كورونا وصولًا إلى التعامل المرن مع التقلبات الجيوسياسية وأسواق الطاقة العالمية. وخلال تلك المراحل تمكنت قطر من الحفاظ على استقرار عملتها وقوة احتياطياتها المالية واستمرار تنفيذ مشاريعها الاستراتيجية دون تباطؤ وهو ما منح الاقتصاد القطري سمعة دولية باعتباره اقتصادًا قادرًا على امتصاص الصدمات والتكيف السريع مع المتغيرات.
كما يؤدي جهاز قطر للاستثمار دورًا محوريًا في تعزيز صورة قطر الاستثمارية عالميًا، عبر إدارة أصول ضخمة واستثمارات متنوعة في الأسواق الدولية، إلى جانب إطلاق برامج لدعم صناديق رأس المال الجريء والشركات الناشئة، بما يسهم في بناء منظومة استثمارية متطورة داخل الدولة. وفي قطاع البنية التحتية الرقمية تواصل قطر تعزيز تنافسيتها عبر مشاريع اتصالات وكابلات بحرية ومراكز بيانات متقدمة بما يدعم تحولها إلى مركز إقليمي للبيانات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي ويزيد من جاذبيتها للاستثمارات المستقبلية.
ما يميز قطر عن العديد من الاقتصادات الناشئة هو امتلاكها مزيجًا نادرًا من الاستقرار السياسي والفوائض الناتجة عن صادرات الغاز الطبيعي المسال إضافة إلى رؤية تنموية واضحة ضمن رؤية قطر الوطنية 2030، التي تركز على بناء اقتصاد قائم على المعرفة والتنويع والاستدامة. وبينما تواجه اقتصادات عديدة ضغوطًا مرتبطة بالتضخم أو تراجع الاستثمارات أو اضطراب سلاسل الإمداد، تواصل قطر تسجيل مستويات مرتفعة من الثقة الاستثمارية، مدعومة باستمرار الإنفاق الحكومي على المشاريع الكبرى وتوسع القطاع الخاص وتطوير البيئة التنظيمية والتشريعية.
يؤكد الأداء الاقتصادي القطري أن الدولة نجحت في تحويل الأزمات إلى فرص عبر تسريع خطط الاكتفاء الذاتي، وتنويع الشراكات التجارية، وتوسيع استثماراتها العالمية، بما عزز مكانتها كاقتصاد مرن وقادر على النمو حتى في أصعب الظروف. ومع استمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية وتوسع المشاريع الاستراتيجية في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والخدمات تبدو قطر ماضية بثبات نحو ترسيخ موقعها كأحد أهم المراكز الاقتصادية والاستثمارية في المنطقة والعالم.
ولابد أن نرصد أنشطة الأسواق المالية القطرية أي (البورصة) بسبب ارتباطها بمجال الاستثمارات الذي هو محور مقالنا هذا حيث ألقت الأحداث الخطيرة التي خيمت على المنطقة منذ اندلاع الحرب في المنطقة بظلالها على أداء بورصة قطر ومما يذكر ضمن النجاحات ارتفاع أسهم مؤسسات كبرى مثل (أوريدو) و(بلدنا) و(مصرف قطر الوطني) وشركات أخرى متميزة بالصمود في زمن العواصف وكما تعلمون لديها امتدادات عالمية، حيث إن لها فروعا في عديد البلدان الأخرى حولتها إلى منارات استثمارية دولية شرفت اسم قطر ورفعته عاليا. لو أردنا التعمق فيما سميناه "أسباب جلب قطر للاستثمارات العالمية" علينا الرجوع لعقيدة القيادة القطرية الحكيمة التي آمنت بالشرعية الدولية قاعدة توازن دولي واجتنابا للفوضى وتحكم الأمزجة في مصير الاقتصاد العالمي.
أزمة البرنامج النووي الإيراني
حين قررت اختيار موضوع أطروحتي للدكتوراه تحت عنوان (البرنامج النووي الإيراني والأمن القومي الخليجي) كنت مدفوعا بالكثير من... اقرأ المزيد
24
| 15 يونيو 2026
الذكاء الاصطناعي وتسونامي البطالة المُحتمل
هل تعلم عزيزي القارئ أنّ ما تراه اليوم من قُدراتٍ مُذهلة لأنظمة الذكاء الاصطناعي ليست سوى بداية الطريق؛... اقرأ المزيد
24
| 15 يونيو 2026
التعليم في قطر.. الاستثمار في الإنسان رؤية وطن
في كل عام، ومع انطلاق حفلات التخرج التي تمتلئ بها منصات التواصل الاجتماعي، نشاهد مشاهد تبعث على الفخر... اقرأ المزيد
30
| 15 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تتردد بين المستثمرين مقولة قديمة مفادها أن «العقار يمرض ولا يموت». وقد أثبتت السنوات صحة هذه العبارة في كثير من الأحيان، فالعقار ظل لعقود طويلة أحد أهم أوعية الادخار والاستثمار وحفظ الثروة، واستطاع تجاوز أزمات اقتصادية وتقلبات مالية عديدة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في السوق القطري هو: هل ما زال العقار يحقق الثروة كما كان يفعل في السابق؟ من وجهة نظري، ما زال العقار أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه لم يعد الاستثمار السهل الذي كان يحقق المكاسب بالطريقة نفسها التي عرفها المستثمرون خلال العقود الماضية. فالسوق العقاري القطري أصبح أكثر نضجاً واستقراراً، وأصبح المستثمر مطالباً بالنظر إلى الأرقام والعوائد الفعلية أكثر من اعتماده على توقعات ارتفاع الأسعار. ومن السمات الطبيعية لأي سوق عقاري أنه يمر بمراحل مختلفة، ففي المراحل الأولى من النمو والتوسع العمراني تكون مكاسب ارتفاع الأسعار كبيرة نسبياً، مدفوعة بزيادة الطلب وتطوير البنية التحتية ودخول رؤوس أموال جديدة، أما بعد وصول السوق إلى مرحلة أكثر نضجاً، فإن وتيرة الارتفاعات السعرية تميل إلى التباطؤ، ويصبح العائد التشغيلي عاملاً أكثر أهمية في القرار الاستثماري. وقد دخل السوق العقاري القطري إلى حد كبير هذه المرحلة من النضج، ولم تعد مكاسب ارتفاع الأسعار التي اعتاد عليها المستثمرون في الماضي أمراً يمكن التعويل عليه بالدرجة نفسها. وهذا النضج لا يُعد مؤشراً سلبياً، بل يعكس انتقال السوق من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ. ولا يعني ذلك أن السوق ضعيف أو يعاني من تراجع. فعلى العكس، فقد تجاوزت التداولات العقارية في قطر 26 مليار ريال خلال عام 2025، كما تم تنفيذ آلاف الصفقات العقارية خلال العام نفسه، بينما تجاوز المخزون السكني في الدولة 400 ألف وحدة سكنية. وهنا نصل إلى النقطة الأهم: العائد الحقيقي. فمتوسط العائد الإيجاري الإجمالي في السوق القطري يدور حول 5% إلى 5.5% سنوياً، وقد يصل في بعض الحالات إلى نحو 6% قبل احتساب المصروفات، لكن المستثمر لا يعيش على العائد الإجمالي، بل على العائد الصافي الذي يبقى في حسابه البنكي بعد خصم جميع التكاليف. ولنفترض أن مستثمراً يمتلك مليون ريال ويرغب في استثمارها في شقة استثمارية، إذا حققت هذه الشقة عائداً إيجارياً إجمالياً بنسبة 6%، فإن الدخل السنوي الظاهر سيكون 60 ألف ريال. لكن بعد احتساب رسوم الخدمات والصيانة وفترات الشغور والمصاريف المختلفة، قد ينخفض العائد الصافي إلى ما بين 4% و5% فقط. كما أن هناك فرقاً جوهرياً آخر يغفل عنه كثير من المستثمرين، وهو الفرق بين امتلاك الأرض وامتلاك الوحدة العقارية فقط. لكن ربما يكون التطور الأبرز خلال السنوات الأخيرة هو ظهور منافس حقيقي للعقار في المحافظ الاستثمارية، وهو سوق السندات. فلسنوات طويلة كان العقار يمثل الخيار الأول لمن يبحث عن دخل دوري أو استثمار طويل الأجل. أما اليوم فقد أصبحت السندات وأدوات الدخل الثابت تستحوذ على اهتمام متزايد من المستثمرين حول العالم، بمن في ذلك المستثمرون في منطقتنا. بل إن بعض المستثمرين المؤسسيين حول العالم أصبحوا يقارنون العقار بالسندات من زاوية التدفقات النقدية أكثر من مقارنة أسعار الأصول نفسها. وتتميز السندات بأنها توفر تدفقات نقدية دورية معروفة مسبقاً، ولا تتطلب إدارة مستأجرين أو متابعة أعمال صيانة أو تحمل فترات شغور. كما أن المستثمر يستطيع في كثير من الأحيان معرفة العائد المتوقع منذ اليوم الأول للاستثمار. وفي الوقت الحالي توفر بعض السندات الحكومية الخليجية عوائد تقارب 4% إلى 5% بحسب مدة الاستحقاق، بينما تقدم بعض سندات الشركات الكبرى ذات التصنيف الائتماني الجيد عوائد تتراوح بين 5% و7%. كما توفر بعض الصناديق المتخصصة في أسواق الدين الناشئة عوائد أعلى من ذلك، وإن كانت مصحوبة بمستويات أعلى من المخاطر. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المستثمر سيحقق من عقار معين عائداً صافياً يتراوح بين 4% و5% بعد احتساب الرسوم والصيانة والشغور، فهل من المنطقي ألا يقارن ذلك بالعائد المتاح في السندات؟ ولنعد إلى مثال المليون ريال مرة أخرى. فإذا استثمر شخص مليون ريال في عقار يحقق عائداً صافياً قدره 4.5% سنوياً، فإنه سيحصل على نحو 45 ألف ريال سنوياً. وإذا استثمر المبلغ نفسه في أداة دخل ثابت تحقق 6%، فإن الدخل السنوي سيرتفع إلى 60 ألف ريال. أما إذا تحقق عائد 7% فسيصل الدخل إلى 70 ألف ريال سنوياً. وبالطبع لا تعني هذه المقارنة أن السندات أفضل من العقار، كما لا تعني أن العقار فقد جاذبيته. فالعقار أصل حقيقي يمكن استخدامه أو تطويره أو توريثه للأجيال القادمة. لقد تغيرت قواعد اللعبة الاستثمارية. ففي الماضي كان السؤال الذي يطرحه المستثمر هو: «في أي منطقة أشتري؟» أما اليوم فأصبح السؤال الأهم: «أين يحقق رأسمالي أفضل عائد معدل بالمخاطر؟» ومن هنا فإن مستقبل الاستثمار العقاري لن يكون لمن يشتري أكثر، بل لمن يحلل أفضل ويختار بدقة أكبر. فالعقار سيبقى أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه أصبح جزءاً من منظومة أوسع من الفرص والبدائل التي تتنافس جميعها على رأس مال المستثمر. وهذا ربما هو أهم ما يجب أن ندركه في المرحلة الحالية: أن الثروة لا يصنعها العقار وحده، بل يصنعها القرار الاستثماري الصحيح.
6837
| 14 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
3657
| 15 يونيو 2026
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها، حدث ذلك مع الآلة الصناعية، ثم مع الحاسب الآلي، ثم مع الإنترنت، واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي. فمنذ أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، امتلأت وسائل الإعلام بعناوين تتحدث عن اختفاء وظائف ومهن كاملة، وأصبح كثير من الموظفين يتساءلون: هل سيأتي يوم يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ لكن اللافت أن عدداً متزايداً من المحللين والخبراء الاقتصاديين يتفقون على أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ الوظائف، بل من سيكون أكثر قدرة على الاستفادة منه. فالتقارير الصادرة عن مؤسسات عالمية مثل ماكينزي وجولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في عدد كبير من الوظائف الحالية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء معظمها. بل إن الأثر الأكبر قد يتمثل في إعادة تشكيل طريقة العمل ورفع الإنتاجية وتغيير المهارات التي ستحدد الفائزين في سوق العمل خلال السنوات المقبلة. لقد علمنا التاريخ أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الإنسان، بل تغير طبيعة مساهمته في الاقتصاد، فعندما انتشرت الحواسيب في الثمانينيات والتسعينيات، سادت مخاوف من اختفاء عدد كبير من الوظائف المكتبية. وعندما ظهر الإنترنت، توقع البعض أن تتراجع قطاعات بأكملها. لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ فقد بقيت الوظائف، إلا أن العاملين فيها اضطروا إلى اكتساب مهارات جديدة للتكيف مع البيئة الجديدة. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه. لنتخيل موظفين يمتلكان المؤهل العلمي ذاته والخبرة نفسها، أحدهما يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وتحليل البيانات وإعداد التقارير، بينما يصر الآخر على الاعتماد على الأساليب التقليدية فقط. بعد فترة من الزمن سيصبح الفرق بينهما واضحاً في سرعة الإنجاز، وجودة المخرجات، والقدرة على التعامل مع حجم أكبر من الأعمال. وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي يتحدث عنها كثير من المحللين. فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يستفيد من الذكاء الاصطناعي وإنسان يختار تجاهله. وتؤكد شركة ماكينزي في عدد من دراساتها أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الموظفين، بل في تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة أعلى. كما يرى محللو جولدمان ساكس أن هذه التقنية قد تسهم في رفع الإنتاجية الاقتصادية العالمية بصورة ملموسة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي تتدفق اليوم نحو هذا القطاع. ولا يقتصر الأمر على قطاع معين. ففي المحاسبة والتمويل تساعد هذه الأدوات على تحليل كميات ضخمة من البيانات خلال وقت قصير. وفي القانون تساهم في مراجعة الوثائق والعقود. وفي القطاع العقاري أصبحت تساعد على دراسة الأسواق وتحليل الاتجاهات وتقييم الفرص الاستثمارية. أما في التعليم والإعلام والإدارة، فالقائمة تطول يوماً بعد يوم. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الإنسان بالكامل يبدو مبالغاً فيه. فما زالت هناك أمور يصعب على الآلة القيام بها بالكفاءة نفسها، مثل القيادة، واتخاذ القرارات المعقدة، وفهم العلاقات الإنسانية، والتفاوض، وتحمل المسؤولية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم معلومات واقتراحات، لكنه لا يتحمل نتائج القرار ولا يمتلك الخبرة الإنسانية المتراكمة التي يحتاجها كثير من المواقف. ومن هنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي فجوة المهارات. ففي الماضي كانت الفجوة الأساسية بين المتعلم وغير المتعلم، أما اليوم فقد بدأت تتشكل فجوة جديدة بين من يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ومن لا يعرف ذلك. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تغيراً كبيراً في المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الجديدة سيصبحان من أهم عوامل النجاح المهني. كما حذر صندوق النقد الدولي من أن المؤسسات والدول التي تتأخر في تبني هذه التقنيات قد تواجه فجوة متزايدة في الإنتاجية مقارنة بمنافسيها. هذا لا يعني أن جميع الوظائف ستكون بمنأى عن التأثير. فبعض الأعمال الروتينية والمتكررة قد تشهد تراجعاً خلال السنوات المقبلة، خصوصاً تلك التي تعتمد على إدخال البيانات أو معالجة المعلومات بصورة نمطية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن التكنولوجيا لا تلغي وظائف بقدر ما تعيد تشكيلها، وتخلق في المقابل فرصاً جديدة لم تكن موجودة من قبل. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات، بل ما الذي يمكن أن نفعله من الآن. فالتعرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها في العمل اليومي لم يعد رفاهية تقنية، بل قد يصبح خلال سنوات قليلة جزءاً من المهارات الأساسية المطلوبة في معظم المهن. لقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا لا تكافئ الأقوى، بل تكافئ الأسرع في التكيف معها. وكما تجاوز مستخدم الحاسب الآلي من تمسك بالآلة الكاتبة، وكما تفوق من أتقن الإنترنت على من تجاهله، فإن الفائز في سوق العمل خلال السنوات القادمة لن يكون بالضرورة الأكثر خبرة أو الأعلى شهادة، بل الأكثر قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيته وتعزيز قيمته. ولذلك، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بل: ماذا أفعل اليوم حتى لا يأخذها شخص يستخدمه أفضل مني؟. باحث اقتصادي
3339
| 10 يونيو 2026