رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في كل عام يستجيب المسلمون في كل أصقاع الأرض لدعوة أبيهم إبراهيم عليه السلام، حين رفع وابنه إسماعيل عليهما السلام قواعد البيت وأذّن في الناس فظلت دعوته تتردد على مدار العصور عابرة أقطار الأرض وأصقاعها البعيدة ليأتي الناس من كل فج عميق ملبين مهللين يدفعهم الشوق والحنين، والرجاء والدموع، وألسنتهم تصدح (لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك. لبيك اللهم لبيك. قال تعالى:"وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق. ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير. ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق.(الحج الآية: 27)
والسؤال الكبير الذي يطرح نفسه هو: ما معنى الحج وما دلالاته؟
هذه السطور هي محاولة للإجابة على هذا السؤال المهم.
الحج ركن من أركان الإسلام الخمسة، وهو عبادة عظيمة يتقرب بها المسلمون إلى ربهم حين يقصدون بيته الحرام في مكة المكرمة محرمين متحررين من المخيط ومن بهارج الدنيا وزخارفها وهمومها ومشاغلها متطلعين إليه بالتضرع والدعاء، والأمل والرجاء سائلينه أن يقبل توبتهم ويغفر ذنوبهم ويدخلهم في عباده الصالحين، ويشملهم بفيض نوره وحبه، وهو أمل جميع المسلمين في شتى أنحاء الأرض على امتداد الأجيال ومدار السنين. وهكذا يقصد المسلمون البيت العتيق ليؤدون مناسك الحج وأركانه بحب يفيض من قلوبهم ومشاعرهم، وإخلاص كامل لربهم مستحضرين عبق التاريخ وذكريات الأمس، ملتمسين ومشاهدين عن كثب أهم مشاهده على الأرض المقدسة المباركة.
يبدأ الحجيج رحلتهم وقد تحرروا من المخيط ومن بهارج الدنيا وزينتها وومشاغلها وهمومها، منطلقين من سجن الغرائز والأهواء والشهوات، ومن عالم الغفلة والأطماع، والمصالح المتضاربة والصراع. إلى عالم الحرية الحقيقية، فلا سلطة ولا جاه، ولا مال ولا ذهب، ولا صاحبة ولا ولد، يمكن أن تمس قلوبهم أو تشغل بال الواحد منهم عن حب الله – عز وجل – وحب رسوله الكريم صلوات الله وسلامه عليه.
تتذكر جموع الحجيج في هذا الموقف العظيم
وهم محرمون ومتجردون من أزياء الدنيا وهمومها يوم الحشر الأعظم الذي يلي بعث الأموات من القبور. فهاهم في موقف رهيب وقد جاءوا من كل حدب وصوب ليقوموا لرب العالمين متجردين من الدنيا متخلين عن مناصبهم ومواقعهم في الحياة فلا وزير ولا غفير ولا غني ولا فقير ولا أبيض ولا أسود.. ولا رفث ولا صخب، ولا جدال ولا فسوق ولا تشاحن ولا تباغض ولا تدافع ولا اهتمام بالبدن بل.. القلوب معلقة بخالقها والأبصار شاخصة إليه والأكف مرتفعة بالتضرع والدعاء، والأرواح تسمو وترتقي إلى السماء، وكل أتوه خاشعين مؤملين أن يقبل توبتهم ويعفو عن سيئاتهم قبل أن يحين الأجل أو تفوت الفرصة.
الإسلام دين يعزز الجماعة ويقويها ويدعم روحها وكل فرائضه وأركانه الخمسة تعمل في هذا السياق لتوحيد المسلمين ولم شملهم وإنجاز التكافل والتواد والتراحم بينهم وتأكيد قيم الحب والأمن والسلام لهم ولمن حولهم فكما أن الصلاة صلة بين العبد وربه فهي كذلك صلة بين الإنسان المسلم وأخيه وهي في جوهرها دعوة لوحدة الصف والهدف والعقيدة. والحج في كل مناسكه مجسد لهذا المعنى فحين تجتمع جماهير الحجيج متحررة من القيود في مؤتمر سنوي عام. تلتقي فيه على كلمة التوحيد لتعلن حبها الكبيرلخالقها وتمسكها بالإسلام عقيدة وشريعة ورفضها البات والقاطع لكل صور وأشكال العبودية لغير الله. واستعدادها لمقاومة الظلم والظلام وكل قوى الاستكبار والاستغلال في الأرض. وهي حين تفعل ذلك تعلن بلا تردد ولا خفاء أن الأمة الإسلامية أمة واحدة ربها واحد ودينها واحد وجسدها واحد مطبقة قول خالقها عز وجل (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) (الأنبياء:21)
وحين يطوف الحاج بالبيت العتيق فإنه يؤكد تمسكه بالإسلام دينا ومنهجا، سلوكا ومسارا. كما يؤكد اتساقه مع حركة كل المخلوقات من الذرة الصغيرة إلى الجرم الكبير في دورانها حول الواحد الأحد. والطواف في نهاية الأمر ليس إلا صورة من صور التسبيح. وضربا من ضروب الصلاة وشكلا من أشكال الخضوع لله الواحد الأحد. الفرد الصمد. وكما قال الحبيب صلى الله عليه وسلم فإن الطواف كالصلاة إلا أن الصلاة لا كلام فيها قال صلى الله عليه وسلم: الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير) والبيت العتيق كما قال ابن الزبير سمي بالعتيق لأن الله سبحانه وتعالى أعتقه من الجبابرة(تفسير الطبري المجلد التاسع الجزء 17 ص 107) وعلى هذا النحو ولموقعه ومكانته فهو رمز لحرية الإنسان وتحرره من كافة أشكال وصور العبودية وحين يطوف الحجيج به فإنهم يعلنون تمسكهم بالحرية وبكلمة التوحيد.
الحج تحرير للإنسان من كل صور الاستلاب والاغتراب، ومن كل صور وأشكال الأنانية والفردية. وكل صور وأشكال السوبرمانية والعدمية. والعبثية والداروينية الاجتماعية وكل صور وأشكال الفلسفات المادية التي جعلت من بعض الناس سادة ومن بعضهم الآخر عبيدا يعانون مرارة الإقصاء والتهميش. والإذلال والإفقار. فكل الناس سواسية كأسنان المشط وكلهم لآدم وآدم من تراب ومشهد الحج الأكبر يؤكد هذه المعاني حين ترتفع اصوات الحجيج بالتلبية والذكر لتتردد في الفضاء مسافرة في أقطار السموات والأرض حاملة استجابتهم لدعوة أبيهم إبراهيم عليه السلام مؤكدين حرية الإنسان في كل مكان وزمان من كل صور وأشكال الاستغلال والعبودية. فعبودية الإنسان تنفي بتاتا أن يكون خضوع المخلوق لغير خالقه. فالله مصدر كل خير ونعمة والإنسان هو القيمة النهائية في الوجود قال تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) (الحجرات الآية 13).
في مشهد الحج الأكبر يتذكر جموع الحجيج تاريخ أمتهم المجيد وتتجه العقول والأفئدة إليه فيتأمل الجميع رحلة أبيهم إبراهيم عليه السلام وأمهم هاجر إلى الصحراء القاحلة العارية من الخضرة والنبات والخالية من الماء والزاد. وكيف قاوما كل محاولات الشيطان اللعين وصدعا لأمر ربهما متحررين من كل ميل وهوى منفذين أمر الله جل وعلا – فانتصر حب الله فيهما على ما سواه وذهبت محاولات الشيطان جميعها أدراج الرياح وهاهي الجموع ترمي بالحصيات عدوها وعدو إبراهيم وآدم عليهما السلام في أرض منى مؤكدة أن جهاد النفس هو الجهاد الأكبر وأن حفظ الدين وحماية الحرمات والمقدسات مقدم على أي حب آخر مهما كان إغواء الشيطان ومهما كانت المغريات.
لقد كان إنفاذ إبراهيم عليه السلام لرؤيته بشأن ابنه إسماعيل عليه السلام تأكيدا لعبوديته الكاملة والخالصة لخالقه وفيه من الدروس والعبر
على جبل عرفات الطاهر المبارك وعلى صعيده المعطر حيث وقف الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه والصالحون والمهتدون بنور الله. تكون معرفة الله سنام كل معرفة وأساس كل قيمة ويكون حب الله فوق كل حب ولا غرو في ذلك فمعرفة الله هي المعرفة الأكمل والأجمل والأجدر وفوق أديم ترابه وعلى رباه وقممه تكون المناجاة الخالصة والمباشرة بين الإنسان وخالقه. وتكون الصلة المستمرة فيتوجه الحاج بقلبه وعقله ووجدانه نحو خالقه وترتفع الدعوات المبللة بالرجاء والدموع إلى عنان السماء راجية القبول والمغفرة. ويحفر الحاج في قلبه وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدماء والنساء والأموال فلا يظلم امرأة ولايسفك دما ولا يسرق مالا.
وفي المشعر الحرام تتنامى في وجدانه كل مشاعر الحب والخير إزاء ربه ويضيء في قلبه نور الله فلا يلتفت إلى همسات الشيطان ولا تقهره الغرائز والاهواء.
وهكذا يعود الحاج كما ولدته أمه.. ميلاد جديد بلا ذنوب ولا خطايا وإنسان جديد محب للخير قلبه أخضر ويده بيضاء مستحضرا دائما درس الحج ومعناه ودلالاته.. إنسان جديد لا يحقد ولا يكره. ولا يبطش ولا يفحش. ولايقتل ولايعتدي. بل يمد يده بالخير والعطاء والمودة والسخاء لإخوته ولسائر الناس مؤمنا بأن الحب والسلام والتسامح مفاتيح البقاء والاستمرار فوق الأرض
هل ينجح أعداء أمتنا في تقسيم دولنا؟
نعيش جميعا منعرجا تاريخيا يتمثل لدينا فيما نراه يوميا من تقسيم دولنا أعراقا وقبائل وفرقا وهو ما يسعى... اقرأ المزيد
123
| 16 يناير 2026
السيكودراما وذوو الإعاقة
السيكودراما (Psychodrama) هي طريقة علاجية جماعية تعتمد على التمثيل الإيجابي والتجسيد الدورى للمشاهد الداخلية والعلاقات بين الناس. اخترعها... اقرأ المزيد
72
| 16 يناير 2026
خطورة التربية غير الصحية
هناك فرق كبير بين التركيز على الجهد وليس النتيجة في التربية وتلبية الاحتياجات الأساسية وليس كل الرغبات والرفاهيات... اقرأ المزيد
66
| 16 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، وما رافقها من إجراءات أحادية قام بها المجلس الانتقالي ( المنحل ) أربكت المشهد السياسي والأمني، ومن الواضح أن اليمن يتجه اليوم بعزم وإرادة، نحو مرحلة أكثر هدوءا واستقرارا.هذه الفترة رغم قصر مدتها إلا أنها كانت حافلة بالأحداث التي شكلت اختبارا صعبا لتماسك الدولة وقدرتها على الصمود، وأيضا لحكمة القيادة السياسية في إدارة لحظة شديدة الحساسية، داخليا وإقليميا.إن خطورة ما جرى في محافظتي حضرموت والمهرة لم يكن مقتصرا على تعميق الانقسام الاجتماعي أو إثارة الحساسيات المحلية، بل تجاوزت ذلك إلى تهديد وحدة البلد ووحدة مجلس القيادة الرئاسي وتماسك الحكومة، وإضعاف جبهة الشرعية برمتها في لحظة لا تحتمل فيها البلاد أي تصدّعات إضافية. هذا الوضع الصعب مثل تحديا حقيقيا كاد أن ينعكس سلبا على المسار السياسي العام، وعلى قدرة الدولة على مواجهة التحديات الوجودية التي لا تزال قائمة وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي والإنساني المتردي وانقلاب جماعة الحوثي. وخلال هذه الأزمة، برز بوضوح مدى أهمية الموقف الدولي، الذي ظل رغم كل التعقيدات قائما على مقاربات موضوعية ومسؤولة تجاه الملف اليمني. فقد حافظ المجتمع الدولي على موقف موحد داعم للحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، وهو مكسب سياسي ودبلوماسي بالغ الأهمية كان مهددا بالتآكل نتيجة تداعيات الأزمة الأخيرة. ومن المهم التأكيد على أن الحفاظ على هذا الدعم والزخم الدولي المساند للحكومة لم يكن نتاج صدفة عابرة، بل هو ثمرة جهد سياسي ودبلوماسي منظم وواع، أدرك حساسية المرحلة وخطورة أي انزلاق غير محسوب نحو الصراع داخل مظلة الحكومة، مرسخا قناعة دولية بضرورة دعم الشرعية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على استعادة الدولة وصون الاستقرار. اليوم تمضي القيادة السياسية والحكومة في مسار تصحيحي شامل، يستهدف احتواء تداعيات الأزمة ومعالجة جذورها، وهو مسار يحظى بتأييد شعبي واسع، ودعم كامل وواضح من الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. وبالحديث عن دعم أشقائنا في مجلس التعاون بقيادة السعودية فإنه من المهم أن نشير إلى أن هذا الدعم لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مساندة ظرفية مرتبطة بأحداث معينة، بقدر ما هو ضرورة استراتيجية تفرضها اعتبارات الأمن الإقليمي والاستقرار السياسي، وتشابك المصالح بين اليمن ومحيطه الخليجي. نعم، إن أهمية الدعم الخليجي لليمن تتجاوز بطبيعتها البعد الاقتصادي أو الإنساني، لتتصل مباشرة بجوهر المعادلة الأمنية والسياسية في المنطقة. فاستقرار اليمن والاستثمار في دعم مؤسساته الشرعية يظل الخيار الأكثر حكمة لضمان أمن جماعي مستدام، قائم على الشراكة والمسؤولية المشتركة. ولكي تتمكن الحكومة ومجلس القيادة من استعادة زمام المبادرة، وتعزيز حضور الدولة، فإن اليمن أحوج ما يكون اليوم إلى موقف خليجي داعم على مختلف المستويات، سياسيا، واقتصاديا، وأمنيا، لأن هذا الدعم يشكّل الطريق الأكثر واقعية لضمان استقرار الأوضاع، واستعادة الثقة، وانتشال اليمن من أزماته المتراكمة، بعيدا عن الحلول المؤقتة أو المعالجات التي لا تنفذ إلى جوهر المشكلات التي تعاني منها بلادنا. وعلى المستوى الداخلي، شكلت الأزمة الأخيرة فرصة لإعادة تذكير جميع المكونات والقوى السياسية بأولويات اليمن الحقيقية، وبالمخاطر الأساسية المحدقة به. فالصراع الجانبي، وتغليب الحسابات الضيقة، لا يخدم سوى مشاريع التقسيم والإنفلات ومشروع الحوثي، الذي لا يزال التهديد الأكبر لمستقبل اليمن، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على الجميع للتحرك وفق برنامج واضح، يعيد ترتيب الأولويات، ويضع إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة في صدارة الأهداف، وصولا إلى مرحلة لا يكون فيها اليمن رهينة للسلاح أو المشاريع الخارجة عن الدولة، وإنما دولة مستقرة، شريكة لمحيطها، وقادرة على إدارة شؤونها بإرادة وطنية جامعة.
1536
| 14 يناير 2026
اعتدنا خلال كل البطولات الأممية أو العالمية لكرة القدم أن نرى العدسات تتجه إلى مواقع المشاهدين في المدرجات، تسلط الضوء على الوافدين من كل حدب وصوب بكل تقاليدهم في الملبس والهيئة والسلوك. لكن أتت النسخة الحالية من كأس أمم أفريقيا والمقامة في المغرب، لتكشف عن حالة جديدة فريدة خطفت الأضواء، وأصبحت محط أنظار وسائل الإعلام العالمية ووسائل التواصل الاجتماعي. ففي جميع المباريات التي كان أحد طرفيها فريق الكونغو، كان أحد مشجعي هذا الفريق يقف طيلة وقت المباريات كتمثال جامد بلا حراك، بجسد مشدود ويد يرفعها أمامه كمن يلقي التحية، دون أن يهتف، ودون أن يتكلم، ودون أن يصفق، فقط هي تلك الهيئة الجامدة. لم يكن هذا التمثال البشري يثير الدهشة والانتباه فقط بهيئته، بل بالشخص الذي اتخذ هيئته، فقد كان يجسد بهذه الوضعية تمثالا للزعيم الكونغولي باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء لجمهورية الكونغو الديمقراطية عقب الاستقلال عام 1960م. «كوكا مبولادينغا»، هو اسم ذلك المشجع الكونغولي الذي تقمص هيئة الزعيم الاستقلالي لومومبا، وخطف أنظار الجماهير وعدسات التصوير، ليتحول إلى أيقونة وطنية تعبر عن رموز بلده وربط تاريخها بحاضرها، واستدعى رمزية الاستقلال ممثلًا في شخصية ذلك الزعيم الذي قاد الحركة الوطنية الكونغولية ولعب دورًا محوريًا في استقلال الكونغو بعد أن كانت مستعمرة بلجيكية، وعُرف بخطبه ومقالاته النارية التي شرح خلالها للأوساط المحلية والإقليمية والدولية جرائم البلجيك ضد الشعب الكونغولي وتورطهم في تهريب ثروات البلاد، وخاض مظاهرات شعبية ومواجهات ضد الاحتلال، وتعرض للسجن، إلى أن استقلت بلاده وشغل منصب رئيس الوزراء، إلى أن قام الانقلاب العسكري الذي أدى إلى اعتقاله وتعذيبه وإعدامه بعد عام واحد من الاستقلال. لم يختر المشجع مبولادينغا رفع العلم أو دهن وجهه بألوانه، أو أداء رقصة شعبية كونغولية، أو أي من هذه المظاهر المعتادة لتمثيل بلاده، بل اختار ذلك السكون والجمود على مدى 438 دقيقة، هي زمن المباريات التي خاضها فريقه. كان مشهدًا مؤثرًا لكل من طالعه، ولم يتوقف هذا التأثير عند حد الإعجاب بالرجل، ولكن تعداه إلى ما هو أبعد بكثير من ذلك، إذ إنه أقام جسرًا ممتدًا للتعريف ببلاده ورموزها، فقد تدفق اللجوء إلى محركات البحث عن الكونغو واستقلالها وزعيمها، فنقل رجل واحد – بذلك السلوك- وطنه إلى حيز الاهتمام العالمي، وعرّف ببلاده بشكل أقوى وأسرع وأكثر كثافة من كل ما يكتب عن الكونغو وتاريخها وحاضرها ورموزها. لقد اتضح لي من البحث أن هذا الرجل يسير على نفس النهج من التشجيع بهذه الهيئة، منذ قرابة اثني عشر عاما، بما يعني أن الرجل صاحب قضية، وصاحب رسالة وحس وطني، ويحمل بين جنباته حب وطنه وقضاياه، يرغب في أن يتعرف العالم على تاريخ بلاده المنسية ورموزها، بما ينفي عنه تهمة السعي وراء (التريندات). لقد صار الرجل أبرز رموز كأس الأمم بالمغرب، وأصبح أيقونة وطنية معبرة عن الكونغو، ما جعله محل اهتمام رسمي قوي، فقد التقط رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، باتريس موتسيبي صورة تذكارية معه خلال مباراة الجزائر والكونغو، وقام وزير الرياضة الكونغولي بتكريمه لتشريفه بلاده وتمثيلها خير تمثيل، وأهداه عربة دفع رباعي «جيب»، وأهداه الاتحاد الجزائري لكرة القدم قمصان المنتخب الجزائري بعدما أبكاه خروج منتخب بلاده أمام الجزائر، ووجهت اللجنة المنظمة للبطولة دعوة رسمية له لحضور المباراة النهائية، إضافة إلى أنه كان لا يستطيع أن يخرج من غرفة فندقه بسبب تدافع الناس لالتقاط الصور معه والتحدث إليه. المشجع الكونغولي الذي أحيا قصة الاستقلال، كان بصمته وجموده يؤدي طقسًا وطنيًا ويجسد شكلا من أشكال الانتماء للوطن، وغدا كجندي يحرس ذاكرة بلاده وشاهد على تاريخ يجمع بين الألم والأمل. أمثال هذا الرجل هم القوة الناعمة الحقيقية لأي دولة، أولئك هم السفراء الذين يجسدون معاني الوطنية والاعتزاز بالوطن والدعاية له والتعريف به وشرح قضاياه. إننا مطالبون كذلك كلما تخطينا حدود بلادنا أن نكون سفراء لها، ندرك أننا في أسفارنا نرسم الصورة الذهنية للآخرين عن بلادنا، فالفرد هو جزء من مجتمعه، من وطنه، سوف ينقل ثقافته وقضاياه إلى الشعوب لا بالشعارات والأغاني، إنما بالسلوك والقيم.
831
| 11 يناير 2026
للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات كان من المفترض أن تترك أثرًا دافئًا في قلوبنا، لكننا كثيرًا ما نمرّ بها مرور العابرين. لا لأن اللحظة لم تكن جميلة، بل لأننا لم نمنحها انتباهنا الكامل، وانشغلنا بتوثيقها أكثر من عيشها. نعيش زمنًا غريبًا؛ نرفع الهاتف قبل أن نرفع رؤوسنا، ونوثّق اللحظة قبل أن نشعر بها، ونلتقط الصورة قبل أن يلتقطنا الإحساس. لم نعد نعيش اللحظة كما هي، بل كما ستبدو على الشاشات. كأن وجودنا الحقيقي مؤجّل، مرتبط بعدسة كاميرا، أو فيديو قصير، أو منشور ننتظر صداه. نخشى أن تمر اللحظة دون أن نُثبتها، وكأنها لا تكتمل إلا إذا شاهدها الآخرون وتفاعلوا معها. كم مرة حضرنا مناسبة جميلة؛ فرحًا، لقاءً عائليًا، أو جلسة بسيطة مع من نحب، لكن عيوننا كانت في الشاشة، وأصابعنا تبحث عن الزاوية الأفضل والإضاءة الأجمل، بينما القلب كان غائبًا عن المشهد؟ نضحك، لكن بوعيٍ ناقص، ونبتسم ونحن نفكر: هل التُقطت الصورة؟ هل وثّقنا اللحظة كما ينبغي؟ نذهب إلى المطعم، أو نسافر إلى مكان انتظرناه طويلًا، فننشغل بالتصوير أكثر من التذوّق، وبالتوثيق أكثر من الدهشة. نرتّب الأطباق لا لنستمتع بطعمها، بل لتبدو جميلة على صفحاتنا، ونصوّر الطريق والمنظر والغرفة، بينما الإحساس الحقيقي يمرّ بجانبنا بصمت. نملأ صفحاتنا بالصور، لكننا نفرّغ اللحظة من معناها، ونغادر المكان وقد وثّقناه جيدًا… دون أن نكون قد عِشناه حقًا. صرنا نعيش الحدث لنُريه للآخرين، لا لنعيشه لأنفسنا. نقيس جمال اللحظة بعدد الإعجابات، وقيمتها بعدد المشاهدات، ونشعر أحيانًا بخيبة إن لم تلقَ ما توقعناه من تفاعل. وكأن اللحظة خذلتنا، لا لأننا لم نشعر بها، بل لأن الآخرين لم يصفّقوا لها كما أردنا. ونسينا أن بعض اللحظات لا تُقاس بالأرقام، بل تُحَسّ في القلب. توثيق اللحظات ليس خطأ، فالذاكرة تخون أحيانًا، والسنوات تمضي، والصورة قد تحفظ ملامح ووجوهًا وأماكن نحب العودة إليها. لكن الخطأ حين تصبح الكاميرا حاجزًا بيننا وبين الشعور، وحين نغادر اللحظة قبل أن نصل إليها، وحين ينشغل عقلنا بالشكل بينما يفوتنا الجوهر. الأجمل أن نعيش أولًا. أن نضحك بعمق دون التفكير كيف ستبدو الضحكة في الصورة، أن نتأمل بصدق دون استعجال، وأن نشعر بكامل حضورنا. ثم – إن شئنا – نلتقط صورة للذكرى، لا أن نختصر الذكرى في صورة. بعض اللحظات خُلقت لتُعاش لا لتُوثّق، لتسكن القلب لا الذاكرة الرقمية. فلنمنح أنفسنا حق الاستمتاع، وحق الغياب المؤقت عن الشاشات، فالعمر ليس ألبوم صور، بل إحساس يتراكم… وإن فات، لا تُعيده ألف صورة.
816
| 13 يناير 2026