رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

موزا محمد الكواري

باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي

مساحة إعلانية

مقالات

0

موزا محمد الكواري

وجوه بلا ملامح

27 يوليو 2026 , 01:00ص

ربما لم يعد أخطر ما نعيشه اليوم هو كثرة الأقنعة، بل إننا اعتدنا عليها حتى صرنا نراها وجوهًا حقيقية.

في زمنٍ أصبحت فيه الكاميرا تُصحح الملامح، وتُخفي التجاعيد، وتُزيل آثار التعب، بات الإنسان يُتقن ترميم صورته أكثر من ترميم ذاته. نهتم بأن تبدو ابتسامتنا كاملة، بينما نؤجل إصلاح القلق الذي يسكن صدورنا، ونخشى أن يلاحظ الآخرون عيبًا في مظهرنا، لكننا لا نتوقف طويلًا أمام العيوب التي بدأت تنمو في أرواحنا.

أصبحنا نعيش عصرًا يُقاس فيه الإنسان بما يظهر، لا بما يشعر. تُصنع الانطباعات في ثوانٍ، وتُبنى الأحكام على صورة، بينما تبقى الحقيقة حبيسة الداخل، لا يراها أحد.

الغريب أن كثيرًا من الوجوه أصبحت متشابهة؛ الابتسامة ذاتها، والزوايا ذاتها، وحتى الكلمات تكاد تكون نسخة مكررة. لكن ما يندر اليوم ليس الوجه الجميل، بل الروح الجميلة. ليس المظهر الأنيق، بل القلب الذي لا يزال يحتفظ بقدرته على الرحمة، والصدق، والامتنان.

لقد أتقنّا إخفاء التعب، حتى أصبح الإنسان يُجيب عن سؤال: “كيف حالك؟” بابتسامة سريعة، بينما يحمل في داخله من الإرهاق ما لو نطق به لتغيّرت ملامح الحياة من حوله. وصارت المشاعر تُؤجل، والدموع تُؤجل، والاعتذار يُؤجل، والراحة تُؤجل… حتى يأتي يوم لا يعود فيه الإنسان يعرف نفسه، رغم أنه يقف أمام المرآة كل صباح.

ولعل أكثر ما يؤلم أن كثيرين أصبحوا يعتنون بوجوههم لأنها تُرى، ويُهملون أرواحهم لأنها لا تُرى. يخصصون الوقت لتعديل صورة، ولا يخصصون دقائق لمراجعة فكرة، أو إصلاح علاقة، أو الاعتذار عن خطأ، أو الجلوس مع أنفسهم بصدق. وكأن الداخل أقل قيمة من الخارج، مع أن الداخل هو الذي يمنح الخارج معناه.

إن الوجه لا يصنع الإنسان، بل ما يحمله خلف هذا الوجه. فكم من ملامح عادية أحبّها الجميع، لأن صاحبها كان صادقًا، كريمًا، رقيق القلب. وكم من وجوه آسرة فقدت بريقها لحظة انكشفت أخلاق أصحابها.

الحقيقة التي نغفل عنها أن الزمن لا يسلبنا جمال الملامح بقدر ما يكشف جمال الأرواح. ومع مرور السنوات، لا يبقى في ذاكرة الناس شكل الوجه، بل يبقى أثر الكلمة، ودفء الموقف، وصدق المشاعر، وحسن المعاملة.

لذلك، قبل أن تبحث عن الصورة المثالية، ابحث عن النفس التي تستحق أن تُرى. وقبل أن تُصلح انعكاسك في المرآة، أصلح انعكاسك في قلوب الناس. فهناك وجوه تملأ الأبصار، لكنها لا تترك أثرًا، وهناك أرواح لا تُنسى، وإن غابت ملامحها.

فالإنسان لا يُخلِّده جمال وجهه… بل جمال أثره.

مساحة إعلانية