رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. فاطمة سعد النعيمي

* أستاذ التفسير وعلوم القرآن- كلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة قطر

مساحة إعلانية

مقالات

243

د. فاطمة سعد النعيمي

لو كان ابن القيم بيننا اليوم.. هل سيغير قائمته؟

17 يوليو 2026 , 04:00ص

عضو هيئة التدريس في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر 

لو عاد الإمام ابن القيم إلى عصرنا، ورأى الهواتف التي لا تهدأ، والإشعارات التي لا تنقطع، والعلاقات التي تبدأ بضغطة زر وتنتهي بضغطة أخرى، وأسلوب الحياة الذي لا يعرف التوقف، فهل كان سيضيف إلى قائمته مفسدًا سادسًا للقلب؟

قد نتوقع ذلك، لكن المفاجأة أنه على الأرجح لن يغيّر فيها حرفًا واحدًا.

قبل سبعة قرون، كتب أن للقلب خمس مفسدات: كثرة الخلطة، والإسراف في الطعام، وكثرة النوم، والتعلق بغير الله، والتمني. وما يبدو لأول وهلة كلماتٍ تنتمي إلى زمنٍ مضى، يكشف عند التأمل أنه تشخيص دقيق لأمراض الإنسان في القرن الحادي والعشرين.

والسبب أن ابن القيم لم يكن يقرأ مظاهر الحياة، وإنما كان يقرأ الإنسان من خلال القرآن الكريم؛ فالقرآن لا يبدأ بإصلاح العالم من حول الإنسان، وإنما يبدأ بإصلاح العالم الذي بداخله. لذلك كان حديثه عن القلب أكثر من حديثه عن الجسد؛ لأن القلب هو موضع الإيمان، ومنبع الإرادة، ومركز القرار. قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]، وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89].

ولعل أول هذه المفسدات، كثرة الخلطة، لم تعد تعني كثرة المجالس كما كانت من قبل، بل أصبحت حياةً كاملة يعيشها الإنسان داخل هاتفه. فكل إشعار يسرق جزءًا من انتباهه، وكل منصة تنافس على وقته، حتى أصبح كثير من الناس يعرف أخبار العالم كله، لكنه لا يعرف ما الذي يجري في قلبه. وهنا يعلّمنا القرآن أن قيمة العلاقات ليست في كثرتها، وإنما في أثرها، فقال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114].

أما الإسراف، فقد تجاوز موائد الطعام إلى أسلوب حياة كامل. إسراف في الاستهلاك، وفي الترفيه، وفي متابعة ما لا ينفع، حتى غدت النفس لا تشبع مهما امتلكت. ولذلك جاء التوجيه القرآني عامًا لا يقتصر على الطعام: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: 31]، لأن الاعتدال ليس نظامًا غذائيًا، بل منهج حياة.

وإذا كان النوم راحةً للجسد، فإن الإفراط فيه قد يصبح هروبًا من المسؤولية ومن مواجهة الذات. ومن هنا أثنى القرآن على الذين يعرفون قيمة الوقت، فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: 17]. فالحياة في المنظور القرآني ليست بعدد السنوات، بل بما يُملأ به العمر من عملٍ صالح.

ويبقى التعلق بغير الله أخطر هذه المفسدات جميعًا؛ لأنه ينقل مركز الطمأنينة من الخالق إلى المخلوق. فمن جعل سعادته معلقة بمدح الناس، أو بمنصب، أو برصيد، أو بعدد المتابعين، عاش أسيرًا لتقلباتها. أما من جعل قلبه معلقًا بالله، فقد تعلّق بالثابت الذي لا يتغير، ولذلك قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3].

ثم يأتي التمني، وهو المرض الذي يستهلك الطاقات دون أن يبني واقعًا. فالقرآن لا يربي الإنسان على الأمنيات، بل على السعي، ولذلك قرر قاعدة عظيمة: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39]. فالأمل في القرآن حركة، لا خيال، والعمل هو الجسر الوحيد بين الحلم والواقع.

ولعل أعظم ما نتعلمه من القرآن أن سلامة القلب ليست شأنًا تعبديًا فحسب، بل هي أساس الاتزان النفسي، وجودة العلاقات، وحسن اتخاذ القرار، والقدرة على مقاومة ضغوط الحياة. ولهذا فإن علاج أزمات العصر لا يبدأ من تقليل الضجيج الخارجي فقط، بل من إعادة بناء الداخل؛ فالقلب إذا عمر بالإيمان، استقام الجسد، وهدأ العقل، واستعادت النفس سكينتها.

لهذا، لو كان ابن القيم بيننا اليوم، فلن يضيف إلى قائمته مفسدًا جديدًا؛ لأنه سيدرك أن الوسائل تغيّرت، أما القلب الإنساني فما زال يمرض بالأسباب نفسها، ولا يزال القرآن يقدم له الدواء نفسه.

مساحة إعلانية