رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ بدايات انتشار الإنترنت في العالم العربي، استُخدمت تسميات متعددة للإشارة إلى منصات مثل فيسبوك وإكس وإنستغرام وتيك توك وسناب شات. فأحيانا قيل: «الإعلام الجديد»، وتارة «الإعلام البديل»، ثم استقر الاستخدام الشعبي والإعلامي على مصطلح «وسائل التواصل الاجتماعي» أو «شبكات التواصل الاجتماعي». غير أن هذا الاستقرار اللغوي لا يعني بالضرورة أن المصطلح دقيق أو محايد، بل ربما يخفي وراءه تصورات ثقافية واقتصادية تؤثر في فهمنا لهذه المنصات ووظائفها.
ظهر مفهوم "الشبكة الاجتماعية" (Social Network) أصلًا في علم الاجتماع خلال القرن العشرين لوصف العلاقات الإنسانية الواقعية، مثل الأسرة والأصدقاء والجيران وزملاء العمل، أي شبكة العلاقات التي تمنح الأفراد الدعم والانتماء والتفاعل المجتمعي. لكن مع ظهور المنصات الرقمية، انتقل المصطلح من مجال علم الاجتماع إلى المجال التقني دون مراجعة كافية لمعناه وحدوده. وهكذا أصبحت التطبيقات الرقمية تُوصَف بأنها «شبكات اجتماعية»، رغم أن بنيتها التقنية ووظائفها الاقتصادية تختلف جذريًا عن مفهوم الشبكة الاجتماعية في العلوم الإنسانية.
من "التواصل" إلى "المنصة"
قبل شيوع مصطلح "وسائل التواصل الاجتماعي"، كانت المنصات تُعرَّف بحسب وظائفها التقنية، كالمدونات والمنتديات وخدمات التراسل أو التدوين المصغّر. فعلى سبيل المثال، كان تويتر، قبل تحوله إلى «إكس»، يُعرَّف بوصفه خدمة للتدوين القصير بعدد محدود من الحروف، لا بوصفه شبكة اجتماعية بالمعنى المتداول اليوم. غير أن النجاح العالمي لفيسبوك في أواخر العقد الأول من الألفية أسهم في تعميم فكرة أن هذه التطبيقات تقوم أساسًا على "التواصل" وبناء "المجتمعات الرقمية".
لكن هل ما يزال التواصل هو الوظيفة الأساسية لهذه المنصات؟ يشير الواقع إلى أن كثيرًا من هذه التطبيقات تحولت تدريجيًا من فضاءات للتفاعل بين الأفراد إلى أنظمة معقدة لإدارة الانتباه، وتحليل السلوك الرقمي، وجمع البيانات، وتوجيه المحتوى بواسطة الخوارزميات. فالمستخدم لا يرى دائمًا ما ينشره أصدقاؤه أو محيطه الاجتماعي، بل ما تختاره الخوارزمية وفق اعتبارات ترتبط بالتفاعل والاهتمام والعائد الاقتصادي.
ومن هنا قد يصبح وصف هذه التطبيقات بأنها «وسائل تواصل» وصفًا غير مكتمل؛ لأنها لم تعد أدوات محايدة للتفاعل الإنساني فقط، بل أصبحت جزءًا من اقتصاد رقمي عالمي يقوم على إدارة الانتباه والبيانات.
هل هي فعلًا «اجتماعية»؟
تكمن إحدى الإشكالات الأساسية في كلمة "اجتماعي" نفسها. فالمصطلح العربي، وفق ما يورده معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، يشير إلى "علاقات اجتماعية بين المتكلمين؛ سواء أكانت علاقة أُلْفَة أم علاقة رسمية"، وهو معنى يرتبط بطبيعة العلاقات الإنسانية داخل المجتمع وبُعدها التفاعلي والرمزي.
غير أن استخدام هذا الوصف مع المنصات الرقمية يوحي ضمنًا بأنها تعمل لتعزيز المجال العام أو تقوية الروابط الاجتماعية بصورة طبيعية، بينما الواقع أكثر تعقيدًا. فهذه التطبيقات مملوكة غالبًا لشركات دولية خاصة تعتمد نماذجها الاقتصادية على الإعلانات، وتحليل البيانات، والاستهداف السلوكي. ولذلك فإن كلمة "اجتماعي" هنا لا تشير بالضرورة إلى التضامن أو الرعاية أو المنفعة العامة، بل إلى وجود تفاعل بشري يمكن تحليله واستثماره اقتصاديًا.
أزمة التعريب والنقل المفاهيمي
تشير دراسات عربية عديدة إلى أن ترجمة مصطلحات الإعلام الرقمي من الإنجليزية إلى العربية جرت في كثير من الأحيان بصورة سريعة ومن دون تأصيل معرفي كافٍ. فقد تُرجم مصطلح (Social Media) إلى "وسائل التواصل الاجتماعي"، وإلى "الإعلام الاجتماعي"، كما استُخدمت صيغ أخرى مثل "الوسائط الاجتماعية" و"الشبكات الاجتماعية".
ولا يعكس هذا التعدد بالضرورة ثراءً لغويًا، بقدر ما يكشف غياب اتفاق مفاهيمي واضح حول طبيعة هذه الظاهرة. فالمشكلة لا تكمن في الترجمة بوصفها نقلًا للكلمات، بل في نقل التصورات الفكرية المصاحبة لها. فعندما نستعمل عبارة «وسائل التواصل الاجتماعي»، فإننا نعيد بصورة غير مباشرة إنتاج تصور يرى أن التفاعل الإنساني هو الوظيفة الأساسية لهذه المنصات، في حين أن الأبعاد الاقتصادية والخوارزمية قد تكون أكثر تأثيرًا من التواصل ذاته.
المنصات ليست محايدة بالكامل
غالبًا ما تُقدَّم هذه التطبيقات باعتبارها أدوات مفتوحة للتعبير والتفاعل، إلا أن الواقع المعاصر يكشف أنها تؤثر كذلك في تشكيل الرأي العام، وأنماط الاستهلاك، والسلوك الرقمي، وحتى الصحة النفسية للمستخدمين. فخوارزميات الاقتراح وإعادة النشر والموضوعات الرائجة لا تعمل بطريقة محايدة تمامًا، بل تميل إلى إبراز المحتوى القادر على جذب الانتباه وتحقيق أكبر قدر من التفاعل.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن هذه المنصات ذات أثر سلبي فقط، فقد أسهمت أيضًا في نشر المعرفة، وتعزيز المبادرات المجتمعية، وإبراز المشروعات الثقافية والتعليمية، كما استفادت مؤسسات عديدة من البيئة الرقمية في توسيع الوصول إلى الجمهور وتعزيز المشاركة المجتمعية.
أي بديل لغوي ممكن؟
إذا كان مصطلح «وسائل التواصل الاجتماعي» غير دقيق بصورة كاملة، فإن البدائل المقترحة لا تهدف إلى استبداله فحسب، بل إلى إعادة توصيف الظاهرة بصورة أكثر اتزانًا. فقد يقترح بعض الباحثين استعمال تعبير «المنصات الرقمية» لأنه يركّز على البنية التقنية لهذه التطبيقات دون تحميلها دلالة اجتماعية مسبقة. ويقترح آخرون مصطلح «المنصات الاجتماعية التجارية» لإبراز الطبيعة الاقتصادية لهذه البيئة الرقمية، بينما يذهب اتجاه ثالث إلى استخدام تعبيرات مثل «وسائط التفاعل الرقمي» أو «منصات المحتوى الرقمي» لأنها تصف الوظيفة الاتصالية دون افتراض وجود دور اجتماعي خالص.
وقد تبدو هذه الاختلافات بسيطة من الناحية اللغوية، لكنها في الواقع تعكس اختلافًا في فهم طبيعة الظاهرة نفسها، فاختيار المصطلح ليس عملية حيادية، بل يمثل جزءًا من بناء المعرفة وتوجيه الإدراك العام.
قد يبدو النقاش حول المصطلحات قضية لغوية فرعية، لكنه في الحقيقة يمسّ طريقة فهمنا للعالم الرقمي. فالكلمات لا تصف الواقع فحسب، بل تسهم في تشكيله وإعادة إنتاجه. وعندما نصف هذه المنصات بأنها «شبكات تواصل اجتماعي»، فإننا نمنحها ضمنيًا صورة إيجابية بوصفها فضاءات للتقارب الإنساني، بينما هي في الوقت ذاته أنظمة رقمية اقتصادية وإعلامية معقدة تتجاوز مجرد التواصل، وتهدف إلى إدارة الانتباه والبيانات والسلوك وتحويلهم إلى قيمة تجارية داخل فضاء عالمي شديد التعقيد.
وفي ظل التحول الرقمي العالمي المتسارع، ربما أصبح من الضروري إعادة التفكير في اللغة التي نصف بها هذه المنصات، ليس رفضًا لها، بل سعيًا إلى فهمها بصورة أكثر دقة ووعيًا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- باحث في اللغويات
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10401
| 06 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3300
| 10 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2466
| 08 سبتمبر 2026