رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بين ملتقى محليّ تمّ.. ومؤتمرٍعربيّ قادم
شهدت قضية اللغة العربية وستشهد سجالاً كبيراً في دولة قطر على وجه الخصوص في أي ملتقى او مؤتمر تمثل فيه محورا رئيسيا، خصوصا أن قطر خطت بقوة نحو منهج مطور واكب التقدم وغفل الهوية واول مكوناتها وهي اللغة العربية رغم المساعي التي بدت محمودة.
ما زلت اذكر يوم ان طلبتني سموها لاجتماع وشكرتني على الطرح اثر مقال لي في بداية تطبيق التعليم كتبته منتقدة تقليص منهج اللغة العربية والشريعة في المدارس المستقلة، وكيف تم في اللقاء الذي جمع ايضا قيادات التعليم والتقييم والتعليم العالي، منوهة سموها بعدم المساس باللغة العربية، ليتبين لي خلال اللقاء ان سموها قد دعت سلفا ومنذ بداية تقلدها مبادرة التطوير الى ضرورة تعميم وثيقة منهاج وزارة التربية والتعليم في مقرري اللغة العربية والشريعة، التي كررت مرات عديدة على مسمع مسؤولي التعليم في ذات الاجتماع بأنها وثيقة يجب أن تسحب على كل مرخص عند توقيع الترخيص للتوقيع عليها دون ان تمس اطلاقا بل تطور معاييرها فقط لتوازي المعايير الدولية في المناهج.
وأكدت مديرة التعليم ان طلب سموها قد تم في وقته واوانه، ولكن مجريات الأحداث بعدها ومن خلال افادة بعض مديرات المدارس تبين انها حسب قولهم "لم تصل للبعض" الا بعد ذلك التاريخ، أو ربما لم تصل جميع المرخصين سلفا او في نفس التوقيت، ولا اعلم اذا كانت التعاميم او العقود تضل طريقها من مدرسة لاخرى او حسب البعد والقرب المكاني لمدينة الدوحة وضواحيها او طبقت او لم تطبق اصلا؟.
وبعد اعوام من تطبيق تطوير التعليم الذي فتك بداية باللغة العربية والشريعة لم اجد وقتها في مقررات تدريسي لبناتي وهن في الابتدائية الا منهجا مجتزءا من موروث مناهجنا وما وجدت في غيره سوى قصاصات عربية ورقية من "عرّا وبرّا" حسب اجتهادات منسق المناهج ولم اجد في مقرر حفظ القرآن الا اليسير، الذي يجعل صلاتهم مقبولة رغم انهن انخرطن في اقوى مدارس التعليم المستقل في قطر في العاصمة وقد ذكرت ذلك لسموها. لذلك بحثت عن تدريس مسائي بديل للغة والقرآن يعوض ما اجتزئ حكوميا.
واليوم ما زال التعليم اللغوي قصاصات منتقاة، إحدى طالبات الثانوية تقول: لا نعرف من اللغة العربية إلا القواعد وكأن اللغة كلها قواعد فكر هنا.. اما الاخرى فتدرس في احدى قصاصات البلاغة والنقد الحديث على نمط الغرب وعلى يد من ابدع في تسمية السرقات او الاقتباس او التنصيص اللغوي "بالتناص" عن ترجمة جديدة لـ Inter — textualite....
بتسمية الناقدة الفرنسية البلغارية الاصل جوليا كريستيفا معتمدة فيه على "الروسي باختين". ولا ضير في معرفة مصطلحات النقد الحديث المتداخلة في علم اللغويات ولكن اولا يجدر تعليم الطلاب جذورها اللغوية في ثقافتهم ولغتهم وما هيتها لدى أبي هلال العسكري في كتابه الصناعتين وغيره لنقرب لهم في لغتهم وامثلتها معنى مماثلا له شواهده؟ أو ان نقدم لهم أمثلة عملية وعلما عربيا او مستعربا يستخدم في الحياة.
تذكرت وقتها مقارنة - فقط في مجال اللغة والهوية المنتقصة لديهم - كيف وكم نحفظ من سور وقصائد تقويما لألسنتنا فتفوقنا بها عليهم.
ولم اقارن بالطبع بيننا وبينهم في تطبيق مجلس التعليم لمعايير دولية في مواد اخرى علمية ولغوية وتقنية ولاصفية تطوعية برزت اهميتها وفائدتها على جيل ابنائنا تفوقوا بها علينا جراء تطوير التعليم لسنا لننكرها ونحن نجد صداها عليهم اليوم ونشكر عليها المجلس حقا.
رغم مرور السنوات فإننا كنا وما زلنا نتمنى أن تكون النوايا والجهود التطبيقية في اللغة والشريعة على قدر الهدف "قولا وفعلا"، او على الاقل ان يكون التطبيق على نسق النوايا الحسنة.
ولكن بعد عقد من عمر تطوير التعليم في قطر، يظل المنهج المدرسي ولغة التعليم او بالاحرى سياسات التعليم اللغوية - ولن تزال - المتهم الأول في تدني مستوى اللغة وانحدارها وتفكك مكونات الهوية الثقافية والتربية الوطنية لدى الجيل وموضوعا لان تشق اللغة العربية قضيتها بقوة بين ملتقيين في قطر في شهر واحد هما الملتقى السنوي الأول لدعم اللغة العربية وإحيائها في نفوس أبنائها الذي عقدته مدرسة قطر التقنية الثانوية المستقلة مشكورة في 14 مارس برعاية وزير التعليم وحضور وزير الطاقة وبمشاركة كوكبة من اكاديميي قطر ومثقفيها واعلامييها، مما اعطى للقضية زخمها وحقها على كافة المحاور، ومن ثم التناول لقضية اللغة ايضا والمزمع في المؤتمر السنوي الأول للعلوم الانسانية الذي سينظمه المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السّياسات في الدوحة في 24 - 26 مارس 2012، تحت رعاية سموّ وليّ العهد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الذي سيتضمن محور اللّغة والهويّة فيه موضوعات: الهويّة والسّياسات اللغويّة التعليميّة، واللّغة والهويّة من منظورٍ سياسيّ، ولغة التّعليم: تشكُّل الهويّة وإعادة إنتاجها، ولغة التّعليم والهويّة: تحدّيات الواقع ورهانات المستقبل. الذي اتمنى ان يذهب مدير المدرسة التقنية إليه السبت المقبل ويقدم خلاصة توصيات ملتقاه الثري لاستاذنا: الدكتور عزمي بشارة، مدير المركز وعضو مجلس الإدارة - لأن ازمة اللغة وتحديات المنهج ولغة التعليم وسياساته اكدت انها موضوع أو بالاحرى هم ّ عربي قح ّ وفي مصادفة تشهد دولة قطر اثارتها على المستويين المحلي والعربي في ذات الشهر.
ولعل ما استرعى الانتباه في ملتقى دعم اللغة العربية هو ورقة الدكتور عبدالله جمعة الكبيسي رئيس جامعة قطر الأسبق التي حمل فيها انتقادا لتراجع اللغة العربية "بسبب النظام التعليمي المتبع سلفا وحاليا في مجلس التعليم والتحول العميق في النظام التربوي والتعليمي بدءا من عام 2004 بحيث انصب الاهتمام على العناية بالدعامة الثانية على حساب الدعامة الأولى التي كانت قائمة في النظام السابق على ركائز وطنية وقومية إسلامية تعلي من اعتزاز الدارسين بلغتهم العربية وتراثهم الوطني والقومي وبثقافتهم الإسلامية العريقة دون التفريط في متطلبات العصر وعلومه".
اتفق مع الدكتور الكبيسي، وليس الفلسفة فحسب بل إن وضع معايير عامة للتطوير وترك أمور اعداد المنهج على غاربها لمنسقي المقرر ومدرسيه دون الاعتداد بخبرات خبراء ومعدي المناهج السابقين ومهاراتهم في اثراء المناهج المطورة للغة العربية اضعفها، اذ بدت مهارات البعض ضعيفة واخرى متواضعة لا ينبغي الاعتداد بها لاختيار موضوعات الدراسة من مصادر مختلفة لا يربطها سياق منهجي متكامل ومتسق ودون مرجعية لاعتماد نهائي عبر خبير تعليمي مخضرم اللسان والقريحة والذائقة الأدبية والثقافة.
انتقد الكبيسي عمل مؤسسة "راند"، اتفق معه لأنها لم تضع اولوية اللغة والهوية ومكونات الثقافة الوطنية على مسارات التطوير كما يريدها القطري، بل اخترقت النظام كما اخترقت سياسات كثيرة وسّدت اليها في مجتمعنا في محفل التطوير وبذريعته وليس المقام لذكرها هنا، الأمر الذي ادى الى اضعاف الانتماء للذات والكينونة العربية والهوية الثقافية لمجتمعاتنا التي ابتدأت بالافتخار بكلمة افرنجية تطعم بها الجملة العربية تغنجا، واليوم بات الغنج الافرنجي لغة التخاطب تباريا وتماهيا بين الجيل الجديد.. دون جملة عربية فصيحة كتابة او مشافهة الا لدى النزر اليسير ويعزز انتشارها وتراجع الاصول اللغوية في دولة قطر اعتماد المؤسسات والاجهزة على المخاطبة باللغة الانجليزية والتحدث بها في المؤتمرات والاجتماعات والبريد الالكتروني في فترة تم فيه ضرب قرار مجلس الوزراء الداعي لاعتماد اللغة العربية لغة رسمية للمراسلات والمخاطبات عرض الحائط، وربما نطق الحائط حروفنا.
الدكتور محمد كافود وزير التعليم الأسبق أكد أن اليونسكو حذرت من زوال 6000 لغة خلال هذا القرن، وانني لدي اعتقاد وليس املا بان اللغة العربية لن تنقرض لانها لغة القرآن والقرآن ليس معجرة نبوية فحسب بل هو أداة العبادة التي لا تستقيم الصلاة وهي الركن الثاني من اركان الاسلام الا بها، والحديث هنا ليس حديث فزع من مصير بقدر ما هو دعوة لتأصيل هوية جيل ودمجه للمحافظة عليها والدفاع عنها،
أوَلَمْ تنبثق دعوة التغريد في تويتر باللغة العربية والضغط على مؤسسيها لتنبي الواجهة العربية لتويتر من جيله الجديد من الصغار وابنائه الشباب؟ انها بوارق امل وثقة كبيرة في الاستثمار المعرفي في الجيل الجديد.
مجلس التعليم مجددا قد فرض تطبيق منهج اللغة العربية ومعاييرها مؤخرا على المدارس الخاصة في خطوة يشكر عليها فنرتجي منه ان يكمل احسانه ويتفقد كل رعيته واولها المدارس الحكومية، فقصاصات مناهج الورّاقين الجُدُدْ من مجلس التعليم ومن تبعهم بغير احسان في اللغة العربية والشريعة فيحزنني ان اجد سورة "الكوثر" أو "البينة" أو "القــلـــم" - طالت السورة ام قصرت - في قصاصات ورقية قد تسقط من ملف ابنائنا بعد اول امتحان فيها ليدوس الطفل دون وعي منه من دنس عهدا مقسوم به وعليه لعظمته وأهميته:
"نون والقلم وما يسطرون"
ونتمنى أن نبصر ويبصرون............
التعليم في قطر والذكاء الاصطناعي في زمن ChatGPT
لا.. ChatGPT لا !! لا مرفوض … ممنوع! هذه ليست ردود أفعال مجتمع بين متعلم وغير متعلم أو... اقرأ المزيد
3057
| 11 سبتمبر 2024
درس الحروب.. احفظوا وثائقكم رقميا
تعطينا الحروب دروسا كل يوم، مع غمرة الألم نرى كيف يخرج الإنسان صامدا وغنيا في نفسه وإرادته ولكنه... اقرأ المزيد
951
| 04 سبتمبر 2024
المقعد الأخير
ماذا يعني أن تكون في المقعد الأخير في المقهى أو المطعم؟ وماذا يعني أن تكون في المقعد الأول... اقرأ المزيد
1125
| 28 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامية ومستشارة وأكاديمية - الإعلام الرقمي والسياسة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
-تاريخ للعرب والإسلام لا يمكن أن نقرأه ثم نضعه على الهامش - ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ - أدعو لأفق إستراتيجي لا يبقى فيه اليمن إذا استعاد استقراره خارج منظومة مجلس التعاون - علي عبد الله صالح قرر منحي أعلى وسام يمني لكنه أرجأ تسليمه لي لزيارة قادمة لم تتم - صنعاء مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس - اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى لا يحتاج اليمن إلى من يبحث له عن مكان في التاريخ؛ فمكانه سبقنا إليه القرآن الكريم حين حدثنا عن سبأ وما أنعم الله عليها: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾، وسبقنا إليه الحديث النبوي الشريف: «الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية». وبين «البلدة الطيبة» و«الحكمة اليمانية» يمتد تاريخ بلد لا يمكن أن نقرأ تاريخ العرب والإسلام ثم نضعه على الهامش. سبأ ومأرب وحِمْيَر ليست أسماء من ذاكرة بعيدة، وإنما شواهد على حضارة ضاربة في القدم، وعلى أرض عرفت العمران والزراعة والتجارة. ولم يكن حضور اليمن في الإسلام عابرًا أو متأخرًا؛ فقد وفدت قبائله إلى رسول الله ﷺ ودخل أهله في الإسلام، وبعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن معلّمًا وقاضيًا. ومن اليمن خرج رجال وقبائل حملوا الإسلام والعربية معهم إلى الأمصار، وأسهموا في الفتوحات وفي بناء المجتمعات العربية والإسلامية التي نشأت بعدها. وظل اليمن حاضرًا في حواضره العلمية والتجارية والثقافية، من صنعاء وزبيد إلى حضرموت وعدن. وجيلي عرف اليمن من التاريخ، ثم عرفه من السياسة. فقد كنا نتابع منذ شبابنا التحول من الملكية إلى الجمهورية، والتدخل المصري لمساندة النظام الجمهوري الجديد، وما أعقب ذلك من أحداث جعلت اليمن حاضرًا بقوة في المشهد العربي. كنا نسمع بأسماء رجاله ونقرأ عن صراعاته وتحولاته، قبل أن تتيح لي الظروف أن أعرف اليمن عن قرب، وأن أعرف كثيرًا من رجاله. وكانت نقطة التحول في علاقتي المباشرة باليمن عام 1994، عندما جرت محاولة فصل الجنوب عن الشمال. كنت يومها وزيرًا للإعلام في دولة قطر، وكان لقطر موقف واضح في مساندة وحدة اليمن، في وقت كانت فيه مواقف خليجية أخرى مختلفة. وكان الإعلام أحد ميادين تلك المواجهة السياسية، حتى انتهت الحرب ببقاء الوحدة. وفي تلك المرحلة، ومن قبلها ومن بعدها، أتيح لي أن أعرف وأعمل مع عدد من الشخصيات اليمنية البارزة على اختلاف مواقعها واتجاهاتها؛ عرفت حسن اللوزي، الذي كان وزيرًا للإعلام، وجار الله عمر، الذي كان وزيرًا للثقافة، والشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، والرئيس علي ناصر محمد الذي بدأت علاقتي به في دمشق، ومحسن العيني، أحد أبرز الشخصيات اليمنية، الذي عرفته زميلًا سفيرًا في واشنطن واستمرت علاقتنا حتى وفاته، ومحمد سالم باسندوة الذي عرفته زميلًا سفيرًا في الأمم المتحدة قبل أن يصبح رئيسًا للوزراء، والدكتور عبدالكريم الإرياني، وغيرهم كثير. رحم الله من توفاه الله منهم وأطال في أعمار الأحياء. ودعاني الرئيس علي عبدالله صالح إلى زيارة اليمن، فعرفته عن قرب ونشأت بيننا علاقة ود. وفي إحدى المرات قال لي إنه قرر منحي أعلى وسام يمني، لكنه سيؤجل تسليمه إلى الزيارة القادمة حتى يضمن عودتي إلى اليمن. ومرت الأيام، وتقلبت الأحوال، وتغيرت الدنيا، ورحل الرئيس، وبقي الوسام حيث كان. ولعل في هذه الحكاية الصغيرة شيئًا من حكاية السياسة نفسها: نؤجل بعض الأشياء إلى الغد، ثم يأتي الغد مختلفًا عما تصورناه. ولم تكن معرفتي باليمن مقصورة على السياسة ورجالها. عرفت بعض كبار مبدعيه، وفي مقدمتهم عبدالله البردوني وعبدالعزيز المقالح، ودعوتهما إلى المشاركة في فعالياتنا الثقافية. وفي زيارتي هذه رتبت الرئاسة جلسة أدبية فنية حضرها عدد من الأدباء والفنانين، لا تزال في ذاكرتي بما عكسته من ثراء الأدب والفن اليمنيين. وفي لحظة عفوية تبادلت ووزير الثقافة الزي؛ ألبسته العقال العربي، وألبسني العمامة والخنجر اليمنيين. صورة صغيرة، لكنها قالت يومها عن القرب بيننا أكثر مما تقوله كلمات كثيرة. اما اليمن الذي رأيناه فله حديث آخر.. رأيت في صنعاء فنًا معماريًا لا أعرف له شبيهًا؛ مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس. ورأيت في إب وما حولها طبيعة يعجز الوصف عن إعطائها حقها. صعدنا طرقًا متعرجة بين الجبال، ورأيت الفلاحات اليمنيات يتسلقن المرتفعات، يسقين الحقول ويقطفن الثمار، حتى وصلنا إلى غداء أقيم في قمة جبل تحيط به مناظر أقرب إلى الخيال. واستقبلنا عند مدخل المدينة وجهاؤها بملابسهم التقليدية المتنوعة، في مشهد من الألوان والهيبة والجمال، ثم جاءت المائدة اليمنية بما لا يقل ثراء عن المكان. وأقول ذلك وقد جلت العالم شرقًا وغربًا: في اليمن تنوع طبيعي قلّ أن تجده مجتمعًا في مكان واحد؛ شواطئ جميلة، وسهول ووديان، وجبال تكتسي بالخضرة، وأرض زراعية خصبة، وتراث عمراني نادر. ومن يرى كل ذلك يتساءل بألم: كيف استطاع هذا القدر من السياسة والصراع أن يفعل كل هذا ببلد منحه الله كل هذا القدر من الجمال؟ لقد حاصرت الحروب والسياسة اليمن طويلًا، حتى كاد ضجيجهما يحجب حقيقته وعظمته؛ فاختُزل بلد الحضارة والتاريخ والإنسان والجمال في أخبار الصراع، وغاب اليمن الحقيقي خلف أزماته. لكن أهمية اليمن لا تقف عند التاريخ والجمال والإنسان. فالجغرافيا منحته موقعًا لا يستطيع اليمنيون ولا جيرانهم ولا العالم تجاهله. إنه في جنوب الجزيرة العربية، ويشرف على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس والبحر المتوسط. وما جرى في السنوات الأخيرة أكد مرة أخرى أن اضطراب اليمن لا يبقى داخل حدوده، وأن أمن البحر الأحمر والملاحة والتجارة الدولية يتأثر بما يحدث فيه. ولهذا فإن تجاهل اليمن لا يضر باليمن وحده. من يترك جنوب الجزيرة العربية مضطربًا لا يستطيع أن يطمئن إلى استقرار بقيتها. لقد علمتنا تجارب العقود الماضية أن اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي تأتي ردًا على تطور هنا أو أزمة هناك. قد توقف معالجة طارئة جولة من الصراع، لكنها لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى. وما لم تكن هناك رؤية شاملة تعالج بناء الدولة ووحدتها واقتصادها وتنميتها، وتعيد للإنسان اليمني ثقته بمستقبله، فسنبقى ندور في دائرة إدارة الأزمات بدل الخروج منها. كما أن اتساع المشكلات والانقسامات الداخلية يفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية. وهنا لا بد من كلمة صريحة إلى أهل اليمن أنفسهم: إن مستقبل اليمن لا يصنعه الآخرون، والمسؤولية الأولى تبقى على اليمنيين؛ أن يقدموا اليمن على ما عداه، وأن يتحرروا من الارتهان والارتباط بالأجنبي أيًّا كان، وأن يجعلوا وحدتهم الوطنية فوق اختلافاتهم. فالارتهان للخارج وصفة داء لا دواء؛ إذ يستعين بك ما دامت له فيك حاجة، فإذا انقضت حاجته انقضى اهتمامه بك، وبقي الوطن وحده يدفع الثمن. وليس المطلوب أن يختلف اليمنيون أقل، بل ألا يجعلوا من اختلافاتهم أبوابًا تعبر منها مصالح الآخرين. فالوحدة الوطنية لا تلغي التنوع، وإنما تحميه وتحمي اليمن معه. وفي المقابل، تقع على محيط اليمن مسؤولية لا تقل أهمية. فلا ينبغي أن ننظر إلى اليمن بوصفه عبئًا ينبغي تحمله، أو مشكلة أمنية ينبغي احتواؤها. اليمن، إذا استقر وأحسن استثمار طاقاته، مكسب كبير للجزيرة العربية: بثروته البشرية، وموقعه، وأرضه، وإمكاناته الاقتصادية والزراعية والسياحية، وتاريخه وحضارته. والخطر ليس في اليمن، وإنما في أن نتركه للفقر والانقسام والاضطراب والتدخلات الأجنبية. ومن بين دول المنطقة تبقى المملكة العربية السعودية الأكثر اتصالًا باليمن جغرافيا وتاريخًا، والدولة المركزية في مجلس التعاون، واستقرار اليمن من استقرارها وأمنه من أمنها. وقد قدمت المملكة لليمن الكثير، لكنني أتطلع إلى أن يأخذ هذا الدور بعدًا استراتيجيًا أبعد؛ فلا يقتصر على التعامل مع الأزمات حين تقع، بل يقود، بالشراكة مع اليمنيين ودول المنطقة، مشروعًا طويل المدى يدعم وحدة اليمن واستقراره، ويساعد في تنميته وبناء مؤسساته، ويهيئه للاندماج المتدرج في محيطه الطبيعي في الجزيرة العربية. وإذا كنا نتطلع إلى المملكة العربية السعودية لتقف إلى جانب اليمن وتأخذ بيده نحو الاستقرار والاندماج، فمن حقها أيضًا أن تجد من اليمنيين تقديرًا لذلك، وأن تُقابل اليد الممدودة بيد ممدودة، والثقة بالثقة. لقد آن لنا أن نفكر في اليمن بمنطق المستقبل لا بمنطق الأزمة. ولِمَ يبقى اليمن، إذا استعاد استقراره وتماسكت دولته، خارج منظومة مجلس التعاون؟ ولماذا لا يكون الأفق الاستراتيجي هو تهيئته يومًا ليصبح جزءًا كاملًا من هذه المنظومة؟ عندها لن يكون الأمر مجرد إضافة دولة إلى مجلس قائم، وإنما خطوة نحو إطار أكثر تعبيرًا عن جغرافية المنطقة ووحدة مصالحها. وقد يأتي يوم نتساءل فيه: إذا أصبح اليمن جزءًا من هذه المنظومة، أفلا يكون «مجلس التعاون لدول الجزيرة العربية» اسمًا أصدق تعبيرًا عن حقيقتها الجديدة؟ هذه ليست دعوة عاطفية، ولا حلمًا يتجاهل صعوبات الواقع. إنها رؤية تنطلق من درس كررته الأحداث: اليمن مكسب كبير إذا احتُضن واستقر وأصبح جزءًا فاعلًا من محيطه، وخطر جسيم على الجميع إذا أُهمل وترك نهبًا للانقسام والفقر والتدخل الخارجي. لقد ظللنا طويلًا نسأل ماذا نستطيع أن نفعل لليمن. وربما حان الوقت لنطرح السؤال بصورة أخرى: ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ فاليمن لم يكن يومًا هامشًا في تاريخها، ولا ينبغي أن يبقى هامشًا في مستقبلها. لا تكتمل الجزيرة العربية دون اليمن..
4362
| 23 أغسطس 2026
كل عام وقبل العودة إلى المدارس يبدأ الاستعداد المعتاد في كل بيت، ملابس جديدة، حقائب، أحذية، كتب، أقلام، أجهزة، ومستلزمات دراسية. لكن هل هذه هي استعدادات العودة إلى المدارس؟ قبل أن تسأل ابنك: ماذا ينقصك للمدرسة؟ اسأله: لماذا تدرس؟ سؤال بسيط جدًا، لكنه قد يكون أهم من كل ما ستشتريه له طوال سنواته الدراسية فهنا الجوهر. لماذا تدرس؟ ماذا تريد أن تصبح؟ ما المجال الذي تحبه؟ ما الذي تجيده؟ أين ترى نفسك بعد الدراسة وكيف ؟ هذه الأسئلة أهم اليوم من أي وقت مضى، لأن العالم تغيّر، وسوق العمل تغيّر، وحتى مفهوم التعليم نفسه يجب أن يتغيّر لدينا. العالم اليوم مليء بالشهادات بل إن الحصول على الشهادة أصبح في بعض الأماكن أسهل وأرخص من مصاريف سنوات الدراسة، ولم تعد الشهادة وحدها ذلك المفتاح الذي يفتح أبواب الوظائف كما كانت سابقاً. الآلاف يتخرجون كل عام والآلاف يسجلون كما نشاهد هذه الايام. بكالوريوس وماجستير ودكتوراه … الخ ولكن السؤال الذي يفرض نفسه في سوق العمل اليوم هو: ماذا تستطيع أن تفعل؟ فالعالم لايبحث عن الشهادة وصاحبها، بل عن الكفاءة واهلها. يبحث عن الإنسان الذي يفهم، ويحلل، ويبتكر، ويتواصل، ويتعلم بسرعة، إنسان يتعامل مع المتغيرات، ويحل المشكلات، ويملك مهارة حقيقية يحتاج لها الواقع. ثم جاء التحدي الأكبر.. الذكاء الاصطناعي. وهو ليس قصة من المستقبل، بل واقع نعيشه الآن. مهام ووظائف كثيرة تغيرت وتقلصت بسبب التقنية والذكاء الاصطناعي، ووظائف أخرى ستتغير بصورة أكبر خلال السنوات القادمة وستنتهي وفي المقابل ستولد مجالات ووظائف جديدة لم نكن نعرفها. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لأي عالم نُعِد أبناءنا؟ هل نُعد الطالب فقط ليحفظ كتابًا، ويجيب في ورقة الامتحان، ويحصل على درجة عالية، وينتقل من صف إلى صف حتى يحصل في النهاية على شهادة؟ وماذا بعد ؟ فغالب ما يتعلمه الطالب في الحقيقة لا يعمل به في الحياة الطبيعية. ثم ماذا؟ قد يتخرج بعد سنوات ليكتشف أن العالم الذي أعددناه له قد تغيّر! لذلك يجب ألا يكون هدفنا أن يحصل أبناؤنا على الشهادات فقط، وإنما أن يمتلكوا المهارات والقدرات والوعي والفهم وهذا ما تتجه له الدول المتقدمة. علّم ابنك كيف يبحث. كيف يفكر. كيف يناقش. كيف يتحدث أمام الناس. كيف يكتب. كيف يستخدم التقنية. كيف يتعامل مع الذكاء الاصطناعي ويستفيد منه بدل أن يخشاه. كيف يتعلم مهارة جديدة بنفسه. كيف يحول فكرته إلى مشروع. وكيف يعرف نقاط قوته وضعفه. وانتبه يا ولي الأمر أنت لا تجهز ابنك لاختبار نهاية الفصل. أنت تجهزه لسوق عمل سيدخله بعد سنوات، وقد يكون مختلفًا جذريًا عن سوق العمل الذي تعرفه أنت اليوم. فلا تجعل كل اهتمامك بدرجته، واسأله أيضًا ماذا تعلّم. ولا تسأله فقط: كم حصلت؟ اسأله: ماذا أصبحت تستطيع أن تفعل؟ ولا تخطط له على أساس الوظائف التي كانت ناجحة في جيلنا، بل ساعده على اكتشاف العالم الذي سيعيش هو فيه. نعم التعليم مهم. والشهادة مهمة. والمدرسة والجامعة كذلك. لكن الشهادة بلا مهارة ورقة، والتعليم بلا فهم حفظ، والمعرفة التي لا يستطيع صاحبها استخدامها لن تصنع له مكانًا في عالم شديد التنافس وسريع التغيّر. لذلك عندما تبدأ هذا العام في تجهيز أبنائك للعودة إلى المدارس.. لا تبدأ بالحقيبة. ولا بالحذاء. ولا بالملابس. ابدأ بالسؤال: يا ابني … لماذا تدرس؟ فإذا عرف لماذا يدرس، وماذا يريد، وما الذي يحتاج إلى تعلمه ليصل إليه.. فقد اشتريت له أهم مستلزمات الدراسة دون أن تدفع ريالًا واحدًا.
2871
| 25 أغسطس 2026
ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو حاجة المؤسسات المستمرة إلى قيادات جديدة، في وقت لا يكفي فيه انتظار ظهور قائد جاهز. فهل القيادة موهبة فطرية، أم قدرة يمكن بناؤها وتطويرها؟ ولفهم ما إذا كان القائد يُولد أم يُصنع، لا بد أولاً من التعرف إلى الصفات التي تقوم عليها القيادة. ومن أبرزها وضوح الرؤية؛ فالقائد يرى الاتجاه قبل أن ينشغل بالتفاصيل، ويستطيع أن يحوّل رؤيته إلى هدف واضح يفهمه الناس ويعرف كل منهم دوره فيه. وعندما يحين وقت القرار يستمع، ويجمع المعلومات، ويدرس البدائل، ثم يحسم اختياره ويتحمل نتائجه. فإذا تعثرت الأمور، لا يسارع إلى إلقاء اللوم على الآخرين أو البحث عن موظف يدفع ثمن قراره؛ بل يعترف بالخطأ، ويصحح المسار، ويحمي فريقه من الاتهام غير العادل. فالقيادة لا تعني أن يكون القائد مصيباً دائماً، بل تعني القدرة على الاختيار وتحمل المسؤولية والتعلم والتصحيح. غير أن القرارات وحدها لا تكفي لقيادة البشر. فالقائد يحتاج إلى فهم نفسه وضبط انفعالاته وإدراك مشاعر الآخرين، وهو ما وصفه عالم النفس دانيال جولمان بالذكاء العاطفي. وقد تهدم كلمة قاسية في لحظة غضب ثقة بُنيت خلال سنوات، بينما يستطيع القائد المتزن أن يختلف ويحسم من دون أن يهين أو يجرح. وتمنح النزاهة هذه الصفات معناها؛ فالناس قد تعجب بذكاء المسؤول، لكنها لا تثق به إذا طبّق المعايير بحسب الأشخاص. لذلك يكون القائد عادلاً، واضحاً في قراراته، بعيداً عن المحاباة. كما يحسن الاستماع، ولا يخشى أصحاب الكفاءة، بل يختار من يكمله ويمنحه فرصة للمبادرة وتحمل المسؤولية. وعندما يصبح القرار الصحيح غير مريح أو غير شعبي، تظهر شجاعته الأخلاقية في تقديم المصلحة العامة على رغبته في إرضاء الجميع. هذه الصفات ليست حكراً على أشخاص يولدون باستعدادات فطرية، بل يمكن تنمية معظمها بالتعلم والتجربة. ويرى الباحث وارن بنيس أن «القادة يُصنعون ولا يولدون». ولا يعني ذلك تجاهل الاستعداد الفطري؛ فبعض الأشخاص يمتلكون الجرأة أو قوة الحضور وسهولة التواصل، لكن هذه المزايا تحتاج إلى التهذيب. فالجرأة بلا حكمة قد تصبح تهوراً، والثقة بلا وعي قد تتحول إلى غرور، والحزم بلا عدل قد ينتهي إلى تسلط. ووفقاً لنموذج مركز القيادة الإبداعية (CCL)، وهو مؤسسة دولية متخصصة في أبحاث وتطوير القيادات، فإن معظم التعلم القيادي يأتي من المهام والتجارب الصعبة، ثم من العلاقات المهنية والتوجيه، بينما تمثل الدورات الرسمية الجزء الأصغر. وهذا يفسر لماذا لا تُصنع القيادة في قاعة التدريب وحدها. فحين تكلف المؤسسة موظفاً واعداً بإدارة مشروع يتطلب تعاون عدة إدارات، وتمنحه صلاحية حقيقية، ثم تراجع معه قراراته ونتائجها، فإنها تدربه عملياً على التنسيق وحل الخلافات وتحمل المسؤولية، وبذلك تتحول القيادة من معرفة نظرية إلى ممارسة حقيقية. لهذا تبدأ صناعة القادة باكتشاف من يمتلكون القيم والاستعداد للتعلم، ثم منحهم مسؤوليات متدرجة، وإشراكهم في قرارات حقيقية، وتعريضهم لمواقف تتطلب الاختيار وتحمل النتائج. وهم يحتاجون إلى توجيه صادق يكشف نقاط القوة والضعف، وإلى بيئة تسمح بالخطأ المسؤول، لكنها لا تتسامح مع الإهمال. إن إعداد القادة ليس ترفاً إدارياً، بل ضرورة تضمن استمرار المؤسسة وتجددها. فالمؤسسة التي تنتظر قائداً جاهزاً قد تنتظر طويلاً، أما التي تستثمر في موظفيها وتختبر قدراتهم، فإنها تصنع خياراتها بنفسها. قد يبدأ القائد بموهبة، لكنه يكتمل بالتعلم والتجربة والمحاسبة. ولذلك فالسؤال الأجدر بالمؤسسات ليس: أين نجد قائد الغد؟ بل: ما الذي نفعله اليوم لصناعته؟
2208
| 23 أغسطس 2026