رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عمرو سرور

- باحث في اللغويات

مساحة إعلانية

مقالات

165

عمرو سرور

الكلمات وأثرها

20 أغسطس 2026 , 11:42م

تدور حياتنا اليومية حول الكلمات. نستيقظ فنقول: «صباح الخير»، وعلى مدار اليوم نستخدم الكلمات لنطلب، ونشكر، ونعتذر، ونختلف، ونعبّر عن احتياجاتنا ومشاعرنا وأفكارنا. وتشير دراسة حديثة نُشرت عام 2025 في مجلة علمية تسمى "مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي" Journal of Personality and Social Psychology، وشملت 2197 مشاركًا، إلى أن الشخص العادي يتحدث ما بين 12 ألفًا و13 ألف كلمة تقريبًا في اليوم الواحد. كما كشفت الدراسة عن أن عدد الكلمات التي ينطق بها الإنسان يوميًا يختلف باختلاف العمر ومرحلة الحياة، ولا يمثل مقدارًا ثابتًا أو رقمًا موحدًا ينطبق على الجميع.

لكن السؤال الأهم ليس: كم كلمة نقول كل يوم؟ بل: ما الأثر الذي تتركه هذه الكلمات؟

فالكلمة ليست مجرد مجموعة من الأصوات، ولا تنقل معناها المعجمي فقط، وإنما تحمل معها إيحاءات وصورًا ذهنية وقيمًا تتشكل بحسب السياق الذي تُستخدم فيه. وهذا ما يعبر عنه المتخصصون في الدراسات اللسانية بمفهوم الحمولة الدلالية للكلمة. فقد تكون هناك كلمات متعددة لوصف الشيء نفسه، لكن اختيار كلمة بدلًا من أخرى قد يغير الطريقة التي يستقبل بها المتلقي ذلك الشيء.

ولذلك، فإن تغيير الكلمات ليس دائمًا مسألة لغوية محايدة. ففي عام 2002، اقترح الاستراتيجي السياسي الأمريكي فرانك لونتز استخدام تعبير "التغير المناخي" بدلًا من "الاحتباس الحراري" في الخطاب السياسي، معتبرًا أن التعبير الأول أقل إثارة للخوف والقلق لدى الجمهور. وهنا لم يكن الفرق بين المصطلحين مجرد اختلاف في الصياغة، وإنما كان مرتبطًا بالأثر النفسي والدلالي الذي يمكن أن تحدثه الكلمة.

ومن الأمثلة الأكثر وضوحًا على ذلك، الجدل الذي حدث حول توصيف ما يحدث في غزة. فكلمة "الإبادة الجماعية" ليست مجرد وصف لغوي، بل مصطلح يحمل حمولة قانونية وأخلاقية وسياسية بالغة الخطورة. ولذلك شهد الخطاب السياسي والإعلامي في بعض الدول استخدام تعبيرات أخرى مثل «الحرب» و«النزاع» و«العمليات العسكرية» و«الأزمة الإنسانية»، وهي تعبيرات لا تحمل بالضرورة الحمولة القانونية والأخلاقية نفسها التي يحملها مصطلح «الإبادة الجماعية» الذي يعبر بالفعل عما يحدث للشعب الفلسطيني في غزه"..

وهنا لا يتعلق الأمر فقط بصحة المصطلح من الناحية القانونية، وإنما أيضًا بالأثر الذي ينتج عن اختيار مصطلح دون آخر. فقولنا «حرب» يستدعي صورة ذهنية معينة، وقولنا «عملية عسكرية» او «ضربات عسكرية» يستدعي صورا أخرى، بينما يحمل تعبير «إبادة جماعية» حمولة قانونية وأخلاقية مختلفة تمامًا. إن تغيير الكلمة قد لا يغير الحدث نفسه، لكنه قد يغير الطريقة التي يفهم بها المتلقي الحدث.

لكن التأثير لا يحدث فقط عندما نستبدل كلمة بأخرى؛ بل يحدث أيضًا عندما نضع كلمة بجوار كلمات أخرى بصورة متكررة.

فمصطلح "المهاجرين"، على سبيل المثال، قد يُذكر في بعض الخطابات الإعلامية والسياسية إلى جانب كلمات مثل «الجريمة»، و«العنف»، و«التهديد»، و«الأزمة». ومع تكرار هذا الاقتران، تبدأ هذه المفردات في تشكيل صورة ذهنية حول المصطلح نفسه. وقد أظهرت دراسات في تحليل الخطاب الإعلامي أن بعض التغطيات الإخبارية تربط بين الهجرة والجريمة، رغم أن الأدلة التجريبية لا تدعم بصورة عامة الاعتقاد بأن المهاجرين أكثر ميلًا عن غيرهم إلى ارتكاب الجرائم.

والأمر نفسه يمكن أن يحدث مع هويات ومجموعات أخرى عندما تُربط بصورة متكررة بمفردات معينة. فقد تُستخدم كلمات مثل «التقدم» و«التطور» و«الحداثة» في سياقات تجعل بعض المجتمعات أو الهويات تبدو مرتبطة بالتقدم، بينما تُستخدم في المقابل كلمات مثل «التخلف» و«الفقر» و«الفوضى» لوصف مجتمعات أو هويات أخرى. ومع كثرة التكرار، لا تعود الكلمة مجرد وصف، بل تصبح جزءًا من صورة ذهنية متكاملة.

وهنا تظهر قوة الحمولة الدلالية. فالكلمة لا تعمل منفردة، وإنما تعيش داخل شبكة من الكلمات والمعاني. وإذا تكررت كلمة في سياق يرتبط بالخوف والتهديد، فقد تبدأ في استدعاء هذه المعاني لدى المتلقي حتى قبل أن يعرف تفاصيل الموضوع. وبالمقابل، يمكن أن تُحاط الكلمة نفسها بمفردات إيجابية، فتتكون حولها صورة مختلفة تمامًا.

وهذا يعني أن اللغة لا تكتفي بوصف الواقع، بل يمكنها أن تؤثر في الطريقة التي نرى بها الواقع. قد يبقى الحدث نفسه دون تغيير، لكن الكلمات المستخدمة لوصفه قد تجعلنا نراه باعتباره أزمة، أو فرصة، أو تهديدًا، أو تحديًا، أو حتى إنجازًا.

ولذلك فإن الوعي باللغة لا يعني معرفة قواعدها ومفرداتها فحسب، بل يعني أيضًا إدراك الحمولة الدلالية للكلمات، والانتباه إلى ما تحمله من إيحاءات، وإلى الكلمات التي تُقرن بها بصورة متكررة، وإلى الصورة التي يمكن أن تنتج عن هذا الاقتران.

ولعل أخطر ما في الكلمات أن أثرها لا يتوقف عند لحظة نطقها. فكلمة تشجيع قد تمنح إنسانًا ثقة، وكلمة قاسية قد تبقى في ذاكرته سنوات. وكلمة تتكرر في الإعلام أو السياسة قد تساهم، مع الوقت، في تشكيل صورة جماعية عن قضية أو فئة أو مجتمع.

نحن ننطق آلاف الكلمات كل يوم، لكننا لا نعرف دائمًا أين تذهب هذه الكلمات بعد أن نلفظها. بعضها يمر وينتهي، وبعضها يبقى في ذاكرة الآخرين، وبعضها قد يتحول، مع التكرار، إلى فكرة أو موقف أو صورة ذهنية.

ولهذا، فإن مسؤوليتنا تجاه الكلمات لا تبدأ عند نطقها، بل تبدأ قبل ذلك، عند اختيارها. فكل كلمة نحملها إلى الآخر تحمل معها معنى، وإيحاءً، وصورة، وأثرًا قد لا نراه في اللحظة التي ننطقها فيها.

فالكلمات قد تنتهي بانتهاء الكلام، لكن أثرها قد يبقى طويلًا بعد أن نصمت.

اقرأ المزيد

مساحة إعلانية