رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لست أدري كيف سيكون الوضع في العراق عندما يُنشر هذا المقال، فالأحداث هناك تبدو متسارعة ومن الصعوبة التكهن بما ستؤول إليه، غير أن المرجح عندي أنها ستكون كارثية إلا أن يتدارك الله العراقيين برحمته.
بدأت أحداث العراق بسقوط الموصل (ثالث أكبر مدن العراق)، وقيل وقتها: إن دولة الإسلام في العراق والشام هي من تولت إسقاطها!! ثم توالت الأخبار عن هروب جماعي للجيش العراقي، تاركين أسلحتهم، الخفيف منها والثقيل، غنائم لجيش الدولة الإسلامية!!
وتسارع تقدم (الثوار)، فقتلوا وأسروا وفتحوا المعتقلات التي كانت تضم آلاف السجناء والسجينات من أبناء السنة وأطلقوهم، وتقدموا نحو بغداد بغية استردادها من المالكي، وتواترت الأخبار عن سقوط معسكر التاجي وهو مفتاح مدينة بغداد كما ذكرت قناة الـ(abc)، وهناك أخبار أخرى كثيرة ومتتالية حول الوضع في العراق عامة وفي بغداد على وجه الخصوص، وستستمر كذلك مادامت الأحداث قائمة فيها.
هذه الأحداث تستدعي أسئلة كثيرة: هل حقيقة أن دولة الإسلام هي وراء تلك الأحداث أم أنها جزء منها؟ ثم ما هي الأسباب الحقيقية وراء انهيار الجيش العراقي بتلك الطريقة المزرية التي جعلت طاغية العراق (المالكي) يتبرأ من جيشه ويدعو لتكوين ميليشيات للدفاع عن العراق؟! ولم يكتف بتلك الدعوة المزرية لكنه - وبطريقة أسوأ - طالب سادته الأمريكان بتقديم العون العاجل له للقضاء على الإرهابيين - حسب زعمه!!
في ظني أن الذين قاموا بهذه الثورة هم سنة العراق الذين أذاقهم المالكي الويل والظلم والاضطهاد والتهميش طيلة فترة حكمه، ولا أشك أن عناصر من دولة الإسلام كانت مشاركة بشكل فعال في هذه الحرب، لكنهم كانوا تحت قيادة الثوار، لكن المالكي ومن معه وكذلك الإعلام الذي يناصره لم يتحدثوا عن الثوار الذين هم أساس الثورة، لكنهم قصروا حديثهم عن دولة الإسلام لكي يقولوا: إن الحرب هي بين داعش الإرهابية وبين العراقيين!! وهذا يعطيهم الحق في طلب النصرة من الخارج باعتبار أن الإرهاب ظاهرة عالمية وستطال الجميع!!
المالكي ومنذ حكمه للعراق وهو يمارس الإرهاب ضد السنة، كما يمارس عليهم حربا طائفية بغيضة؛ ولم يكتف بهذا كله، لكنه بدأ يقصف مدنهم بالبراميل المتفجرة على غرار ما يقوم به مثيله طاغية الشام بشار الأسد، وقد قلت مرارا: إن هذه الطائفية والتمييز والقتل والملاحقة ستجعل كل عراقي سنيا (داعشيا)، فالإنسان لا يمكنه تحمل الظلم والاستبداد زمنا طويلا مهما كانت النتائج، ولكن المالكي أعماه غروره ووقوف إيران وأمريكا إلى جانبه، فلم يتوقف عن استبداده، فوصلت الأمور في العراق إلى ما وصلت إليه حاليا.
تحرك الثوار نحو بغداد جعل إيران تخرج عن طورها، فالسيد حسن روحاني أكد للمالكي أن بلده لن تسمح بزعزعة الاستقرار في العراق!! وأكدت بعض الصحف الأمريكية أن إيران أرسلت فرقا من الحرس الثوري إلى بغداد بحجة حمايتها!!، والرئيس الأمريكي هو الآخر عقد مؤتمرا صحفيا في البيت الأبيض قال فيه: إن داعش لا تشكل خطرا على العراق وحده، بل قد تهدد مصالح الأمريكيين في نهاية المطاف!! وأكد أنه لن يرسل قوات برية، لكنه بحاجة إلى بعض الوقت لتحديد كيفية التعامل مع الوضع في العراق!!
الشيء الذي اعترف به الرئيس الأمريكي أن قادة العراق يمارسون تمييزا طائفيا في العراق وطالبهم بتركه هذا إذا أرادوه أن يتدخل في العراق!!
المالكي لم يبتعد عن طائفيته المقيتة، بل أوغل فيها كثيرا وربما ظن أنها هي الوسيلة الوحيدة لإنقاذه؛ وأحسبه طالب المرجعيات الدينية بإصدار فتاوى تلزم طائفته كلهم بالقتال إلى جانبه، وسارعت المرجعية بفعل ذلك، كما فعل الشيء نفسه عدد من علماء الشيعة، فمنهم من طالب بقتل السنة، ومنهم من أفتى بوجوب القتال على كل فرد، رجلا كان أم امرأة، وهكذا توالت الفتاوى الطائفية التي تفرق العراقيين ولأجيال قادمة!! ولست أدري أين كانت تلك المرجعية وأولئك العلماء عندما احتل الأمريكان بلادهم، إذ لم نسمع لهم صوتا وربما كان بعضهم سعيدا بذلك الاحتلال ومستفيدا منه!! وقد كان من الأفضل لهؤلاء العلماء أن يأخذوا بنصيحة الشيخ علي الأمين الذي قال لهم: (إن إصدار الفتاوى بالتعبئة العسكرية يساهم في تأجيج النزاعات وتلقي عليها الصبغة الطائفية والمذهبية، وأن دور المرجعية الدينية الدعوة لعدم سفك الدماء والعمل على جمع كلمة المسلمين).
الواضح أن المالكي سيبقى على مواقفه السابقة رغم فشله طيلة سنوات حكمه، والراجح حتى الآن أن إيران - وهي اللاعب الأساسي في العراق حاليا - ستبقى إلى جانبه وبكل قوة، فالعراق أهم بكثير عندها من سوريا ولا أظنها ستثنيه عن طغيانه وظلمه، ويبقى دور الأمريكان ثم بعض العرب الذين قد تستغلهم أمريكا لدفع تكاليف حربها الجديدة - وإن كانت بشكل مختلف - فهؤلاء كان يجب عليهم ألا يصمتوا عن جرائم المالكي تجاه السنة وهم يعرفون ذلك جيدا، كما يعرفون آثاره أيضا، أما وقد صمتوا أو آزروه سابقا، فيجب عليهم تدارك أخطائهم وبأقصى سرعة!! فالأمريكان اعترفوا صراحة بأنهم فشلوا في تحقيق الديمقراطية في العراق!! والذي أجزم به أنهم لم يريدوا أصلا تحقيق الديمقراطية لا في العراق ولا في غيرها من الدول العربية، ولكن عليهم إصلاح ما أفسدوه قبل فوات الأوان، وإذا كانوا يظنون أن طائراتهم ستحل المشكلة فهم مخطئون وتجربتهم في أفغانستان مازالت واضحة للعيان!! وأجزم أنهم يعرفون الطريق الصحيح لتحقيق الديمقراطية لكل العراقيين وكذلك إبعاد المتطرفين عن العراق وسوريا وغيرها!! وبدون ذلك سيصدق على الأمريكان ما قالته صحيفة الإندبندنت عليهم في مقالها: (العراق نهاية الحلم الأمريكي)، أما الدول التي قد تساعد المالكي على طغيانه بحجة أنه يقاتل الإرهابيين فهم مخطئون أيضا، لأنهم يعرفون أن ثوار العراق هم من يقاتل المالكي بشكل رئيسي وهم قادرون على لجمه وإعادته للصواب ومن ثم تحقيق العدالة لكل العراقيين على تنوع مذاهبهم وبغير ذلك سيزداد الإرهاب وقد ينتشر في أماكن كثيرة.
أما هيئة علماء العراق وكذلك مفتي العراق ومجموعة من علماء السنة فقد أحسنوا صنعا عندما طالبوا الثوار بتجنب الإساءة لكل العراقيين ومقدساتهم وكذلك الحفاظ على أمنهم وسلامتهم وعدم التعرض لممتلكاتهم، وكم كنت أتمنى أن يفعل علماء الشيعة الشيء نفسه بدلا من التحريض على قتل السنة، بل كم كنت أتمنى أنهم وقفوا ضد طغيان المالكي حفاظا على وحدة العراق وتماسكه، لاسيَّما وهم يعرفون مخاطر الحروب المذهبية، لاسيَّما إذا كانت بين أبناء الوطن الواحد، وعلى أي حال مازالت الفرصة سانحة أمامهم لإصلاح ما يمكن إصلاحه وتدارك أخطاء صمتهم في السابق.
العراق مقبلة على أخطار جسيمة؛ فالتمزق الداخلي والخطر الخارجي قد يسهمان في تمزقها وتفتيتها وهناك من يعمل من أجل ذلك، وما لم يتدارك العراقيون بلادهم، فلن يفعل لهم الآخرون شيئا، أما العرب فعليهم إدراك أن مصير العراق سيؤثر عليهم، طال الزمن أم قصر، ومن هنا عليهم أن يحسنوا التعامل مع تلك الأحداث دون الانسياق إلى فكرة محاربة الإرهاب التي يعرفون أنها ليست دقيقة على الإطلاق.
الإرهاب وثقافة قطع الرؤوس: الجذور !!
الحديث عن الإرهاب قديم ولكنه ازداد كثيرا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١ م في أمريكا، ولكن... اقرأ المزيد
2799
| 30 ديسمبر 2014
إرهاب العوامية متى يتوقف ؟؟
والعوامية - لمن لا يعرفها - بلدة صغيرة في محافظة القطيف، والإرهاب الذي أتحدث عنه لا يطال كل... اقرأ المزيد
1615
| 23 ديسمبر 2014
الإسلام السياسي بين الغرب وأذنابهم
إن الذي يفهم أبسط قواعد الإسلام يدرك أن مصطلح (الإسلام السياسي) دخيل على ديننا وإسلامنا، فالإسلام كل لا... اقرأ المزيد
2942
| 16 ديسمبر 2014
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4602
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3198
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1260
| 28 سبتمبر 2026