رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

495

د. أحمد المحمدي

«وإِذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا»

18 مارس 2025 , 02:00ص

للنفاق وجوهٌ تتعدد، وألوانٌ تتبدل، لكن جوهره واحد لا يتغير، فحقيقته التلوُّن والخداع، ومنهجه الالتواء والمراوغة، وديدنه التقلب بين الصفوف، لا يرسو على شاطئ، ولا يستقر على مبدأ.

والمنافق هو الإنسان الذي باع يقينه بالوهم، وارتضى أن يكون وجهًا بوجهٍ، ولسانًا بلسان، فحياته ازدواجٌ في السلوك، وتناقضٌ في القول والعمل، وسعيٌ بين الناس بالباطل، لا إلى هؤلاء ينتمي ولا إلى هؤلاء.

﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾

هكذا دأب المنافقين، يُحسنون القول وهم عنه أبعد الناس، يزخرفون ألفاظهم حتى يُظنّ أنهم في الصف الأول من المؤمنين، وهم في حقيقتهم أبعد ما يكونون عن الإيمان.

كان عبدالله بن أبيّ سلول يُجيد فنَّ التمثيل أمام الصحابة، فيُثني على أبي بكر في مجلسه، ويذكر فضله، ويُحيي عمر بكلماتٍ عذبةٍ تُظهر المودة، ويمدح عليًا بما يُوهم السامعين أنه من المحبين له، حتى إذا انصرف عنهم، عاد إلى وجهه الحقيقي، وقال لأصحابه: «إذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت!»، فهو في مجلس المؤمنين رجلٌ من الصالحين، وفي مجلس المنافقين سيد أهل الغدر والخداع.

وهكذا هي طبيعة المنافق، يُجيد التلوُّن كما تتلون الحرباء، يتخذ لكل موقف وجهًا، ولكل محفلٍ قناعًا، فإذا أُثني عليه، وظنّ أنه أحكم الخديعة، تبجّح بنفسه، ونظر إلى الناس بعين المحتال الذي يظن أن المكر ذكاء، والغدر حنكة!.

﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾

في الخلوة تسقط الأقنعة، وينكشف المستور، فالخداع لا يدوم إلا بقدر ما تحتمله العيون والأسماع، فإذا جنَّ الليل على المنافقين، وارتحلوا إلى زواياهم المظلمة، خلوا إلى شياطينهم يفضون إليهم بسرائرهم، وينقلبون على أعقابهم.

وشياطينهم في هذا السياق هم الذين يسندون نفاقهم، ويُمدّونهم بأسباب الفتنة، وكانوا في المدينة من اليهود الذين أغرتهم فكرة تفريق صفّ المؤمنين، وإثارة الفتن بينهم، فوجدوا في المنافقين ضالّتهم، ووجد المنافقون فيهم ملاذًا يحتمون به.

فإذا خلت بهم المجالس، قالوا لهم بصريح العبارة: «إنا معكم!»، أي نحن على دينكم، ونحن على عهدكم، وما نظهر من الإيمان إلا استهزاءً وسخريةً بالمؤمنين، نُداهنهم لنأخذ أسرارهم، ونمشي بينهم لنُضعف صفوفهم، ونخدعهم حتى يُحسبونا منهم!.

لكن الحقيقة الغائبة عنهم أن ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾

ألا ما أبأس من كان الله هو المستهزئ به!، وما أشد خسارته يوم ظنَّ أنه قد بلغ المكر غايته، فإذا به ينقلب على نفسه، ويجد أن كل خدعةٍ حاكها لم تكن إلا شَرَكًا وقع فيه!.

سبحانه «يمدهم في طغيانهم يعمهون»، أي يزيدهم إمعانًا في الضلال، ويفتح لهم الأبواب التي ظنوا أن فيها النجاة، فإذا دخلوا، لم يجدوا إلا الهلاك. وكأنهم في هذه الدنيا عُميٌ يتخبطون، لا يهتدون إلى طريق، ولا يدركون أن الفخ الذي نَصبوه لغيرهم، كانوا هم أول من وقع فيه!.

النفاق آفة المجتمعات ومصدر البلاء

وما أشدّ خطر المنافقين على المجتمعات، فهم يُوهمون الناس أنهم مع المؤمنين، ثم يكونون أول من يطعنهم في الظهر، وهم بين الصفوف نارٌ مستترة، تلتهم كل ما حولها دون أن يشعر بها أحد، حتى إذا اشتدت الريح، اشتعلت وأحرقت كل شيء!

ولهذا كانت عقوبتهم عند الله أشد من عقوبة الكافرين، لأن الكافر واضح العداء، لا يختبئ وراء الكلمات المزيّفة، وأما المنافق فهو حرباء تتلون، وسيفٌ مسمومٌ يُغرَس في خاصرة الأمة، ولهذا قال الله عنهم:

«إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» [النساء: 145]

لأنهم كانوا في الدنيا في القاع من الأخلاق، فلم يكن لهم إلا القاع في العذاب، وكانوا في حياتهم مظاهرًا زائفة، فكان لابد أن يكون عقابهم أشدّ من كل من ضلّ وأضلّ.

مساحة إعلانية