رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في كل عام يستجيب المسلمون في كل أصقاع الأرض لدعوة أبيهم إبراهيم عليه السلام، حين رفع وابنه إسماعيل عليهما السلام قواعد البيت وأذّن في الناس فظلت دعوته تتردد على مدار العصور عابرة أقطار الأرض وأصقاعها البعيدة ليأتي الناس من كل فج عميق ملبين مهللين يدفعهم الشوق والحنين، والرجاء والدموع، وألسنتهم تصدح (لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك. لبيك اللهم لبيك. قال تعالى:"وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق. ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير. ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق.(الحج الآية: 27)
والسؤال الكبير الذي يطرح نفسه هو: ما معنى الحج وما دلالاته؟
هذه السطور هي محاولة للإجابة على هذا السؤال المهم.
الحج ركن من أركان الإسلام الخمسة، وهو عبادة عظيمة يتقرب بها المسلمون إلى ربهم حين يقصدون بيته الحرام في مكة المكرمة محرمين متحررين من المخيط ومن بهارج الدنيا وزخارفها وهمومها ومشاغلها متطلعين إليه بالتضرع والدعاء، والأمل والرجاء سائلينه أن يقبل توبتهم ويغفر ذنوبهم ويدخلهم في عباده الصالحين، ويشملهم بفيض نوره وحبه، وهو أمل جميع المسلمين في شتى أنحاء الأرض على امتداد الأجيال ومدار السنين. وهكذا يقصد المسلمون البيت العتيق ليؤدون مناسك الحج وأركانه بحب يفيض من قلوبهم ومشاعرهم، وإخلاص كامل لربهم مستحضرين عبق التاريخ وذكريات الأمس، ملتمسين ومشاهدين عن كثب أهم مشاهده على الأرض المقدسة المباركة.
يبدأ الحجيج رحلتهم وقد تحرروا من المخيط ومن بهارج الدنيا وزينتها وومشاغلها وهمومها، منطلقين من سجن الغرائز والأهواء والشهوات، ومن عالم الغفلة والأطماع، والمصالح المتضاربة والصراع. إلى عالم الحرية الحقيقية، فلا سلطة ولا جاه، ولا مال ولا ذهب، ولا صاحبة ولا ولد، يمكن أن تمس قلوبهم أو تشغل بال الواحد منهم عن حب الله – عز وجل – وحب رسوله الكريم صلوات الله وسلامه عليه.
تتذكر جموع الحجيج في هذا الموقف العظيم
وهم محرمون ومتجردون من أزياء الدنيا وهمومها يوم الحشر الأعظم الذي يلي بعث الأموات من القبور. فهاهم في موقف رهيب وقد جاءوا من كل حدب وصوب ليقوموا لرب العالمين متجردين من الدنيا متخلين عن مناصبهم ومواقعهم في الحياة فلا وزير ولا غفير ولا غني ولا فقير ولا أبيض ولا أسود.. ولا رفث ولا صخب، ولا جدال ولا فسوق ولا تشاحن ولا تباغض ولا تدافع ولا اهتمام بالبدن بل.. القلوب معلقة بخالقها والأبصار شاخصة إليه والأكف مرتفعة بالتضرع والدعاء، والأرواح تسمو وترتقي إلى السماء، وكل أتوه خاشعين مؤملين أن يقبل توبتهم ويعفو عن سيئاتهم قبل أن يحين الأجل أو تفوت الفرصة.
الإسلام دين يعزز الجماعة ويقويها ويدعم روحها وكل فرائضه وأركانه الخمسة تعمل في هذا السياق لتوحيد المسلمين ولم شملهم وإنجاز التكافل والتواد والتراحم بينهم وتأكيد قيم الحب والأمن والسلام لهم ولمن حولهم فكما أن الصلاة صلة بين العبد وربه فهي كذلك صلة بين الإنسان المسلم وأخيه وهي في جوهرها دعوة لوحدة الصف والهدف والعقيدة. والحج في كل مناسكه مجسد لهذا المعنى فحين تجتمع جماهير الحجيج متحررة من القيود في مؤتمر سنوي عام. تلتقي فيه على كلمة التوحيد لتعلن حبها الكبيرلخالقها وتمسكها بالإسلام عقيدة وشريعة ورفضها البات والقاطع لكل صور وأشكال العبودية لغير الله. واستعدادها لمقاومة الظلم والظلام وكل قوى الاستكبار والاستغلال في الأرض. وهي حين تفعل ذلك تعلن بلا تردد ولا خفاء أن الأمة الإسلامية أمة واحدة ربها واحد ودينها واحد وجسدها واحد مطبقة قول خالقها عز وجل (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) (الأنبياء:21)
وحين يطوف الحاج بالبيت العتيق فإنه يؤكد تمسكه بالإسلام دينا ومنهجا، سلوكا ومسارا. كما يؤكد اتساقه مع حركة كل المخلوقات من الذرة الصغيرة إلى الجرم الكبير في دورانها حول الواحد الأحد. والطواف في نهاية الأمر ليس إلا صورة من صور التسبيح. وضربا من ضروب الصلاة وشكلا من أشكال الخضوع لله الواحد الأحد. الفرد الصمد. وكما قال الحبيب صلى الله عليه وسلم فإن الطواف كالصلاة إلا أن الصلاة لا كلام فيها قال صلى الله عليه وسلم: الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير) والبيت العتيق كما قال ابن الزبير سمي بالعتيق لأن الله سبحانه وتعالى أعتقه من الجبابرة(تفسير الطبري المجلد التاسع الجزء 17 ص 107) وعلى هذا النحو ولموقعه ومكانته فهو رمز لحرية الإنسان وتحرره من كافة أشكال وصور العبودية وحين يطوف الحجيج به فإنهم يعلنون تمسكهم بالحرية وبكلمة التوحيد.
الحج تحرير للإنسان من كل صور الاستلاب والاغتراب، ومن كل صور وأشكال الأنانية والفردية. وكل صور وأشكال السوبرمانية والعدمية. والعبثية والداروينية الاجتماعية وكل صور وأشكال الفلسفات المادية التي جعلت من بعض الناس سادة ومن بعضهم الآخر عبيدا يعانون مرارة الإقصاء والتهميش. والإذلال والإفقار. فكل الناس سواسية كأسنان المشط وكلهم لآدم وآدم من تراب ومشهد الحج الأكبر يؤكد هذه المعاني حين ترتفع اصوات الحجيج بالتلبية والذكر لتتردد في الفضاء مسافرة في أقطار السموات والأرض حاملة استجابتهم لدعوة أبيهم إبراهيم عليه السلام مؤكدين حرية الإنسان في كل مكان وزمان من كل صور وأشكال الاستغلال والعبودية. فعبودية الإنسان تنفي بتاتا أن يكون خضوع المخلوق لغير خالقه. فالله مصدر كل خير ونعمة والإنسان هو القيمة النهائية في الوجود قال تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) (الحجرات الآية 13).
في مشهد الحج الأكبر يتذكر جموع الحجيج تاريخ أمتهم المجيد وتتجه العقول والأفئدة إليه فيتأمل الجميع رحلة أبيهم إبراهيم عليه السلام وأمهم هاجر إلى الصحراء القاحلة العارية من الخضرة والنبات والخالية من الماء والزاد. وكيف قاوما كل محاولات الشيطان اللعين وصدعا لأمر ربهما متحررين من كل ميل وهوى منفذين أمر الله جل وعلا – فانتصر حب الله فيهما على ما سواه وذهبت محاولات الشيطان جميعها أدراج الرياح وهاهي الجموع ترمي بالحصيات عدوها وعدو إبراهيم وآدم عليهما السلام في أرض منى مؤكدة أن جهاد النفس هو الجهاد الأكبر وأن حفظ الدين وحماية الحرمات والمقدسات مقدم على أي حب آخر مهما كان إغواء الشيطان ومهما كانت المغريات.
لقد كان إنفاذ إبراهيم عليه السلام لرؤيته بشأن ابنه إسماعيل عليه السلام تأكيدا لعبوديته الكاملة والخالصة لخالقه وفيه من الدروس والعبر
على جبل عرفات الطاهر المبارك وعلى صعيده المعطر حيث وقف الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه والصالحون والمهتدون بنور الله. تكون معرفة الله سنام كل معرفة وأساس كل قيمة ويكون حب الله فوق كل حب ولا غرو في ذلك فمعرفة الله هي المعرفة الأكمل والأجمل والأجدر وفوق أديم ترابه وعلى رباه وقممه تكون المناجاة الخالصة والمباشرة بين الإنسان وخالقه. وتكون الصلة المستمرة فيتوجه الحاج بقلبه وعقله ووجدانه نحو خالقه وترتفع الدعوات المبللة بالرجاء والدموع إلى عنان السماء راجية القبول والمغفرة. ويحفر الحاج في قلبه وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدماء والنساء والأموال فلا يظلم امرأة ولايسفك دما ولا يسرق مالا.
وفي المشعر الحرام تتنامى في وجدانه كل مشاعر الحب والخير إزاء ربه ويضيء في قلبه نور الله فلا يلتفت إلى همسات الشيطان ولا تقهره الغرائز والاهواء.
وهكذا يعود الحاج كما ولدته أمه.. ميلاد جديد بلا ذنوب ولا خطايا وإنسان جديد محب للخير قلبه أخضر ويده بيضاء مستحضرا دائما درس الحج ومعناه ودلالاته.. إنسان جديد لا يحقد ولا يكره. ولا يبطش ولا يفحش. ولايقتل ولايعتدي. بل يمد يده بالخير والعطاء والمودة والسخاء لإخوته ولسائر الناس مؤمنا بأن الحب والسلام والتسامح مفاتيح البقاء والاستمرار فوق الأرض
النظام في إيران بين خطاب التبرير وسياسات التصعيد
دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التوتر الأمني مع اتساع رقعة الحرب التي اندلعت في 28 فبراير... اقرأ المزيد
363
| 17 مارس 2026
وداعاً أيها الراقي المتميز
يوم الأحد الماضي وردنا خبر وفاة مذيع قناة الجزيرة المتألق الراحل جمال ريان، رحمه الله وغفر له، والذي... اقرأ المزيد
432
| 17 مارس 2026
رمضان ليس موسماً للتسول
يأتي شهر رمضان كل عام محملًا بقيم الرحمة والتكافل الاجتماعي، وهو شهر تتضاعف فيه أعمال الخير، ويحرص الناس... اقرأ المزيد
141
| 17 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1512
| 11 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1266
| 11 مارس 2026
أولاً: تمهيد - الضجيج الرقمي ومفارقة المواقف في كل أزمة إقليمية تتجدد ظاهرة فكرية وسياسية لافتة في الفضاء العربي، وهي سرعة تشكّل موجات واسعة من الخطاب العاطفي في وسائل التواصل الاجتماعي، تتجاوز أحياناً الحقائق الميدانية والتوازنات الواقعية. وقد ظهرت هذه الظاهرة بوضوح في النقاشات التي رافقت التوترات بين إيران ودول الخليج، حيث امتلأت منصات التواصل بآراء تدافع عن أي عمل عسكري إيراني محتمل ضد دول الخليج بحجة وجود قواعد عسكرية أمريكية فيها. هذا الخطاب، رغم اتساعه، يكشف إشكالية عميقة في طريقة تفكير جزء من العقل العربي المعاصر، إذ يختزل تعقيدات الجغرافيا السياسية في ثنائية تبسيطية تقوم على قاعدة: “كل ما يواجه الولايات المتحدة أو إسرائيل هو بالضرورة موقف مشروع.” وبهذا المنطق يتم تجاهل حقائق تتعلق بسلوك إيران، أو بطبيعة العلاقات الدفاعية بين دول الخليج والولايات المتحدة، المشكلة هنا ليست في انتقاد السياسات الأمريكية أو الإسرائيلية، فهذا حق سياسي وفكري مشروع، بل في تحول هذا الانتقاد إلى عدسة وحيدة يُنظر من خلالها إلى كل أحداث المنطقة، بحيث يصبح أي صراع إقليمي مجرد انعكاس للصراع مع واشنطن وتل أبيب، بينما يتم تجاهل مصالح الدول العربية نفسها وحقها في حماية أمنها. ثانياً: حقيقة الموقف الخليجي من الحرب في المنطقة خلافاً للصورة التي يروج لها فإن دول الخليج تبنت موقفاً ثابتاً يدعو إلى خفض التصعيد في المنطقة. وظهر هذا بوضوح في عدة محطات دبلوماسية، منها وساطات سلطنة عُمان في الملف النووي الإيراني، والجهود القطرية والكويتية لتخفيف التوتر الإقليمي، كما أن دول الخليج كانت من أكثر الأطراف إدراكاً لخطورة أي حرب واسعة في المنطقة، لأن الخليج هو أول من سيدفع ثمنها اقتصادياً وأمنياً وإنسانياً. ثالثاً: طبيعة الاتفاقيات الأمنية مع الولايات المتحدة من القضايا التي يتم تداولها بكثرة في النقاشات الرقمية فكرة أن وجود قواعد أمريكية في الخليج يبرر استهداف دول الخليج. وهذه الفكرة تتجاهل جملة من الحقائق القانونية والاستراتيجية. أولاً: إن الاتفاقيات الأمنية بين دول الخليج والولايات المتحدة هي اتفاقيات دفاعية، تقوم على مبدأ التعاون العسكري والتدريب المشترك وحماية الملاحة والطاقة، وهي اتفاقيات معلنة وشرعية في القانون الدولي. ثانياً: إن إقامة قواعد أو تسهيلات عسكرية مع دولة كبرى ليس أمراً استثنائياً، بل هو سلوك شائع في النظام الدولي. فإيران نفسها ترتبط بعلاقات عسكرية واستراتيجية وثيقة مع روسيا والصين، وتشمل هذه العلاقات التعاون في مجالات التسليح والتدريب والتكنولوجيا العسكرية. وبالتالي فإن حق بناء التحالفات الاستراتيجية هو حق سيادي لكل دولة في العالم. ثالثاً: الواقع العسكري خلال الأزمات الأخيرة يشير إلى أن الهجمات التي استهدفت إيران – عندما حدثت – لم تنطلق من قواعد خليجية، بل اعتمدت أساساً على: - الطائرات بعيدة المدى. - حاملات الطائرات البحرية. - الغواصات. - القواعد العسكرية الأمريكية خارج الخليج. وهو ما يجعل الادعاء بأن القواعد الموجودة في الخليج استخدمت لشن عمليات عسكرية ضد إيران ادعاءً يفتقر إلى الأدلة الميدانية. رابعاً: إيران وسجل التدخل في المنطقة العربية النقاش الموضوعي حول التوترات الإقليمية لا يمكن أن يتجاهل حقيقة أن إيران لعبت خلال العقود الأخيرة دوراً واسعاً في عدد من الساحات العربية. فقد ارتبط اسم إيران بملفات عديدة في المنطقة، من بينها: - دعم جماعات مسلحة في بعض الدول العربية. - التدخل في الصراعات الداخلية في العراق وسوريا واليمن ولبنان. - التوترات الأمنية في الخليج خلال الثمانينيات. - الهجمات التي طالت منشآت نفطية ومدنية في بعض الدول الخليجية. وهذا السجل لا يعني بالضرورة أن إيران هي المسؤول الوحيد عن أزمات المنطقة، لكنه يعني أن الصورة أكثر تعقيداً من السردية التي تصور إيران كقوة مقاومة فقط، بينما يتم تجاهل تأثير سياساتها الإقليمية على الأمن العربي. خامساً: عقدة التدخل الأمريكي في الوعي العربي لفهم المواقف العاطفية التي ظهرت في وسائل التواصل الاجتماعي، يجب العودة إلى الخلفية الفكرية التي تشكلت في العقل العربي خلال العقود الماضية. لقد تركت سياسات الولايات المتحدة في المنطقة – خصوصاً دعمها لإسرائيل أو تدخلها العسكري في العراق – أثراً عميقاً من عدم الثقة والغضب لدى كثير من الشعوب العربية. وهذا الغضب مفهوم من الناحية التاريخية، لكنه تحول لدى بعض التيارات الفكرية إلى عقدة تفسيرية شاملة، بحيث أصبحت كل أحداث المنطقة تُفسَّر من زاوية واحدة هي "المؤامرة الأمريكية أو الإسرائيلية". وبسبب هذه العدسة الأحادية أصبح من السهل لدى بعض الخطابات تبرير أي فعل يقوم به طرف آخر، طالما أنه يُقدَّم باعتباره خصماً لواشنطن أو تل أبيب. سادساً: المقارنة التاريخية مع غزو الكويت هذه الظاهرة ليست جديدة في الفكر السياسي العربي، بل ظهرت بوضوح خلال أزمة غزو العراق للكويت عام 1990. ففي تلك الفترة انقسم الرأي العام العربي بين من اعتبر الغزو عدواناً واضحاً على دولة عربية مستقلة، وبين من برره أو تعاطف معه بدعوى مواجهة النفوذ الأمريكي أو إعادة توزيع الثروة النفطية. وقد أدى هذا الانقسام إلى خلل أخلاقي وسياسي في تقييم الحدث، لأن مسألة سيادة الدول وحرمة الحدود الدولية تم تهميشها لصالح شعارات أيديولوجية. اليوم تتكرر بعض ملامح هذا المشهد في النقاشات حول التوترات الخليجية – الإيرانية، حيث يتم أحياناً تجاهل حق دول الخليج في الأمن والاستقرار لمجرد أنها ترتبط بعلاقات دفاعية مع الولايات المتحدة. سابعاً: مسؤولية المثقفين والنخب الفكرية المشكلة لا تقتصر على الجمهور العام، بل تمتد أحياناً إلى بعض النخب الفكرية والإعلامية التي تتبنى خطاباً تبسيطياً في تحليل الصراعات. فالمثقف – بحكم دوره المعرفي – يفترض أن يقدم قراءة متوازنة للأحداث، تقوم على: - احترام سيادة الدول. - تحليل الوقائع الميدانية. - التمييز بين الصراع مع إسرائيل أو الولايات المتحدة وبين الصراعات داخل المنطقة. لكن حين يتحول المثقف نفسه إلى جزء من خطاب تعبوي عاطفي، فإن ذلك يساهم في تعميق الانقسام الفكري وتشويش الوعي العام. خاتمة: نحو عقل عربي أكثر توازناً إن نقد السياسات الأمريكية أو الإسرائيلية أمر مشروع، بل هو جزء من النقاش السياسي الطبيعي في المنطقة. لكن هذا النقد لا ينبغي أن يتحول إلى تبرير تلقائي لأي طرف آخر أو إلى تجاهل حقوق الدول العربية في الأمن والسيادة. فدول الخليج - مثلها مثل أي دولة في العالم – من حقها أن تبني تحالفات دفاعية لحماية مصالحها، كما أن من حقها أن تسعى لتجنيب منطقتها الحروب والصراعات. والتحدي الحقيقي أمام العقل العربي اليوم هو الانتقال من التفكير الأيديولوجي الانفعالي إلى التفكير الاستراتيجي الواقعي، الذي يوازن بين المبادئ والوقائع، ويحافظ في الوقت نفسه على استقلالية القرار العربي ومصالح شعوبه. فمن دون هذا التحول سيظل النقاش العام أسيراً للانفعالات والشعارات، بينما تبقى حقائق الجغرافيا السياسية أكثر تعقيداً بكثير مما تسمح به منشورات وسائل التواصل الاجتماعي.
1095
| 11 مارس 2026