رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما كنت في مرحلة دراستي للبكلاريوس، السنة الثانية تحديدا، كانت معنا زميلة "غير متحجبة"، وكانت الفتيات بالدفعة يرمونها بنظرات الازدراء والترفع، نظرات ثاقبة وكأنهم قد جردوها من الإيمان والتقوى والعمل الصالح. كانت فتاة مجتهدة، لا أعرفها عن كثب ولكني كنت أرى دون قصد للمراقبة تصرفات البعض لها، معاملتهن، نظراتهن التي توحي بأنها أخلت بموازين المجتمع، وداست على الأعراف، ورمت بتعاليم الدين عرض الحائط لأنها غير متحجبة!
انتقلنا للسنة الثالثة، واجبرتنا بعض المقررات أن نعمل كمجموعات في بعض المشاريع الدراسية، فكانت معي مصادفة في احدى المجموعات تلك الزميلة غير المحجبة، فاصبح لزاما علينا الجلوس معها لساعات متواصلة للعمل وانجاز المشاريع الجامعية، والذي لم استغربه البته انها كانت تهرع للصلاة حين ينادي المؤذن، وكانت تنهرنا إذا سمعت بعض الغيبة والبهتان أو أبصرت بعض من الهمز واللمز، والأجمل أنها كانت تكرر دائما، لا أحب أن أرى الناس بنظرة التمحيص والتدقيق فإني هنا لم أخلق لأقوم بهذا الدور.
في الطرف الآخر بعض من الفتيات المحجبات أو حتى المنقبات، يؤخرن الصلاة دون اكتراث بحجة أن الحمامات بالجامعة متسخة ويصعب الوضوء فيها، ويقضين الساعات الطوال في الغيبة والقهقهة على "فلان وعلان"، يتبرجن تبرج الجاهلية وهم باللبس الملتزم! يتناقضن كثيرا ويتلّوّن بمليون لون..!
في "الإنستجرام" وضعت إحدى الأخوات جزءا من مقابلة على هيئة فيديو للاعلامية "حليمة بولند" وهي تتحدث عن أدائها للعمرة وكيف قضتها في الصلاة والاستغفار والدعاء بأن يكون مثواها الجنة.. وحينما ذكرت الجنة سبقتها دموعها فبكت.. المؤسف أن الناس جميعهم كانوا يضحكون ويستهزئون بها وبإيمانها وكرروا كثير عبارة: "من صجها؟!"، الإجابة "نعم من صجها" لأن حليمة قد تكون أقرب إلى الله منكن جميعا. هذه أمور لا يعلمها إلا الله.
مازلت أتذكر، حينما خرجت مع زميلاتي لإحدى المجمعات، مر بنا رجل لحيته مُطلقة وكثيفة، ثوبه أقصر من المعتاد، تظهر عليه علامات التدين والالتزام، إلا أنه ـ رغم تلك العلامات ـ كان يلاحقنا بنظراته، يراقب مشينا ولبسنا وطريقة أكلنا! حتى نطقت إحدى الصديقات ما لم أتمنى سماعه: "متدين ويغازل"!
أعرف إحدى الفتيات المنقبات التي تحاجج في كل مجلس وتحاول أن تقنع الجميع بوجوب النقاب من خلال القرآن والسنة، وتبذل الجهد الجهيد لتغير الآراء من حولها، وتنجح في معظم الأحيان، إلا أنني في إحدى المرات جلست مع والدتها فأخذت تبكي بحرقة وهي تشكو سوء معاملتها، ولا أنسى عبارة والدتها حين قالت: "شفايدة النقاب واهيه ما تبر أمها!"
إحدى الفتيات تنهر كل من يسمع "الموسيقى بأي شكل من الأشكال" وتتحدث بالدين وكأنها من كمّلها الله بين الأنام، إلا أنني في كل اسبوع أعرف من القاصي والداني أنها تقض مضجعهم بعبارات مسيئة، تخلق المشكلات والفتن بطرق ابداعية، كل من يذكر اسمها يردفه بصفة اللاخلق.. أين الدين إذن؟
الحديث في هذا الموضوع طويل، والمواقف لا تعد ولا تحصى، وأنا اليوم أكتب في هذا الشأن لا لأثبت للعالم بأن المنقبات والملتحين على خطأ أو لأثبت أن السافرات والحليقين على صواب، بل لأذكر نفسي وإياكم بإننا خلقنا لا لنصنف الناس بناء على مظهرهم ونحن لا نعرف الجوهر، البعض يحكم على إيمان الناس من ملابسهم فقط، فيشفعون للمنقبة والملتحي الكبائر ويحبطون لتلك الفتاة أعمال الخير العظيمة لأنها سافرة! هيهات يا ابن آدم، لم نخلق لنحاسب الناس، ولنصنفهم ونمنحهم مراتبهم من الجنة ومقاعدهم من النار.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1689
| 04 يناير 2026
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1251
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
990
| 07 يناير 2026