رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أكتب هذا المقال «من المسافة صفر»، بين القلم والورقة.
أكتبه عن الوساطة القطرية، التي يتم إنجازها على طاولة التفاوض، من المسافة صفر، بين طرفي أكثر الصراعـات ضراوة، وأشـــدها قساوة في منطقتنا العربية.
وأكثر الصدامات عنفاً، وأقواها بأساً في الأراضي المحتلة.
وأكثر النزالات مشاكسة، وأعلاها مشاحنة في الشرق الأوسط
وأكثر الحروب الإسرائيلية دموية، وأشدها وحشية، وأبشعها همجية، ضد الإنسان الفلسطيني، المستهدف في قطاع غزة، وسائر المخيمات الفلسطينية.
وفي خضم هذه الأوضاع المأساوية، وأتون هذه الظروف غير الإنسانية، تسعى قطر، بمشاركة بقية الوسطاء، لإنهاء الحرب البربرية الصهيونية، التي تستخدم فيها إسرائيل، سلاحاً فتاكاً، يتمثل في استغلال احتياجات المدنيين الضرورية، واستخدامها كورقة مساومة تفاوضية، لإجبار حماس على قبول شروطها، ومنها حاجة الفلسطينيين الأبرياء، إلى الماء والغذاء والكهرباء والدواء. ولمعالجة هذا الداء الإسرائيلي، تواصل الدبلوماسية القطرية وساطتها بكل إصرار، وتستأنف جهودها بكل اقتدار، من أجل التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، يسمح بإزالة آثار الدمار، والبدء في مشاريع الإعمار.
وفي سياق هذا المسار، لا يمكن لأحد إنكار الجهود القطرية، لتجاوز جميع الأضرار، التي أثقلت كاهل المواطن الفلسطيني، المستهدف في قطاع غزة.
وهذه حقيقة مؤكدة، أكتبها بكل إكبار، بعيداً عن التلوين فيها، أو التهوين في أهميتها، أو التهويل في تأثيرها، أو التضخيم في قيمتها، أو التفخيم في قيمها.
إنها الوساطة القطرية، من المسافة صفر، لتسوية أكثر الملفات تعقيداً بين حركة حماس، وحكومة الاحتلال الإسرائيلي، التي عقدت مفاوضاتها المعقدة، في عاصمة المساعي الحميدة والجهود الحثيثة.
هنا في الدوحة، عاصمة الوساطة النزيهة، تم تدشين المفاوضات أكثر من مرة، من المسافة صفر، لمعالجة الملف الشائك، وتسوية الملف المتشابك، المتعلق بإطلاق سراح الأسرى، والإفراج عن المحتجزين لدى الطرفين.
وآخرها المفاوضات، التي تمت بمشاركة «ستيفن ويتكوف»، المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط، الذي حمل خلال زيارته العديد من الأفكار، من أجل ديمومة وقف إطلاق النار.
وفي هذا الإطار، فإن ما يثير الإعجاب- ولا أقول التعجب- أن حماس، لم تتزحزح عن موقفها الوطني، قيد أنملة، ولم تفرط في حقوق الأسرى الفلسطينيين المعتقلين في سجون الاحتلال مليمتراً واحداً.
لكنها من أجل إنعاش «اتفاق غزة» المهمش من الجانب الإسرائيلي، وحرصاً على إعادة الاتفاق إلى مساره الصحيح، عبرت عن استعدادها لإطلاق سراح الجندي «عيدان الكسندر»، مزدوج الجنسية الإسرائيلية ـ الأمريكية، في إطار «صفقة استثنائية»، إذا التزمت إسرائيل بتنفيذ بنود الهدنة الهشة، في القطاع المهشم.
إضافة إلى تسليم رفات عدد من أصحاب الجنسية المزدوجة.
* وبعيداً عن المواقف المزدوجة، والسياسات اللزجة تحرص قطر، خلال مساعيها الحميدة، ووساطتها المحايدة، على الوقوف عند نقطة المنتصف، على طاولة الحوار التفاوضي، دون محاباة هذا الطرف، أو الانحياز لذلك الطرف، حرصاً على تجاوز مرحلة العقدة، ومعالجة التعقيد في القضية، وتخطي الموقف المعقد في ملف الوساطة.
إنها الوساطة القطرية، التي تمتاز بالوسطية، حيث يقف الوسيط القطري في منطقة الوسط، بين الطرفين المتنازعين، لفض النزاع، دون الانخراط في الصراع، بما يساهم في صناعة السلام.
وخلال مراحل هذه الوساطة، المتعددة في أشكالها، والمتنوعة في أساليبها، لعبت قطر ـ كعادتها ـ دور رجل الإطفاء، الذي يسعى بكل حرص على إطفاء نيران الحرب، التي أحرقت الكيان، وهدمت البنيان ونالت من الإنسان الفلسطيني، وضمان عدم اشتعالها مجدداً في أي زمان أو أي مكان آخر في قطاع غزة.
ونصل إلى العنوان البارز في المفاوضات، الذي يتمثل في محاولات الاحتلال، أن يحقق على طاولة التفاوض، ما عجز عن تحقيقه بالغارات، وما أطلقه من اعتداءات، ونفذه من هجمات!
ولهذا يلجأ إلى ممارسة الضغوط غير الإنسانية، لإجبار الفلسطيني على الاستسلام، دون الالتزام بمبادئ السلام العادل والدائم والشامل، وهذه خلاصة الكلام.
* ولعل من أبشع الضغوط الصهيونية، فرض التجويع على الجميع، وقطع الكهرباء عن الجموع، وقطع إمدادات الماء عن المجاميع.
ولن نستغرب أن تحاول حكومة التطرف الإسرائيلي، قطع الأوكسجين من الهواء، لحرمان الفلسطينيين من التنفس!
ورغم استهداف الأنفس، ومحاولات قطع الأنفاس، يبقى الإنسان الفلسطيني مقاوماً، لكل أشكال الإذلال، وكل أنواع الموت تحت براثن الاحتلال.
ومنها الموت جوعاً، أو الموت عطشاً، أو الموت برداً، أو الموت حرقاً، أو الموت قهراً، أو الموت فقراً.
وهكذا، هي الأحوال في غزة، التي تعاني من الأهوال، لكن إنسانها المقاوم لم ينكسر، أمام تسلط الاحتلال، الذي فشل في كسر المقاومة، وعجز عن تحقيق أهدافه، سواء بالخطط العسكرية، أو المؤامرات السياسية، أو المباحثات التفاوضية، أو التهديدات الأمريكية.
ووسط هذه الضغوط، وكل هذه الظروف، تتواصل الوساطة القطرية، بمشاركة الوسطاء الآخرين، دون إغفال الجهد الدبلوماسي الكبير، الذي تبذله الشقيقة الكبيرة مصر، في هذا السياق- ولا أقول السباق- للإفراج عن الأسرى والمحتجزين.
* وما من شك، في أنه مع الإفراج عن كل أسير فلسطيني، وإطلاق سراح كل محتجز إسرائيلي، خلال عمليات التبادل، يبرز دور قطر، التي تسعى لفتح أبواب الحرية، للسجناء والمعتقلين والمحتجزين، دون أن يكون لدولتنا أي أجندة سياسية خاصة، أو أطماع خصوصية خالصة.
ويكفي أن الأطراف المنخرطة في الحرب الإسرائيلية، على غزة، والدول الداعمة لها لوجستياً، لم تجد بداً من اللجوء إلى قطر، للقيام بدور الوساطة، باعتبارها تجسد دور الوسيط النزيه.
وهكذا بعد مرور أكثر من 15 شهراً على الطوفان الفلسطيني، الذي كشف عورات الطغيان الإسرائيلي، تظهر قطر في المشهد التفاوضي، كوسيط موثوق به، لا مثيل له، لا بديل عنه، لا تشكيك في نزاهته، لا طعن في حيادته.
ولعل ما يميز الوساطة القطرية، أن الدوحة، تمكنت من فهم فيزياء الطرف الفلسطيني، وتحليل كيمياء الطرف الإسرائيلي، وتفكيك طلاسم «لوغارتيمات» الإدارة الأمريكية، المنحازة إلى أبعد درجات الانحياز إلى إسرائيل.
وهذا ما نعيشه الآن واقعياً، ونتابعه عملياً، ونراقبه ميدانياً، ونشهده تفاوضياً، خلال الوساطة التي تقوم بها قطر، من المسافة صفر، لوقف الحرب على غزة نهائياً.
ومن أجل ذلك، تبذل الدوحة كل مساعيها، لتضييق الفجوات، وردم الثغرات، وإزالة العقبات، وتبريد الملفات، المطروحة على طاولة المفاوضات.
* ولا يخفى، على أي مراقب دبلوماسي، أو ناشط سياسي، أو متابع إعلامي، الدور الإيجابي الذي لعبته قطر، لوقف العدوان الصهيوني الوحشي، منذ إطلاق الصاروخ الإسرائيلي الأول على قطاع غزة، من خلال مساعيها الحثيثة، وجهودها الحميدة، ودبلوماسيتها النشيطة.
وهذا الموقف القطري، المستند إلى مواد القانون الدولي، تسبب في استهداف قطر، بالعديد من حملات التحريض الصهيوني المتواصل، التي حركتها حكومة العدوان الإسرائيلي، مما أوجد مناخاً عدائياً ضاغطاً على الوساطة القطرية، من خلال التشكيك في نزاهتها، والطعن في حيادتها حتى أن صحيفة «هآرتس» العبرية، اعترفت، بأن وزارة الخارجية الإسرائيلية أعدت خطة في بداية حرب الإبادة على غزة «لتشويه صورة قطر والتشهير بها».
وقالت الصحيفة إن الخطة حظيت بموافقة وزير الخارجية آنذاك.
وذكرت أنه «في بداية الحرب أعدت وزارة الخارجية الإسرائيلية خطة لتشويه اسم قطر وتقويض مكانتها».
ورغم الاتهامات الباطلة، والادعاءات الكاذبة، بأن الدوحة تدعم «الإرهاب الفلسطيني»، فقد عملت قطر بلا كلل، وباشرت بلا ملل، وبادرت بلا وجل، وركزت على العمل، وتعلقت بخيوط الأمل، من أجل التوصل إلى وقف دائم وشامل لإطلاق النار في غزة.
* وفي هذا السياق، أتوقف عند تصريحات معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني رئيس الوزراء وزير الخارجية في مقابلته مع الإعلامي الأمريكي «تاكر كارلسون»، التي أكد فيها، أن قطر، تعرضت لحملات تشويه كثيرة، وحملات تشكيك كثيرة، بسبب موقفها الداعم لحقوق الشعب الفلسطيني، وموقفها الرافض للعدوان على الفلسطينيين.
ولا أكشف سراً، عندما أقول إن قطر، تعرضت إلى حملة كبرى، على نطاق عالمي، بمستوى عالٍ، ونسق عدواني، شاركت فيها مواقع إلكترونية مشبوهة، تم خلالها نشر مئات الإعلانات التحريضية، والمواد التشهيرية، عبر منصة فيسبوك، وغيرها من التطبيقات الإلكترونية، مثل يوتيوب، وتيلجرام، ومنصة إكس وغيرها.
* وكان الهدف الشيطاني، من هذه الحملات التي وصلت إلى أكثر من 40 مليون متابع حول العالم، جعل إدارة الوساطة القطرية، أكثر صعوبة من خلال الضغط الهائل، على الوسيط القطري، لإفشال جهود قطر في الوساطة!
وتم خلال تلك الحملات المضللة، استخدام آلاف الصفحات، لتمرير أكثر من (900) إعلان سياسي مناهض للدوحة، يدعو الكثير منها إلى عزل قطر سياسياً، ويتهمها بدعم «الإرهاب»!
والملاحظ، أن الحملات الأشد ضراوة ضد قطر، كان يقودها اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، وتحركها جماعات الضغط الأمريكية المتحالفة مع إسرائيل.
وكانت تستهدف الدوحة بانتظام، بأسلوب لا يخلو من الانتقام، بالتزامن مع جهود قطر الشاقة- ولا أقول الشيقة- في الوساطة المتشابكة، لوقف إطلاق النار في غزة، وإنهاء العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين.
وكان أصحاب الحملات المسعورة، يحاولون تعزيز الأجندات «الجيوسياسية» ضد قطر، وإثارة الشكوك حولها، وتحريك المخاوف ضدها، وتوجيه المزاعم حول سجلها القومي، وموقفها الأخوي، وخطها القانوني، ودورها الإنساني المدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني، ودعمها الثابت للقضية الفلسطينية.
* لكن قطر، حرصت على رصد الحملة الأكبر من نوعها، والأخطر ضدها، من خلال الاستشعار الدقيق لها، وفهم أسبابها، وكشف أهدافها، وتحديد الأطراف المسؤولة عن تحريكها، وتقييم نتائجها، التي تمثلت في استهداف الدور المتنامي للدبلوماسية القطرية إقليمياً، والتأثير المتصاعد لها دولياً.
ولأن الدبلوماسية القطرية، ترتبط بمجموعة من الثوابت الرافضة للتشكيك، وغير القابلة للانتقاد أو المستعدة للانقياد، فقد نجحت قطر في تجاوز حملات التشكيك.
ولأن الوساطة القطرية، تتضمن مجموعة من القيم والمبادئ القانونية، غير القابلة للتخوين أو التخويف، أو التخفيف من قيمتها، فقد تمكنت الدوحة، من التعامل الفوري، مع الظروف المتغيرة، والأمور المستجدة، والمواقف المتقلبة، على طاولة التفاوض.
وما من شك، في أن الاستقرار السياسي، الذي تنعم به قطر، بالإضافة إلى الازدهار الاقتصادي الذي تتمتع به، إلى جانب التلاحم الشعبي، الذي تمتاز به، كل هذا ساهم في تعزيز مكانة الدوحة، كوسيط دولي موثوق، وطرف حيادي مرموق.
*وبفضل هذه الامتيازات الفريدة من نوعها أصبحت دبلوماسية الوساطة متجذرة في النسيج السياسي القطري.
ونظراً لأهمية هذا المبدأ، فقد تم تثبيته في التعديلات الدستورية، التي تم إقرارها، خلال الاستفتاء الشعبي، الذي نظم في السادس من نوفمبر الماضي.
وبهذا أصبحت الوساطة، من صميم المادة السابعة من الدستور، بما يتفق مع دور قطر، في حل النزاعات، بالطرق السلمية، السليمة، وما يستلزمه ذلك من الحفاظ على علاقات قطرية متوازنة، مع جميع الأطراف، بعيداً عن التطرف مع أو ضد أي طرف.
ولأن الوساطة- ولا أقول الواسطة ـ أصبحت من ركائز العقيدة السياسية، للدبلوماسية القطرية، فإنني أدعو الجيل الجديد، من شباب وشابات قطر إلى حفظ المادة السابعة من الدستور الدائم، لأنها تشكل رافعة النجاحات التي تحققها البلاد، في مجال الوساطة النزيهة، الموثقة دستورياً، المؤكدة سياسياً، المؤيدة شعبياً، المميزة وطنياً.
وخصوصاً بعدما أصبحت ترتكز على أسس دستورية غير قابلة للتأويل، أو التحويل، أو التعديل، أو التبديل، والتضليل.
وهذا كله يمنح كل قطري الشعور بالفخر، بسبب توجه قطر لصناعة السلام في المنطقة، بما يدعم استقرارها، من خلال حرصها على فض النزاعات، بدلاً من الانخراط في الصراعات.
* ولكل هذا، ليس من قبيل المبالغة، ولا من متطلبات البلاغة، الإشادة بالوساطة القطرية، لكن من خلال هذا البلاغ الصحفي، أود التأكيد مجدداً أن قطر، من خلال مساعيها الحميدة ووساطتها المحايدة، نجحت في توفير منصة تفاوضية مباشرة، بين حركة حماس والإدارة الأمريكية.
وهذا الحدث السياسي غير المسبوق، يستوجب الحديث الإعلامي عنه، كما له من دلالات لا يمكن تجاهلها، بعد اقتناع الولايات المتحدة، بالتفاوض المباشر، مع حركة المقاومة الإسلامية، التي تصنفها واشنطن منذ عام (1997) بأنها جماعة «إرهابية».
ومن الواضح، أن الرئيس ترامب، صاحب المواقف المتقلبة، أظهر استعداده للخروج من القواعد السابقة، المعمول بها في بلاده، ضد حركة حماس، لسبب وحيد، يتمثل في رغبة سيد البيت الأبيض، إنهاء أزمة المحتجزين، بشكل يمنحه مكاسب سياسية، يظل طوال حياته يتفاخر بها، ويتباهى بإنجازها وهو يلعب الجولف، بحكم شخصيته التي تتورم فيها عقدة «الأنا»، وتتضخم داخله، حول تمجيد الذات وفي إطار هذا «الانتفاخ» يريد ترامب أن يرجع له الفضل وحده فقط، في الإفراج عن بقية المحتجزين، خصوصاً بعدما سئم من ألاعيب نتنياهو، الذي يعتمد على المماطلة، في تنفيذ استحقاقات اتفاق الهدنة، وتخريب المرحلة الثانية من الاتفاق.
وهذا الأمر، تسبب في إحراج صاحب «النتانة» أمام الرأي العام الإسرائيلي، وأجبر حكومته على المشاركة، في المفاوضات الأخيرة، التي عقدت في الدوحة.
والمفارقة الفارقة، أن المفاوضات المباشرة التي أجرتها حماس مع الإدارة الأمريكية، من المسافة صفر، أثارت حفيظة السلطة الفلسطينية بدلاً من الترحيب بها!
تماماً مثلما أثارت استياء الحكومة الإسرائيلية، التي تريد السيطرة، على المشهد التفاوضي، وتحديد مساراته، وتوجيهه وفقاً لشروطها وبناء على مصالحها، دون أدنى اعتبار، لحقوق الشعب الفلسطيني.
ولهذا لم تحظ المفاوضات «الأمريكية ـ الحماسية»، بقبول إسرائيل، التي اعتبرتها طعنة في ظهرها.
لكن ما يثير الغرابة، في هذه اللحظة المصيرية، وهذه الظروف المفصلية، هو غضب السلطة الفلسطينية ـ غير المبرر ـ من التفاوض «الحماسي» المباشر، مع الإدارة الأمريكية!
علماً بأن «منظمة التحرير»، هي التي ابتكرت التفاوض السري مع «الأعداء»، عندما قررت التواصل التفاوضي، بشكل سري مع إسرائيل، تمهيداً لتوقيع «اتفاقية أوسلو» في الثالث من سبتمبر عام 1993.
ولإنجاز هذه الاتفاقية الناقصة، لم تتشاور «المنظمة» مع أي طرف فلسطيني، ولم تنسق مع أي طرف عربي حول ترتيبات الحكم الذاتي، المحكوم بتوجهات وتوجيهات وقيود إسرائيل.
لكنها فعلت كل ذلك، بعد سلسلة من المحادثات السرية، التي انطلقت في العاصمة النرويجية أوسلو عام 1991، والتي تؤكد في مضمونها، وتشكل في تفاصيلها، نوعاً من «التخابر» مع جهات أجنبية.
*صحيح أن «المنظمة»، ـ ذات الأوضاع غير المنظمة ـ هي «الممثل الشرعي»، لكن ينبغي تحديد أي نوع من «التمثيل» تجيد القيام به، هل هو «التراجيدي»، أم «الميلودرامي»، أم البوليسي، أم الكوميدي؟
ولا أريد القول، إن «السلطة»، أصبحت متسلطة، لكن تثبت الأحداث المتلاحقة، منذ السابع من أكتوبر، أن السلطة تحولت إلى «سلاطة»، ولا ينقصها سوى «الفتوش»، ولا أقصد «الفنكوش» الذي ربما تجده تحت أنقاض غزة.
وربما ما زالت تبحث عنه، لإلقاء القبض عليه، وتسليمه إلى حكومة التطرف الصهيوني، في إطار «التنسيق الأمني» مع إسرائيل، خفضا للتوتر، ومنعا للمواجهة الشاملة، (على حد قولها) وليس - لا سمح الله- لحلها، وتفكيكها، وإسقاط حكمها، الذي تثبت الأحداث أنه يخلو من الحكمة!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2136
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
951
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على حالها، إن وجدتَها. ستلاحظ شيئاً غريباً في التصميم: الجدران قصيرة، والأبواب تكاد تكون متقابلة، و»السكيك» ضيقة وكأنها صُممت لتجعل الناس يصطدمون ببعضهم البعض فيلقون السلام. كان العمران هناك «خادماً» للوصل. وكانت روح الفريج حاضرة في كل تفصيلة معمارية. كان الحجر يُجبر البشر على التلاقي. ثم انتقل بسيارتك إلى أحيائنا السكنية الحديثة. شوارع فسيحة، وفلل تشبه القلاع الحصينة. كل بيت يحيط نفسه بسور عالٍ، وبوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة. لقد حصلنا على «الخصوصية» التي كنا نحلم بها، ولكن، هل سألنا أنفسنا عن الثمن؟ المعادلة بسيطة ومؤلمة: كلما ارتفعت الجدران الإسمنتية بين البيوت، ارتفعت معها الجدران النفسية بين القلوب، وتآكلت روح الفريج شيئًا فشيئًا. في زمن «الفريج»، كان الجار هو «خط الدفاع الأول»، وهو «الأهل» الأقرب. كانت الأمهات يتبادلن الأطباق، والأطفال يركضون من بيت لآخر وكأن الحي كله بيت واحد كبير. كانت «عين الجار» حماية، وصوته أنساً. لم يكن الفريج مجرد مكان للسكن، بل كان «نظاماً اجتماعياً» متكاملاً للتكافل والتربية المشتركة. اليوم، تحت ذريعة «الخصوصية» و»الاستقلالية»، عزلنا أنفسنا. أصبحنا نعيش لسنوات بجانب شخص لا نعرف إلا نوع سيارته. قد يمرض الجار، أو يحزن، أو يفرح، ولا نعلم عنه شيئاً إلا إذا رأينا خيام العزاء أو الزفاف صدفةً عند الباب. تحول الجار من «سند» إلى «غريب»، وأحياناً إلى مصدر إزعاج نشتكي منه إذا أوقف سيارته أمام سورنا. لقد قتلنا «روح الفريج» بدم بارد، واستبدلناها بـ «ثقافة العزلة». نحن لا ننكر أن التطور العمراني ضرورة، وأن الخصوصية حق. لا أحد يطالب بالعودة إلى بيوت الطين وضيق المكان. ولكننا نطالب بـ «أنسنة» مدننا الحديثة. المشكلة ليست في «الحجر» وحده، بل في «البشر» الذين سمحوا لهذه الأسوار أن تتسلل إلى نفوسهم. لقد استوردنا تصاميم هندسية غربية تقدس الفردية، ونسينا أننا مجتمع «جمعي» يتنفس الوصل. صممنا مدناً للسيارات لا للمشاة، وللأبواب المغلقة لا المشرعة. هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟ نعم، ولكن البداية ليست بـ «هدم الأسوار» الإسمنتية، بل بهدم «الأسوار النفسية». أن نمتلك الشجاعة لنطرق باب الجار ومعنا «طبق حلو» وابتسامة، بلا مناسبة. أن نُحيي «مجلس الحي» ولو مرة في الشهر. أن نعلم أطفالنا أن «حق الجار» ليس مجرد كف الأذى، بل هو بذل الندى، والسؤال، والاهتمام. وهو جوهر روح الفريج. إن «الوحشة» التي نشعر بها في أحيائنا الفارهة لا يعالجها المزيد من الرخام والزجاج، بل يعالجها «دفء» القلوب المتواصلة. فلنجعل بيوتنا قلاعاً تحمينا من الخارج، نعم، ولكن لا تجعلها سجوناً تعزلنا عمن هم أقرب الناس إلينا جغرافياً، وأبعدهم عنا شعورياً.
732
| 04 فبراير 2026