رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

إبراهيم عبد المجيد

كاتب وروائي مصري

مساحة إعلانية

مقالات

357

إبراهيم عبد المجيد

عدت يا يوم مولدي..

18 ديسمبر 2025 , 04:00ص

قضيت عمري لا احتفل بيوم ميلادي رغم أنه يوم رائع لكل عائلة، ظل الاحتفال دائماً في نطاق الأسرة منذ طفولتي، وبعد أن تزوجت وأنجبت، ابتسم معهم ولا أقلل فرحتهم، بينما أغنية فريد الأطرش «عدت يا يوم مولدي. عدت أيها الشقي» تمشي معي. لا أعرف سبب ما تركته هذه الأغنية في نفسي، رغم معرفتي بعشرات الأغاني الجميلة عن يوم الميلاد. هل هي كلماتها، أم صوت فريد الأطرش المفعم بالشجن، حتى وهو يغني للحب فرحا. اتسعت الدنيا بالسوشيال ميديا، فكنت أغلق صفحتي عليها كل عام يومين أو ثلاثة حتى يمر اليوم. مذكرا نفسي ضاحكا بالمقولة الشعبية المصرية» ليه يابا قبل ميلادي بتسعة شهور ما راحتش عليك نومة!»

هذا العام نسيت أن أخفي صفحتي، فملأت التهنئة الفضاء، وامتلأ البيت بالزيارات من الأحباء، ودعيت للاحتفال في جريدة الأخبار ودار نشر الشروق المصرية. دُعيت أيضا للاحتفال في أكثر من مكان، لكني اعتذرت مكتفيا بهما، فالبيت أجمل ملاذ لي الآن. كلمة الآن تذكرني بعمري. انتهيت من التاسعة والسبعين وبدأت الثمانين. كيف صرت أرى العالم حولي وأمامي. هل حقا أستطيع أن أتأمله بشكل أفضل. هل في مثل هذا العمر تقف عند الآراء الجميلة، ولا تري الأحداث من حولك. كم من الآراء الجميلة قرأتها في كتب الفلسفة عن المدينة الفاضلة. لكن من يدير عجلة هذا العالم حقا؟ أين ما كتبه الفلاسفة أمام المدينة التي يقيمها حكام الدول الكبرى مثل أمريكا وروسيا وألمانيا وإنجلترا أو حتى فرنسا. هل ذهب ما كتبوه هباء أمام عجلة الرأسمالية الجشعة، أو حتى الاشتراكية التي حصرت مزاياها على قادة حزبها. في هذه البلاد وغيرها أعرف أنه يوجد من يحاول تصحيح مسارها السياسي، لكن هذا داخل بلادهم. ما هو موقعنا نحن في العالم العربي عندهم، بينما يطلقون زمام دولة مثل إسرائيل تفعل ما تريد من إبادة لأهل فلسطين رغم أيّ اتفاقات. وبعيدا عن الهم العام يزداد رحيل الأحباء كل يوم. يرحل ناشر مصري هو محمد هاشم الذي كان له ولداره للنشر «ميريت» اسهام فارق فيما تنشر، أو العمل السياسي قبل وبعد ثورة يناير 2011. يرحل الدكتور محمد صابر عرب أستاذ التاريخ والحضارة صاحب المؤلفات الرائعة، وكان من أنبل من قابلت في الحياة. أسماء كثيرة للراحلين من العرب التي أسعدتني الحياة بقراءتهم أو لقائهم. أرى إشارات كثيرة على الفيسبوك بأعياد الميلاد. لا أتأخر في التهنئة لكن يقفز السؤال. لماذا يكون التأثر بالرحيل أكثر فيملأ الحزن الفضاء. هل لأنه إنذار بما سيأتي خاصة مع التقدم في العمر. الحقيقة لا أشغل نفسي بالموت. بل مع كل أذان أسمعه أشعر أني أصعد معه إلى السماء. بالصدفة قرأت للشاعر والصحفي السعودي النبيل هاشم الجحدلي رأيا للفنانة السويدية إنجريد بيرجمان، التي كانت أفلامها أجمل زاد لجيلي في حياته، تقول فيه:» التقدم في العمر مثل تسلق الجبال، ستكابد قليلًا ولكن المنظر من الأعلى أفضل بكثير». أسعدني الرأي رغم معرفتي أنه لا حقائق مطلقة في الأمور الإنسانية، فالنوستالجيا قد تستيقظ وتأتي غالبا بالشجن.. انتهيت في الفترة الأخيرة من رواية قيد النشر، كتب بطلها المتقدم في العمر ويعيش وحيدا، على صفحته في الفيسبوك» لو كان الحزن رجلا لقتلته» فتم إغلاق حسابه. تساءل في دهشة هل صار الحزن شريكا لمارك زوكربرج صاحب الموقع. ثم تجسد له الحزن وأخذه في رحلة ليرى كيف أرهقته أفعال البشر، وأنه بريء مما يحدث في العالم.

مساحة إعلانية