رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
استخدام تعبير بنك الأهداف شائع عسكريا بمعنى أهداف للقصف والتدمير، ونستعيره هنا لتعدد المهام وعمليات القصف الجارية في مصر. وعند دراسة أي احتمالات تغيير في خريطة القوى داخل بلدان العالم، يدخل في الاعتبار القوى المؤثرة في العالم سواء كانت قوي سياسية أو عسكرية أو اقتصادية أو منابع المال السياسي صغُر أم كبُر.
تدور في مصر معارك ثلاث أن جاز الحصر ولكل منها تفرعاتها، وبدون تعريف هذه المعارك وأهدافها بوضوح يختلط الأمر سواء علي المراقب أو متخذ القرار، واتخاذ القرار في مصر غائم لا يحاول احد تحديد مصدره على وجه اليقين، بل إنه متروك عرضة للحدس أكثر منه اليقين، سواء كان ذلك لدرأ شبهات أو لمحاولة خلق فرصة بناء، ولكن هذا الأمر يُعَرِّض بالوطن أن تنشأ فيه أوزانا نسبية بغير أن يكون لها وجود في الواقع، ويدفع بعناصر ظهرت بالصدفة كما يرصدها المراقب، ولكن حقيقة ظهورها بالقطع ليس مصادفة ولكنه مصنوع، والجهل بمن صنعها ولماذا آتي بها وطبيعة تكوينها ومدي فتح الباب أمامها للتأثير وكسب أرض أمام أعين الناس، كما هي صناعة النجوم للاستخدام، فالنجوم الصناعية لا تستمد طاقة بريقها ووجودها من ذاتها، ولكنها موجودة لأن مسار العلاقات ورؤية الإدارة تحتاجها عند اللحظة، فإن مرت اللحظات، وهي بقانون الزمن والأحداث تمر، يلتقطها الثقب الأسود لتعود من حيث آتت.
تواجه مصر في اللحظة معركة توصيف حقيقي للأحداث من 25 يناير حتى اللحظة، وماهية أهدافه ومهامه، وما يترتب عليها من مسؤوليات وهي معركة الأساس إن جاز التعبير، هي معركة المستقبل، لا يجوز فيها أن نلوك الألفاظ، أو ندعي الولاية علي إرادة شعب تجاوزت بالدم حد الوصاية وعدم الأهلية، وان كانت لم تجد من يبلغ الرشد لتوليه آمر مسؤولياتها، لأن الأفعال التي تتوقف دون أن تستكمل مسارها تتضاعف قيمة الثمن المدفوع فيها.
وتواجه مصر غير هذا معركة العنف تحت ستار مريب يأخذ من الدين الاسم، ومن القتل والتدمير أسلوب وأداة فعل، بل اخذ بعقول اكتسبت صفة التعلم والثقافة، لتتحول في قدراتها العقلية كما العقول البدائية، تحجرت عند ما تعتقد بأن هناك انفصالا بين الدين والحياة وأنها ستعيد الاتصال بينهما، فزادت النار اشتعالا، وتنازلت طواعية عن ادوار كانت مرشحة لها، لإنارة العقل الجمعي، فصارت محرضة علي العنف أكثر منها مقاومة له وكاشفة لانعدام العلاقة بينه وبين الدين.
وتواجه مصر معركة بناء المستقبل والانحياز الاجتماعي أو ما استقر عليه تجاوزا بالعدالة الاجتماعية، فالفارق جوهري بين الانحياز والعدالة، فالانحياز بالأساس هو إدراك للمكونات الاجتماعية للشعب، وحاجاتها للحياة وفق معايير عصرها، والارتقاء بإمكاناتها لتوفير هذه الحاجات، أي أن الانحياز هنا هو مرجعية الأداء. أما مقولة العدل الاجتماعي، فهي تبدو أقرب إلى التفضل والتصدق بإحسان ممن استولي علي السلطة وكرس إمكانات الدولة لنمو ذاتي يقتصر علي إقطاع جديد في القرن الواحد والعشرين، هو إقطاع المال، وهو فارق بين إقطاع الأرض والرأسمالية المستغلة. إقطاع المال يحول كل شيء إلى أموال تتحول بدورها لأرصدة في بنوك لا يملكها مجتمع أو وطن، لا أصل لها في الواقع، فالأرض للبيع، وآلات الإنتاج للبيع، وطاقة العمل للبيع، والقيم والمبادئ والتاريخ والجغرافيا والسياسة والدين، جميعها للبيع لمن يدفع، بينما كان إقطاع الأرض يرتكز كما الرأسمالية المستغلة علي ملكية مادية محققة حتى وان تلاقت مصالحهم علي غير حاجات الشعب، وان انتقلت إلى علاقات متجاوزة الحدود تهدر قيما وتاريخ وجغرافيا، ولكن ذلك لتامين بقاء ما تملكه ماديا ومحقق في واقع ملموس بين أيديها هي. عالج التوريث في الدين قضية الملكية، وعالجت الزكاة قضية الأموال، ولكن ذلك لم يعالج قضية التنمية.
الإمساك بأطراف المعادلة الثلاثة يؤكد العلاقة التبادلية بينهم، ويعيد توصيف قوى المجتمع على نحو لا يصلح معه التجارة بالمعاني والمواقف والتاريخ وحاجات الشعب، يتساوي في هذا من يسرق السلطة أو الثورة مع من يبيع حاجات الشعب لموقع سياسي، وتنزع أوراق التوت عن عورات الساسة وأدعياء الثقافة والمعرفة ومتكسبين من الثورة لتنكشف أحاديث الإفك، ويعود كل إلى حجمه الطبيعي من حيث الانتماء والانحياز، وعيا وقولا وفعلا، ويوصد الطريق أمام مواكب الخداع.
معركة التعريفات معركة مدعاة كل غاياتها الانحراف بالإرادة الوطنية وحبسها في دائرة الطباشير، لتنشغل عن أهدافها ومهامها بالمسميات وتبرير ما تفعل. وليس البحث الآن في كتب الاجتماع السياسي او التاريخ عن حالة مماثلة لتنطبق علي الحالة المصرية، وسط محيط عربي يموج بذات الحالة مع اختلاف نوعي يرتبط بالأرض والبشر والعلاقات المحيطة والوزن في الإقليم وخارجه.
لماذا لا تكون الحالة المصرية معيار قياس للمستقبل؟، ولماذا هي مطالبة أن تتوافق مع ما وصل إليه التوصيف الإنساني؟
شعب خرج علي نظام حكم وأزاح رأس النظام، وتكالبت عليه قوى كثيرة، للحد مما يمكن تحقيقه ولوراثة نظام سابق وللحيلولة دون تكرار الخروج الشعبي مرة أخرى، وكانت موجته الثانية ــ أيا من كان القائم علي خلقها وإدارتها ــ لاسترداد إرادته وهويته ودينه ودولته، ثم كانت موجته الثالثة لمواجهة حالة الوصاية الخارجية وأدواتها الداخلية، لتعود بالناس إلى إحساس تأميم قناة السويس، وتنامي إدراك معنى الاستقلال الوطني.
هي معركة استنزاف لليقين الوطني، وادعاء التناقض بين الشعب وجيشه، وكأن تاريخهم يشهد بنضال جيوشهم من أجل حرية الإنسان، ولهم وحدهم حق "الإرهاب تحت عناوين إنسانية، وتشكيل مجموعات القتل"، حتى أنهم أضفوا الشرعية علي المرتزقة منهم بتشكيل شركات مماثلة للبلاك ووتر، أو دول على صفحات الماء مثل فرسان مالطه.
ليست المعركة مع الخارج، فالخارج إن أراد التدخل بالقوة لا يعدم أن يسوق مبرراته، ولعل لعبة الدب الروسي والعم سام في الشأن السوري، خير دليل على ذلك، بل بلغ الأمر ببعض أجهزة الإعلام أن تصنع مواجهة مسلحة بين الاثنين في شأن صاروخين أطلقا في اتجاه شرق المتوسط، اسقط احدهما وتمت السيطرة علي الآخر وتوجيهه بعيدا عن هدفه ليسقط في مياه المتوسط. المعركة أن نشأت لن تكون معركة تعريفات ولن تكون مجرد مواجهة بين صواريخ وصواريخ مضادة، فلم تعد الحرب الذرية متاحة ولا حرب الإبادة القذرة التي مارستها القوات الأمريكية في الفالوجة بالعراق، ولكن المواجهة أصبحت على منسوب الحرب الإلكترونية، حرب السيطرة والتوجيه، وهي جزء من حرب النجوم التي نادي بها ريجان، ها هي تطل برأسها في خطوات أولية، كما هي مناورات المفاوضين علي الموائد السياسية.
25 يناير هي معركة استخلاص الإرادة وكسر حاجز العجز والخوف، و30 يونيو هي معركة استرداد الهوية والدولة وتخليص الدين من خاطفيه، و26 يوليو هي معركة الاستقلال الوطني.
إن المعركة علي الإرهاب هي معركة وعي وثقافة ودين، هي معركة تعليم ومحو أمية.
المعركة علي الإرهاب هي مواجهة مع الدروس الخصوصية التي أصبحت بديلا للمدارس ودورها التعليمي.
والمعركة علي الإرهاب هي مواجهة مع دعوات بحقوق فئوية أو محلية، جري تعظيم قيمتها بالمدفوع لها من دولارات الغرب ثمنا لجهد يرسم أمام الخارج خريطة الوطن وعلاقاته ويجعله كتابا مفتوحا قابلا ليس لمجرد القراءة ولكن لتغيير الأحرف والمعاني في هويته.
والمعركة مع الإرهاب هي معركة مع ما اعتبره البعض مسلمات يجب الخضوع لها لتحكم الحياة، وهي من جديد تحاول بطرق ملتوية مصادرة الإرادة الوطنية والحيلولة بينها وبين ضرورات التغيير.
وهي معركة مع كافة محاولات السيطرة الخارجية، فالجماعات المسلحة هي فيلق متقدم للناتو والمخابرات الأمريكية والصهيونية، ولن يتوقف التحالف الخارجي دون تحقيق مطلب السيطرة، لتستمر المواجهة معه وتتعدد أساليبها وصورها.
ان الهدف الوطني الأول في المعركة على الإرهاب هو الحفاظ على الارتباط الوطني بين الجيش والشعب، وتمكين الجيش من قدرات تؤهله للمواجهات مهما تنوعت أو امتدت. إن المعركة الأولى لمواجهة الإرهاب هي مواجهة حرب العقيدة الوطنية وما يتهددها من حملات نفسية، الانسياق وراءها يصنع الهزيمة قبل انطلاق المدافع.
هي معارك لحرب من أجل المستقبل، جوهر الثورة ومبتغاها.
المستقبل ليس أحلاما تتحقق بمجرد أن تطوف بالخيال، إنها صناعة الوجود وصراع البقاء.
ان أي صراع دون وعي بأطرافه هو دون كوشيتية تحارب طواحين الهواء.
إن الخطوة الأساسية للمعارك تبدأ من إعداد ميدان القتال واختياره، وعدم الانجرار إلى إرادة العدو وخياراته.
إن تطهير ميدان المعركة من كل الألغام التي جري زراعتها فيه، هو ضرورة لفتح الأرض أمام الحركة اللازمة للمستقبل.
إن أخطر لغم جرى زراعته في مصر هو التنظيم السري الذي يمارس القتل ويدعي الحكمة والحق في الوجود، والتغافل عن نزع هذا اللغم هو تضحية بإرادة الشعب.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
874
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
628
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
531
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي استطاعت استقطاب العنصر الأجنبي للإقامة والاستقرار بها سواء من أجل العمل أو الاستثمار، إيمانا منها بضرورة تعزيز المركز القانوني للأجنبي وخلق أفق يسع جميع من يرغب في الاندماج داخل المجتمع القطري، لكن ذلك لا يمنع الدولة من ضمان الآليات التي تكفل لها حفظ نظامها العام، وعدم انتهاكه ممن هو أجنبي عنه، لذلك فإن الدولة في حالة الحياد عن ثوابتها وقواعد استقرارها من قبل العنصر الأجنبي سمحت باتخاذ إجراء إداري في حقه يتمثل في الإبعاد عن البلاد. يجد قرار إبعاد الأجنبي إداريا سنده القانوني ضمن القانون رقم 89 لسنة 2015 بشأن تنظيم دخول وخروج الوافدين وإقامتهم، ويتم الإبعاد بواسطة قرار يصدره وزير الداخلية في حق الأجنبي الذي حاد عن النظام العام بدولة قطر، ويشترط من أجل إصدار هذا القرار أن يكون الفعل المرتكب قد تم من شخص لا يحمل الجنسية القطرية، ودخل قطر دخولا نظاميا صحيحا من أجل الإقامة سواء كان مؤقتا أو دائما، أو دخل بواسطة سمة سياحية أو أية سمة أخرى، بشرط ألا يكون حاملا لجواز السفر القطري، أما بالنسبة لمن دخل البلاد بسبب اللجوء السياسي فإنه مبدئيا لا يجوز إبعاده إداريا إلا إذا صدر خرق سافر لقواعد النظام العام من قبل اللاجئ السياسي، ومع ذلك يجوز له الطعن في هذا القرار، وذلك تطبيقا لاتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والتي كانت قطر طرفا فيها لكنها لم توقعها، مما يعني أنها غير ملزمة بشكل آمر بما ورد فيها. أما الأسباب التي تخول وزير الداخلية إصدار قرار الإبعاد الإداري للأجنبي فإن المشرع لم يعددها أو يحصرها، بل ترك السلطة التقديرية له من أجل تحديد جسامة الفعل وخطورة الإبقاء على الفاعل الأجنبي داخل دولة قطر. وهنالك حالات من الأجانب المستثنين من نطاق تطبيق القانون رقم 89 لسنة 2015، وبالتالي مستبعدون من فرضية إصدار قرار في حقهم بالإبعاد إداريا، وهم رؤساء الدول الأجنبية وأفراد أسرهم ومرافقوهم، رؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية الأجنبية والهيئات الدولية المعتمدون لدى الدولة والملحقون والإداريون وعائلاتهم والأشخاص التابعون لهم، وكذلك الوفود الرسمية، ربابنة السفن والطائرات وأطقمهم وفقا للشروط والإجراءات المتطلبة، مواطنو دول مجلس التعاون لدى الخليج العربية، ومن يرى وزير الداخلية استثناءهم لاعتبارات سياسية أو إنسانية. هذا وتجدر الإشارة إلى أن القانون لم يلزم وزير الداخلية بإصدار قراره بإبعاد الأجنبي عن البلاد بإفراغه في شكلية معينة أو إتباع مراحل إجرائية بذاتها، مع عدا ضرورة توقيع القرار من طرف السيد الوزير، كما أن المشرع لم يلزم السيد الوزير بتسبيب القرار، فلا يوجد مقتضى قانوني يشترط أن ترد في قرار الإبعاد الأسباب المؤدية إلى اتخاذه، كما أن وزير الداخلية يجوز له حسب سلطته التقديرية العدول عن قرار الإبعاد ولا قيد له في ذلك، ويتم هذا العدول بواسطة قرار لاحق يلغي قرار الإبعاد، كما قد يتم إلغاء قرار الإبعاد استثنائيا بواسطة صدور قرار أميري بشأن حالة بعينها. عموما فإن الإبعاد الإداري هو قرار يصدر في حق الأجنبي من قبل السلطة التنفيذية في البلاد، ويختلف عن الإبعاد القضائي الذي يصدر بمثابة عقوبة تبعية أو مكملة للعقوبة الأصلية التي تقضي بها المحكمة في حق الأجنبي الذي ثبت ارتكابه جريمة ما.
12966
| 17 أغسطس 2026
فيه مشهد يتكرر في أسواقنا ويستحق وقفة مطولة، ليس لأنه مجرد فرق في الأسعار، بل لأنه يطرح سؤالًا أكبر عن حماية المستهلك وحدود حرية التاجر ومسؤولية الجهات الرقابية. ادخل أحد المجمعات التجارية في قطر، وابحث عن هاتف أو ساعة ذكية أو سماعة أو جهاز إلكتروني محدد، واحفظ اسمه ورقمه ومواصفاته جيدًا، ثم لا تشتره من أول متجر. تحرك فقط عشرات الأمتار إلى متجر آخر داخل المجمع نفسه. راح تفاجأ بأن الجهاز نفسه، بالموديل نفسه، والسعة نفسها، والمواصفات نفسها، يباع بسعر مختلف، وأحيانًا لا نتحدث عن عشرة أو عشرين ريالًا، بل عن فروقات قد تصل إلى مئات الريالات! والسؤال هنا: لماذا؟ ما الذي تغير في السلعة خلال عشرات الأمتار؟ وهل أصبحت حرية التجارة تعني أن يضع كل متجر الرقم الذي يريده؟؟ نحن نتفهم المنافسة، ونتفهم العروض، واختلاف تكاليف التشغيل والاستيراد والضمان والخدمات المصاحبة، ومن الطبيعي اقتصاديًا ألا تكون جميع الأسعار متطابقة حرفيًا، لكن عندما تتسع الفجوة في السلعة الإلكترونية ذاتها بشكل يثير الاستغراب، فمن حق المستهلك أن يسأل: أين ينتهي اختلاف السعر الطبيعي، وأين تبدأ المبالغة؟ والأهم: أين الرقابة؟ هل حماية المستهلك معنية فقط بكيس الأرز وعلبة الحليب وزجاجة الزيت؟ هل لأن الإلكترونيات ليست من السلع التي نشتريها يوميًا يصبح سعرها شأنًا مفتوحًا لا يستحق التدقيق؟ بل ربما تكون الرقابة على هذه المنتجات أكثر أهمية، لأن المستهلك قد يخسر في عملية شراء واحدة مئات الريالات بسبب جهله بسعر السوق، خصوصًا كبار السن أو من لا يجيدون مقارنة الأسعار إلكترونيًا أو من يثقون بأن وجود المتجر داخل مجمع تجاري معروف يعني تلقائيًا أن السعر يقع ضمن نطاق عادل. ولست هنا أطالب بأن تتحول الأسواق إلى نسخة واحدة، ولا أن يمنع التاجر من المنافسة أو الربح، فالربح حق، والمنافسة أساس التجارة، واختلاف الأسعار موجود في كل أسواق العالم. لكن هل هناك سقف للمبالغة؟ هل تراقب الجهات المختصة الفروقات الكبيرة بين أسعار المنتج نفسه؟ هل هناك آلية ترصد سعر السلعة الإلكترونية في السوق وتكشف القفزات غير المبررة؟ وهل يُطلب من التاجر تفسير الفارق الكبير إذا تجاوز السعر السائد للمنتج بصورة لافتة؟ هذه أسئلة تستحق إجابات واضحة. والأغرب أن التكنولوجيا التي جعلت مقارنة الأسعار ممكنة خلال ثوانٍ كشفت للمستهلك حجم الفوارق. قد تقف أمام جهاز سعره في متجر 2,500 ريال، ثم تكتشف وأنت لا تزال أمام البائع أن الجهاز نفسه يباع في مكان آخر بمبلغ أقل بكثير. هنا لا ينبغي أن تكون النصيحة الوحيدة للمستهلك: (ابحث وقارن قبل أن تشتري). نعم، على المستهلك أن يكون واعيًا، ولكن ماذا عن مسؤولية السوق نفسه؟ وماذا عن الفئات التي ذكرنا من كبار سن وذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم؟ حماية المستهلك لا تعني فقط التأكد من أن السعر مكتوب على الرف، بل يفترض أن تعني أيضًا وجود سوق واضح وعادل لا تتحول فيه قلة معرفة المشتري إلى فرصة لزيادة السعر عليه. وربما حان الوقت لدراسة إنشاء منصة رسمية أو نظام إلكتروني لمقارنة أسعار السلع الإلكترونية الأكثر تداولًا، يستطيع المستهلك من خلاله معرفة النطاق السعري للمنتج لدى المتاجر المسجلة، فتتحول المنافسة من لعبة معلومات غير متكافئة إلى سوق أكثر شفافية. كما أن نشر نتائج الرقابة والفروقات السعرية الكبيرة سيجعل التاجر يفكر مرتين قبل أن يضع سعرًا يصعب تبريره. نحن أمام سوق متطور، ودولة قطعت شوطًا كبيرًا في الرقمنة وحماية المستهلك، ولذلك من غير المنطقي أن يبقى المشتري في بعض القطاعات معتمدًا على جولة بين عشرة محلات حتى يعرف كم تساوي السلعة التي يريد شراءها. لا نطالب بإلغاء الربح. ولا بإلغاء المنافسة. نطالب بشيء أبسط: الشفافية، والرقابة، ومعرفة أين ينتهي حق التاجر في التسعير، وأين يبدأ حق المستهلك في الحماية من المبالغة. لأن السؤال الذي سيظل قائمًا هو: إذا كان المنتج واحدًا، والمجمع واحدًا، والبلد واحدًا، والفرق مئات الريالات.. فمن يراقب السعر؟
4977
| 17 أغسطس 2026
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد بألم، وتلحّ عليّ الرغبة في أن أكتب عنها، ثم أتردد. فبغداد اليوم محاطة بألغام السياسة والطوائف والمصالح والتدخلات، وما إن تقترب الكلمة من جرح حتى تكاد تفتح جراحًا أخرى. وكنت أخشى، كلما أمسكت بالقلم، أن أفجّر لغمًا وأنا أبحث عن بغداد. ثم قلت: ولماذا أبحث عنها في السياسة وحدها؟ لبغداد أبواب أخرى ندخل منها؛ باب التاريخ، وباب الأدب، وباب الشعر، وأوسعها جميعًا باب الوجدان. يكفي أن تقول بغداد، حتى ينساب دجلة في الذاكرة، ويطل الرشيد من شرفة التاريخ، وتُفتح أبواب بيت الحكمة، ويعود الورّاقون إلى حوانيتهم، والعلماء إلى مجالسهم، والشعراء إلى قصائدهم. مدينة كانت الكتب فيها جسورًا بين الحضارات، والعلم لغة يتخاطب بها القادمون من جهات الأرض. لم تكن بغداد عاصمة لدولة فحسب؛ كانت، في زمن من الأزمنة، عاصمة للعالم. فيها تُرجمت كتب الفلسفة والطب والفلك، ومنها خرج إلى الدنيا من أروع ما أنتجه العقل العربي والإسلامي. ولبغداد مع الشعر صحبة قديمة. قال فيها علي بن الجهم: «عيونُ المها بين الرصافة والجسرِ جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا أدري» وبعد قرون ظل سحرها حاضرًا، حتى قال نزار قباني: «عيناكِ يا بغدادُ منذ طفولتي شمسانِ نائمتانِ في أهدابي» وبين الرصافة والجسر، وبين بغداد التي نامت في أهداب شاعر حديث، قرون طويلة، وبقيت المدينة قادرة على أن توقظ الشعر. ولعل ذلك يفسر شيئًا من علاقتنا بها؛ فكثير منا عرف بغداد قبل أن يزورها، وسكنت مخيلته قبل أن تطأ قدماه أرضها. عرفناها في التاريخ والشعر والكتب، وفي أسماء علمائها وأدبائها. كانت جزءًا من صورة العربي عن زمن استطاع فيه أن يصنع الحضارة، لا أن يكتفي بالحديث عنها. ومن هنا تأتي قسوة المفارقة. فمن أشد مفارقات التاريخ إيلامًا أن بغداد، بكل ما تحمله من مجد عريق، تمر اليوم بمحنة طال أمدها؛ كأنها تعرف جيدًا من أين جاءت، ولا تعرف بعد من أين يكون الخروج. والحديث عن بغداد هنا حديث عن العراق كله. عن بلد كان حضوره في محيطه العربي ثقيلًا بالمعنى، غنيًا بالعلم والثقافة والفكر، يمد المنطقة بالكتاب والشاعر والأستاذ والطبيب والمهندس، ثم عصفت به الحروب وتوالت عليه المحن، حتى غاب كثير من دوره الذي عرفناه، وأصبح الحاضر مثقلًا، والمستقبل محاطًا بالأسئلة. وهنا تبدأ الألغام التي خشيت الاقتراب منها. لكن الخشية من الألغام لا ينبغي أن تصبح ذريعة للصمت عن الحقيقة. لقد تناوبت على العراق سطوة الخارج، من احتلال أمريكي معلن إلى نفوذ إيراني تمدّد عميقًا في الداخل، بدعم فصائل مسلحة موالية له وتسليحها، حتى غدا بعضها قوة تنازع الدولة سلطتها وقرارها، وعقبة أمام استعادة مؤسساتها لسيادتها الكاملة. وبقي القرار العراقي، في الداخل والخارج، أسيرًا لهذا الاحتلال أو ذاك النفوذ. ولم تكن سطوة الخارج وحدها ما أثقل العراق؛ فقد نمت في الداخل أمراض لا تقل خطرًا. طائفية بغيضة مزقت ما جمعه الوطن، حتى ضاقت الهوية الجامعة أمام هويات أصغر منها. والطائفة قد تكون جزءًا من الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تكون وطنًا؛ فالوطن أكبر من الطائفة، وأبقى من الخلاف، ويتسع لأبنائه جميعًا. وأستعيد هنا شيئًا من تجربتي الشخصية. عشت سنوات طويلة بين سفراء عراقيين كانوا زملاء وأصدقاء. كنا نلتقي ونتحاور، نتفق ونختلف، ثم نفترق، ولم يخطر لي يومًا أن أسأل واحدًا منهم إلى أي طائفة ينتمي، ولم يكن الأمر مطروحًا أصلًا لكي نسأل عنه. كانوا عراقيين، وكان ذلك يكفي. كم تبدو هذه الجملة بسيطة اليوم، وكم تحمل من معنى! ثم جاء الفساد، فلم يعد في مواضع كثيرة تجاوزًا عابرًا تلاحقه الدولة، بل تجذّر حتى أصبح محميًا بذوي النفوذ، يقتطع من ثروة العراق، ويضعف مؤسساته، ويبدد حق أبنائه في وطن يملك من أسباب الثراء ما يكفي لبناء مستقبل مختلف. وحين يجد الفساد من يحميه، يصبح اقتلاعه أصعب من اكتشافه؛ لأنه لا يعود مرضًا في جسد الدولة فحسب، بل يجد لنفسه مكانًا بين أضلاعها. ولعل مأساة العراق أن هذه الآفات الثلاث لم تعش منفصلة: تدخل خارجي انتقص من سيادة الدولة واستقلال قرارها، وطائفية مزقت النسيج الوطني، وفساد تجذّر واحتمى بذوي النفوذ. غذّى بعضها بعضًا، واستمد كل منها أسباب بقائه من الآخر. ولذلك لن تعود بغداد إلى بغداد بزوال واحدة منها وبقاء الأخريين؛ فبقاء آفة واحدة كفيل بأن يعيد الأوكسجين إلى ما حسبناه قد انطفأ من الآفتين الأخريين. عودة بغداد تبدأ حين يسترد العراق قراره، ويتقدم الوطن على الطائفة، وتصبح الدولة أقوى من الفساد ومن حماته. عندها فقط لا تكون بغداد ذكرى لمجد مضى، بل بداية لمجد يمكن أن يولد من جديد. ومع ذلك، لا أكتب هذه الكلمات لأوزع المسؤوليات، ولا لأضيف خصومة جديدة إلى خصومات العراق. يكفي أن نقول إن بلدًا عظيمًا دفع ثمنًا باهظًا حين ضعفت وحدته، وإن الوطن حين ينقسم على نفسه يجد الآخرين أسرع إلى تقرير مصيره منه. العراق ليس فقيرًا كي يعجز، ولا صغيرًا كي يُهمَل، ولا طارئًا على التاريخ كي يُنسى. فيه الماء والأرض والثروة والعقل البشري، وفوق ذلك كله تاريخ حضاري قلّ أن اجتمع مثله لبلد. ولهذا يبدو السؤال أكثر إلحاحًا: كيف اجتمعت كل أسباب القوة، وبقي الخروج من المحنة بهذه الصعوبة؟ ربما لأن خراب السياسة أسرع من بناء الدول، ولأن ما تكسره الفرقة في سنوات قد تحتاج أجيال إلى جمعه. ومع ذلك، لا أستطيع أن أكتب عن بغداد بلغة الرثاء. فالمدن العظيمة قد تمرض، لكنها لا تموت. وبغداد تعرف ذلك أكثر من غيرها. دخلها الغزاة، واحترقت فيها الكتب، وجرى في دجلة ما جرى، ثم نهضت. تبدلت عليها الدول والرايات، وبقي النهر يجري، وبقي اسم بغداد أكبر من الذين مروا بها. ولهذا نؤمن أن مدينة وبلدًا بهذا العمق الحضاري لا يمكن أن يستسلما طويلًا للمحنة. سيعرف العراق، بما اختزن من تاريخ وما يملك من إنسان، كيف يتجاوز محن الفرقة والطائفية والفساد وسطوة الأجنبي، ويسترد وحدته وقراره، لتستعيد بغداد بريقها، ويستعيد العراق دوره ومكانه الذي يليق به. وليس ما نتمناه لبغداد عودة إلى الماضي؛ فالتاريخ لا يعود، ولا ينبغي له أن يعود. ما نرجوه أن تستلهم من ماضيها قوة لمستقبلها، وأن يصبح مجدها طاقة للنهوض، لا مجرد ذكرى جميلة نلوذ بها كلما آلمنا الحاضر. نريد بغداد التي يكون فيها العراقي عراقيًا قبل أن يُسأل عن طائفته، ويكون قرار العراق عراقيًا قبل أن تتنازعه إرادات الآخرين، ويصبح اختلاف أبنائه مصدر ثراء لا بابًا للفرقة، وتعود الدولة وحدها صاحبة السلاح والقرار. نريدها مدينة تنظر إلى دجلة فلا ترى في مائه صور ما مضى وحده، بل ترى ما سيأتي. فبغداد ليست للعراقيين وحدهم في الوجدان. إنها شيء منا جميعًا. وحين غاب العراق عن دوره، افتقد العرب صوتًا وعقلًا وثقلًا لا يعوض بسهولة. لهذا لا نرثي بغداد. نحزن عليها، نعم، ولكننا نراهن عليها. وننتظر ذلك الصباح الذي تستيقظ فيه المدينة من طول محنتها، وتنفض عن كتفيها غبار السنين، وتنظر إلى دجلة، ثم إلى أبنائها، وتقول لهم: طال الليل… أما آن لبغداد أن تعود إلى بغداد؟
3219
| 16 أغسطس 2026