رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

السفير راجح حسين بادي

* سفير الجمهورية اليمنية بالدوحة

مساحة إعلانية

مقالات

1089

السفير راجح حسين بادي

قائد غير وجه قطر

18 يوليو 2026 , 11:32م

شكَّل رحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني لحظة حزن عميقة تجاوزت حدود دولة قطر، لتمتد أصداؤها إلى العالمين العربي والإسلامي، حيث استُقبل نبأ وفاته بكثير من التأثر والاستذكار.

هذا الحزن والحداد الواسع عكس طبيعة وحجم الموقع الذي شغله الرجل في الوجدان العربي، بعد مسيرة طويلة ارتبطت بتحولات كبرى شهدتها قطر، وبأدوار إقليمية تركت أثرا واضحا في محيطها.

نعم، فعندما تتجاوز مشاعر التقدير حدود الدولة إلى الشعوب، فإن ذلك يدل على أن صاحبها قد استطاع أن يمنح بلاده حضورا يتجاوز حجمها الجغرافي والديموغرافي. ولهذا بدا الحزن على رحيله استذكارا لمرحلة كاملة، أكثر منه رثاء لزعيم غادر الحياة.

منذ تولي الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، مقاليد الحكم في منتصف تسعينيات القرن الماضي، دخلت قطر مرحلة مختلفة في رؤيتها للدولة والتنمية، فقد أدرك الفقيد حينها أن الثروة الطبيعية، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لصناعة المستقبل، وأن حسن الإدارة هو الذي يحول الموارد إلى قوة مستدامة.

ومن هذا المنطلق، وُضعت في قطر تحت رعايته وإشرافه أسس مشروع تنموي طويل المدى اعتمد على الاستثمار في الإنسان، وتحديث مؤسسات الدولة، وتنويع الاقتصاد، وتعزيز البنية التحتية، والانفتاح على العالم.

وخلال سنوات قليلة، تحولت قطر إلى واحدة من أبرز التجارب التنموية في المنطقة، وأصبح اقتصادها من بين الأقوى والأكثر قدرة على المنافسة، بينما شهدت الدولة نهضة عمرانية وتعليمية وصحية مثيرة للإعجاب.

ولم يكن ذلك بالطبع وليد الصدفة أو جاء هكذا بضربة حظ، وإنما كان ثمرة لرؤية إستراتيجية استشرفت المستقبل مبكرا، وربطت التنمية بالاستقرار، والاستثمار ببناء الإنسان.

وشخصيا على امتداد الأعوام التي عشت فيها في دولة قطر، كنت أسمع من كثير من المواطنين حديثا يتكرر عن الأمير الوالد، باعتباره صاحب التحول الأكبر في حياتهم.

فقد كانوا يشاهدون كيف تبدلت أوضاع المجتمع، وكيف اتسعت فرص التعليم والعمل والرعاية، حتى غدا لقب "دفّان الفقر" الذي أطلقه عليه كثيرون تعبيرا صادقا عن الأثر الاجتماعي العميق الذي تركته سياساته التنموية في حياة المواطنين.

ومهما اختلفت زوايا النظر إلى التجارب السياسية، فإن مثل هذه الألقاب لا تمنح عادة إلا عندما يلامس أثر السياسات حياة الناس بصورة مباشرة.

أما على المستوى الإقليمي والدولي، فقد شهدت السياسة الخارجية القطرية في عهده تحولا لافتا، إذ رسخت الدبلوماسية القطرية حضورها كفاعل مؤثر في عدد من الملفات العربية والدولية.

وهذا الحضور لم يكن بالطبع قائما على النفوذ المادي وحده، وإنما ثمرة لرؤية وحكمة استطاعت أن توظف الحوار والوساطة والدبلوماسية الهادئة في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة.

فقد لعبت قطر أدوارا بارزة في جهود تسوية عدد من الأزمات في المنطقة مثل الأزمتين اللبنانية والسودانية، والملف الفلسطيني، فضلا عن حضورها في ملفات إنسانية وسياسية أخرى، الأمر الذي جعلها طرفا يحظى بثقة كثير من القوى الإقليمية والدولية عند البحث عن مخارج للأزمات المعقدة.

وفي بلادنا اليمن، ارتبط اسم دولة قطر في عهد الشيخ حمد بمواقف سياسية وإنسانية لا تزال حاضرة في ذاكرة اليمنيين.

فقد دعمت الدوحة وحدة اليمن واستقراره، وأسهمت في مشاريع تنموية وإنسانية تركت أثرا ملموسا في عدد من المحافظات، كما احتفظت بعلاقات إيجابية مع مختلف الأطراف في مراحل متعددة.

وأستعيد هنا زيارة الأمير الوالد إلى العاصمة صنعاء عام 2010، في مرحلة كانت البلاد تواجه فيها تحديات داخلية معقدة وظهور دعوات انفصالية في جنوب اليمن، ويومها أكد بوضوح أهمية الحفاظ على وحدة اليمن، ودعا اليمنيين إلى تغليب الحوار والعمل المشترك وصون الدولة من الانقسام، وهو موقف يعكس قناعة ثابتة بأن استقرار اليمن يمثل ركيزة مهمة لاستقرار المنطقة بأسرها.

لقد رحل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لكن الدرس الذي نستلهمه من هذا الحدث هو أن التجارب الكبيرة لا تنتهي برحيل أصحابها.

فالتاريخ لا يتوقف في اليوم الذي يغادر فيه رجل الدولة منصبه، بل يذهب لتخليد كل ما يُترك للأجيال من مؤسسات ورؤى وأثر.

ومن هذه الزاوية، فإن الأمير الوالد ترك إرثا خالدا سيظل حاضرا في مسيرة قطر الحديثة، وفي ذاكرة كثير من العرب الذين رأوا في تجربته نموذجا لقائد آمن بأن بناء الدولة يبدأ بالإنسان، وأن المكانة الدولية تصنع بُحسن الإدارة، وبُعد النظر، والقدرة على تحويل الإمكانات إلى إنجازات.

اقرأ المزيد

لغتنا الخالدة والذكاء الرشيد لغتنا الخالدة والذكاء الرشيد

ليست أخطر الخسائر أن تضعف لغة أمة، وإنما أن يضعف العقل الذي يحملها. فاللغة لا تموت حين تقل... اقرأ المزيد

51

| 24 يوليو 2026

خرافة التنوير.. الحداثة وما بعدها وتشويه الفكر الإنساني خرافة التنوير.. الحداثة وما بعدها وتشويه الفكر الإنساني

المشهد الفكري والاجتماعي للمجتمع الإنساني، بكل أجناسه وملله ونحله، عبارة عن لوحة لفوضى عارمة تتشكل من انهيار قيمي،... اقرأ المزيد

42

| 24 يوليو 2026

من الدوحة إلى نيوجرسي.. ومن الأرجنتين إلى ميسي من الدوحة إلى نيوجرسي.. ومن الأرجنتين إلى ميسي

حين أطلق الحكم صافرة النهاية معلناً انتهاء ملحمة كأس العالم 2026 في نيوجرسي، لم تكن تلك اللحظة مجرد... اقرأ المزيد

78

| 23 يوليو 2026

مساحة إعلانية