رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لست أدري كيف سيكون الوضع في العراق عندما يُنشر هذا المقال، فالأحداث هناك تبدو متسارعة ومن الصعوبة التكهن بما ستؤول إليه، غير أن المرجح عندي أنها ستكون كارثية إلا أن يتدارك الله العراقيين برحمته.
بدأت أحداث العراق بسقوط الموصل (ثالث أكبر مدن العراق)، وقيل وقتها: إن دولة الإسلام في العراق والشام هي من تولت إسقاطها!! ثم توالت الأخبار عن هروب جماعي للجيش العراقي، تاركين أسلحتهم، الخفيف منها والثقيل، غنائم لجيش الدولة الإسلامية!!
وتسارع تقدم (الثوار)، فقتلوا وأسروا وفتحوا المعتقلات التي كانت تضم آلاف السجناء والسجينات من أبناء السنة وأطلقوهم، وتقدموا نحو بغداد بغية استردادها من المالكي، وتواترت الأخبار عن سقوط معسكر التاجي وهو مفتاح مدينة بغداد كما ذكرت قناة الـ(abc)، وهناك أخبار أخرى كثيرة ومتتالية حول الوضع في العراق عامة وفي بغداد على وجه الخصوص، وستستمر كذلك مادامت الأحداث قائمة فيها.
هذه الأحداث تستدعي أسئلة كثيرة: هل حقيقة أن دولة الإسلام هي وراء تلك الأحداث أم أنها جزء منها؟ ثم ما هي الأسباب الحقيقية وراء انهيار الجيش العراقي بتلك الطريقة المزرية التي جعلت طاغية العراق (المالكي) يتبرأ من جيشه ويدعو لتكوين ميليشيات للدفاع عن العراق؟! ولم يكتف بتلك الدعوة المزرية لكنه - وبطريقة أسوأ - طالب سادته الأمريكان بتقديم العون العاجل له للقضاء على الإرهابيين - حسب زعمه!!
في ظني أن الذين قاموا بهذه الثورة هم سنة العراق الذين أذاقهم المالكي الويل والظلم والاضطهاد والتهميش طيلة فترة حكمه، ولا أشك أن عناصر من دولة الإسلام كانت مشاركة بشكل فعال في هذه الحرب، لكنهم كانوا تحت قيادة الثوار، لكن المالكي ومن معه وكذلك الإعلام الذي يناصره لم يتحدثوا عن الثوار الذين هم أساس الثورة، لكنهم قصروا حديثهم عن دولة الإسلام لكي يقولوا: إن الحرب هي بين داعش الإرهابية وبين العراقيين!! وهذا يعطيهم الحق في طلب النصرة من الخارج باعتبار أن الإرهاب ظاهرة عالمية وستطال الجميع!!
المالكي ومنذ حكمه للعراق وهو يمارس الإرهاب ضد السنة، كما يمارس عليهم حربا طائفية بغيضة؛ ولم يكتف بهذا كله، لكنه بدأ يقصف مدنهم بالبراميل المتفجرة على غرار ما يقوم به مثيله طاغية الشام بشار الأسد، وقد قلت مرارا: إن هذه الطائفية والتمييز والقتل والملاحقة ستجعل كل عراقي سنيا (داعشيا)، فالإنسان لا يمكنه تحمل الظلم والاستبداد زمنا طويلا مهما كانت النتائج، ولكن المالكي أعماه غروره ووقوف إيران وأمريكا إلى جانبه، فلم يتوقف عن استبداده، فوصلت الأمور في العراق إلى ما وصلت إليه حاليا.
تحرك الثوار نحو بغداد جعل إيران تخرج عن طورها، فالسيد حسن روحاني أكد للمالكي أن بلده لن تسمح بزعزعة الاستقرار في العراق!! وأكدت بعض الصحف الأمريكية أن إيران أرسلت فرقا من الحرس الثوري إلى بغداد بحجة حمايتها!!، والرئيس الأمريكي هو الآخر عقد مؤتمرا صحفيا في البيت الأبيض قال فيه: إن داعش لا تشكل خطرا على العراق وحده، بل قد تهدد مصالح الأمريكيين في نهاية المطاف!! وأكد أنه لن يرسل قوات برية، لكنه بحاجة إلى بعض الوقت لتحديد كيفية التعامل مع الوضع في العراق!!
الشيء الذي اعترف به الرئيس الأمريكي أن قادة العراق يمارسون تمييزا طائفيا في العراق وطالبهم بتركه هذا إذا أرادوه أن يتدخل في العراق!!
المالكي لم يبتعد عن طائفيته المقيتة، بل أوغل فيها كثيرا وربما ظن أنها هي الوسيلة الوحيدة لإنقاذه؛ وأحسبه طالب المرجعيات الدينية بإصدار فتاوى تلزم طائفته كلهم بالقتال إلى جانبه، وسارعت المرجعية بفعل ذلك، كما فعل الشيء نفسه عدد من علماء الشيعة، فمنهم من طالب بقتل السنة، ومنهم من أفتى بوجوب القتال على كل فرد، رجلا كان أم امرأة، وهكذا توالت الفتاوى الطائفية التي تفرق العراقيين ولأجيال قادمة!! ولست أدري أين كانت تلك المرجعية وأولئك العلماء عندما احتل الأمريكان بلادهم، إذ لم نسمع لهم صوتا وربما كان بعضهم سعيدا بذلك الاحتلال ومستفيدا منه!! وقد كان من الأفضل لهؤلاء العلماء أن يأخذوا بنصيحة الشيخ علي الأمين الذي قال لهم: (إن إصدار الفتاوى بالتعبئة العسكرية يساهم في تأجيج النزاعات وتلقي عليها الصبغة الطائفية والمذهبية، وأن دور المرجعية الدينية الدعوة لعدم سفك الدماء والعمل على جمع كلمة المسلمين).
الواضح أن المالكي سيبقى على مواقفه السابقة رغم فشله طيلة سنوات حكمه، والراجح حتى الآن أن إيران - وهي اللاعب الأساسي في العراق حاليا - ستبقى إلى جانبه وبكل قوة، فالعراق أهم بكثير عندها من سوريا ولا أظنها ستثنيه عن طغيانه وظلمه، ويبقى دور الأمريكان ثم بعض العرب الذين قد تستغلهم أمريكا لدفع تكاليف حربها الجديدة - وإن كانت بشكل مختلف - فهؤلاء كان يجب عليهم ألا يصمتوا عن جرائم المالكي تجاه السنة وهم يعرفون ذلك جيدا، كما يعرفون آثاره أيضا، أما وقد صمتوا أو آزروه سابقا، فيجب عليهم تدارك أخطائهم وبأقصى سرعة!! فالأمريكان اعترفوا صراحة بأنهم فشلوا في تحقيق الديمقراطية في العراق!! والذي أجزم به أنهم لم يريدوا أصلا تحقيق الديمقراطية لا في العراق ولا في غيرها من الدول العربية، ولكن عليهم إصلاح ما أفسدوه قبل فوات الأوان، وإذا كانوا يظنون أن طائراتهم ستحل المشكلة فهم مخطئون وتجربتهم في أفغانستان مازالت واضحة للعيان!! وأجزم أنهم يعرفون الطريق الصحيح لتحقيق الديمقراطية لكل العراقيين وكذلك إبعاد المتطرفين عن العراق وسوريا وغيرها!! وبدون ذلك سيصدق على الأمريكان ما قالته صحيفة الإندبندنت عليهم في مقالها: (العراق نهاية الحلم الأمريكي)، أما الدول التي قد تساعد المالكي على طغيانه بحجة أنه يقاتل الإرهابيين فهم مخطئون أيضا، لأنهم يعرفون أن ثوار العراق هم من يقاتل المالكي بشكل رئيسي وهم قادرون على لجمه وإعادته للصواب ومن ثم تحقيق العدالة لكل العراقيين على تنوع مذاهبهم وبغير ذلك سيزداد الإرهاب وقد ينتشر في أماكن كثيرة.
أما هيئة علماء العراق وكذلك مفتي العراق ومجموعة من علماء السنة فقد أحسنوا صنعا عندما طالبوا الثوار بتجنب الإساءة لكل العراقيين ومقدساتهم وكذلك الحفاظ على أمنهم وسلامتهم وعدم التعرض لممتلكاتهم، وكم كنت أتمنى أن يفعل علماء الشيعة الشيء نفسه بدلا من التحريض على قتل السنة، بل كم كنت أتمنى أنهم وقفوا ضد طغيان المالكي حفاظا على وحدة العراق وتماسكه، لاسيَّما وهم يعرفون مخاطر الحروب المذهبية، لاسيَّما إذا كانت بين أبناء الوطن الواحد، وعلى أي حال مازالت الفرصة سانحة أمامهم لإصلاح ما يمكن إصلاحه وتدارك أخطاء صمتهم في السابق.
العراق مقبلة على أخطار جسيمة؛ فالتمزق الداخلي والخطر الخارجي قد يسهمان في تمزقها وتفتيتها وهناك من يعمل من أجل ذلك، وما لم يتدارك العراقيون بلادهم، فلن يفعل لهم الآخرون شيئا، أما العرب فعليهم إدراك أن مصير العراق سيؤثر عليهم، طال الزمن أم قصر، ومن هنا عليهم أن يحسنوا التعامل مع تلك الأحداث دون الانسياق إلى فكرة محاربة الإرهاب التي يعرفون أنها ليست دقيقة على الإطلاق.
الإرهاب وثقافة قطع الرؤوس: الجذور !!
الحديث عن الإرهاب قديم ولكنه ازداد كثيرا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١ م في أمريكا، ولكن... اقرأ المزيد
2796
| 30 ديسمبر 2014
إرهاب العوامية متى يتوقف ؟؟
والعوامية - لمن لا يعرفها - بلدة صغيرة في محافظة القطيف، والإرهاب الذي أتحدث عنه لا يطال كل... اقرأ المزيد
1609
| 23 ديسمبر 2014
الإسلام السياسي بين الغرب وأذنابهم
إن الذي يفهم أبسط قواعد الإسلام يدرك أن مصطلح (الإسلام السياسي) دخيل على ديننا وإسلامنا، فالإسلام كل لا... اقرأ المزيد
2939
| 16 ديسمبر 2014
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5496
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4923
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3048
| 24 سبتمبر 2026