رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عطفا على المقال السابق الذي تناول الحديث عن حرية الاعتقاد وإشكالية عقوبة المرتد، والذي بينت فيه ألا تعارض بين حرية الاعتقاد من جهة، ووجود عقوبة للمرتد من جهة أخرى، فقد دار نقاش بيني وبين بعض الزملاء حول المقال السابق في عدة نقاط، رأيت من المفيد طرحها تتمة للفائدة، واستكمالا للمناقشة، ويرى زميلي ما يلي :
- تشبيه الردة بالخيانة العظمى، تشبيه غير مسلم وغير واقعي، بدليل وجود غير المسلمين في الدولة الإسلامية، ولم نعتبر إيمانهم بغير الإسلام ناقصا لولائهم للدولة.
- في البلاد غير الإسلامية حاليا لو منعوا مواطنيهم من الدخول في الإسلام اعتبرنا ذلك موجبا للجهاد للدفاع عن حرية الدعوة، واختيار هذه الشعوب الدين الذي تدين به، واستنكرنا منع الحكام شعوبهم من اختيار الدين الذي يرونه لأنفسهم.
- هل يمكن اعتبار الشرط في صلح الحديبية أساسا للتعامل مع المرتد، من يريد أن يسلم أهلا به، ومن أراد الكفر لا حاجة لنا به.
وقبل الشروع في الرد على ذلك، هناك منطلقان للحديث عن حرية الاعتقاد، وتجريم الردة، والعقوبة عليها.
- الأول: المسلمون ينطلقون من عقائد ثابتة أخبر بها القرآن والسنة من أن الكتب السماوية السابقة أصابها التحريف والتبديل، وأنه لا يوجد كتاب سماوي الآن يوثق بصحته، وأن يد التغيير والتحريف قد عملت في هذه الكتب؛ فلم يعد هناك ما يوثق بصحة نسبته إلى السماء سوى القرآن الكريم، وهذا ما أثبته القرآن الكريم في قوله تعالى " فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ " البقرة 79. كما اعترف بعض الأحبار والرهبان والقساوسة بوقوع هذا التبديل والتحريف في كتبهم..وهذا المعتقد ينعكس على الانطلاق في قضية المرتد، وأن الإسلام الدين الحق، ويتعذر أن يقال في المرتد: إنه تبين له الحق في غير الإسلام أما قضية الدعوة إلى غير الإسلام فأكبر أهدافها هو محاربة الإسلام والعمل على وقف انتشاره، لاستشعار أصحابها بالخطورة السياسية التي سيترتب عليها انحسار نفوذهم، وليست الهداية والحرص على خلاص الناس من النار هما الغاية والهدف في حقيقة الأمر.
الثاني: إن المرتد الذي اقتنع بينه وبين نفسه ببطلان دين الإسلام وكونه دينا غير سماوي لاقتناعه بدين آخر أو عدم اقتناعه بدين آخر مطلقا يتحمل نتيجة وتبعة موقفه ما دام صاحب حق..ويتحمل العقوبة وأرجح أن تكون تعزيرية..أو يضحك على المجتمع ويقول الشهادة ويبقى على معتقده الذي يرى صوابه ويلقى الله عليه.
وما من صاحب عقيدة صادق إلا ويتحمل من أجل عقيدته؛ فليتحمل إذن إن كان صادقا بحق، ويبقى الحكم على ما أسرت نفسه إلى من يعلم السر وأخفى في الآخرة.
أما إجابتي على ملاحظات زميلي فأذكرها على النحو التالي:
- تشبيه الردة بالخيانة لمسلم كان مسلما ثم ارتد واقعي جدا؛ ولا يقاس عليه غير المسلمين في الدولة الإسلامية؛ لأن هؤلاء متروك لهم حرية البقاء على دينهم، ومكفول لهم حرية الاعتقاد دون إكراه أو إجبار، بخلاف من أسلم طائعا مختارا عالما بالعقوبة إن هو ارتد، أو كان مسلما في الأصل ثم ارتد، فهذا قد أتى جريمة وفق التشريع الجنائي الإسلامي.
والشارع الحكيم يميز في الأسماء والألفاظ تفريقا دقيقا لما يترتب عليها، فيقول: المشرك والكافر والمنافق والمرتد، ثم يميز أهل الكتاب فمنهم المعاهد والمستأمن والمحارب، وإن كانوا جميعا كفارا في المعتقد. وكل هؤلاء لا سبيل للدولة عليهم – باستثناء المحارب - إلا إذا أظهروا العداوة للمجتمع وأتوا أعمالا إجرامية من شأنها تقويض أركان الدولة، ومن يفعل ذلك يعاقب بعقوبة المحارب، وسواء كان المحارب مسلما أو غير مسلم، وﻻ معاقبة على ذات الكفر بدليل وجود اليهود والنصارى والمجوس في ديار المسلمين لا يتعرض لهم أحد، يمارسون شعائرهم، ويظهرون معتقداتهم، وهذا يؤكد أن المرتد يعد خائنا لا بد أن تكون له عقوبة أيا ما كانت، حتى نحافظ على كيان الدولة الموصوفة بالإسلامية، وقد اتفقت كل المذاهب الإسلامية على تجريم الردة وإن اختلفوا في العقوبة وتفصيلها.
أما المرتد سرا فشأنه شأن المنافق، فهو وإن كان كافرا باطنا إلا أنه لا سبيل للتنقيب عما في قلبه، وهذا تطبيق لقاعدة أهل السنة التي تقول: الأحكام تجري على الظاهر والله يتولى السرائر.
- في البلاد غير الإسلامية لا يعيرون مسألة دين المواطنين - أو عدم انتمائهم لدين أصلا - اهتماما إلا أن يسلم الكثيرون، ويشكل الدخول في الإسلام ظاهرة، حينذاك يظهرون العداوة ويتخذون الإجراءات والتدابير للحد من انتشار الظاهرة أو تقليصها.
وفي الواقع حاليا من يسلم من غير المسلمين، أو من يكفر من المسلمين في بلاد غير المسلمين لا أحد يتدخل في هذا الشأن، ولا أحد منا يطالب بالجهاد دفاعا عن حرية الدعوة، نحن نطلب فقط الأمان في بلادنا ويتركوننا وحال سبيلنا، ويفتحون باب الحريات.
- أما اعتبار الشرط في صلح الحديبية أساسا للتعامل مع المرتد، من يريد أن يسلم فأهلا به، ومن أراد الكفر فلا حاجة لنا به.. فأستطيع أن أقول الآن، في حالة توافر الحريات للمسلمين ولغيرهم على حد سواء، وليس فقط تتوافر الحريات لغير المسلمين ونحرم منها نحن، وتتوافر لدينا من القدرات والإمكانات، والمنابر الحرة لشرح الإسلام وتوضيحه، وقتها يمكن أن أقول: إن هذا الشرط يمكن أن يكون مقبولا، وهو ما يتماشى مع الواقع الذي أقرت فيه وثيقة صلح الحديبية، حين قامت للمسلمين دولة على أساس الإسلام، توافرت فيها الحريات، لأننا نوقن حينها أن من يسلم سيسلم بإرادة حقيقية، ومن يرتد يرتد عن بينة، ليس عن ترغيب أو ترهيب، أما الآن فليس من العدل ولا من الإنصاف أن نطرح ذلك، وأدوات التأثير والقوة جميعها بيد غير المسلمين، فضلا عن ضعف المسلمين وفقرهم وجهلهم بكثير من أحكام الإسلام، بفعل أعداء المسلمين، واتباعهم سياسة تجفيف منابع الدعوة، والحيلولة دون توضيح صورة الإسلام الصحيحة، فضلا عن خدمة بعض الدول المسلمة للغرب في هذا المضمار، ومحاربتهم للإسلام والمسلمين، وفتحهم الباب على مصراعيه للتنصير والتشيع والإلحاد والطعن في الإسلام وإثارة الشبهات، في وقت العلماء فيه إما في السجون أو في القبور أو في المنفى، كما لا يخفى على أحد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب العالم أنه النموذج الأخلاقي والقيمي الأرقى، قوانين متقدمة، حقوق الإنسان، تحرير المرأة، عدالة اجتماعية، وإنسانية لا تعرف التمييز، هكذا طرح الغرب نفسه بتلك المنظومة القيمية التي حاول فرضها كمعايير عالمية، وجعل لنفسه حق التدخل في شؤون الدول التي لا تساير تلك المنظومة المُعلنة. بيد أن وثائق جيفري إبستين التي كشف عنها وأحدثت زلزالًا تتجاوز آثاره كونها حالة جنائية، إلى النظر إليها والتعامل معها على أنها جرائم سياسية وأخلاقية، تزاوجت في تنفيذها السلطة والمال والنفوذ. تلك الوثائق قد نسفت ادعاءات الغرب في تفوقه الأخلاقي، وأبرزت أن هذه القيم التي يترنم بها قيم نسبية مرهونة بالمصالح والنفوذ، ذلك لأنها ليست خطيئة فردية، بل هي جريمة منظمة ممنهجة ممتدة متشابكة. أظهرت الوثائق أن القيم تتبدد أمام إغراءات المال والسلطة، ولم يكن إبستين مجرد رجل يستغل النظام القضائي والإعلامي والسياسي من أجل تحقيق أطماعه في استعباد النساء والأطفال، بل هو صنيعة ونتاج منظومة الفساد الأخلاقي والقيمي. سيكون من السطحية والسخف أن تختزل هذه الفضيحة في شخص إبستين، فهو مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي شهدها الغرب، ولذا جرى التهاون القضائي مع الرجل لأنه يعلم جيدًا أن من كان في مثل موضعه من السلطة والمال لن يُحاكم بنفس المعايير التي يحاكم بها غيره. لم يتجل السقوط الأخلاقي للغرب من خلال الفضيحة ذاتها وما ارتبطت به من أسماء ما يمكن أن نسميه «إدارة العالم» فحسب، بل من خلال تأخير الكشف عنها، فلم تكن هذه الحقائق مجهولة، بل كانت مؤجلة، فأصبحت هذه الحقيقة مجرد توثيق لحسابات النهاية، فالعدالة الحقيقية هي تلك التي تأتي في الوقت المناسب، فلماذا لم يتم الكشف عنها حينها؟ كأن الحقيقة قد سمح لها بالظهور فقط بعدما أصبحت فاقدة للقدرة على التغيير.ثم لنا أن نتساءل عن سر التهاون القضائي مع إبستين، وما تفسير حادث موته في السجن بكل ما يتعلق به من سلوكيات مريبة كتعطيل الكاميرات وغياب المراقبة لشخصية من المفترض أن تحظى بالرقابة الصارمة؟ الوثائق كشفت أن العدالة طبقية وانتقائية في النموذج الغربي، وليست سوى عمليات تفاوضية على الصياغة، وعلى ما يقال وما يترك، تجلى ذلك في الصفقات القانونية التي أبرمت، والتخفيف غير المبرر في الأحكام القضائية الصادرة، وتأجيل المحاسبة، بما يجعلنا نقول إن القانون يفسر وفقا لموقع المتهم لا حجم الجريمة، وهذا يؤكد انهيار ركيزة المساواة أمام القانون التي هي إحدى أهم ركائز أية منظومة قيمية. الوثائق كذلك عرّت الإعلام الغربي الذي يفاخر بالحرية والاستقلالية والشفافية والموضوعية وأظهرت ضلوعه في التواطؤ لخدمة السلطة والمال، وذلك بالتغطية على الجريمة، وأبرز طبيعته الاستهلاكية التي يقاس نجاحها بالمشاهدات وعوائد الإعلانات، كما أظهرت كذلك خضوع هذا الإعلام لنفوذ المال والسياسة وتمحوره حول حماية الأقوياء.. حتى في التناول الإعلامي للقضية، جرى التعامل الانتقائي الطبقي، حيث تم تهميش الضحايا وكأنهم مجرد أرقام تُذكر في السياق العام للجريمة، أو خلفية حزينة للأسماء اللامعة. من دواعي السخرية أن هذه الإدارة العالمية التي ضربت بحقوق الإنسان عرض الحائط، هي نفسها التي نصّبت نفسها مراقبًا على حقوق المرأة والطفل والحريات في عالمنا العربي والإسلامي، هي نفسها التي تتدخل في تربية أطفالنا وتسعى لتجريم تأديب الأبناء، وتؤجج الحركات النسوية لدفعها للتمرد على قيم وثقافات المجتمعات، وتبتز الحكومات بملفات الحرية وحقوق الإنسان، بما يؤكد أن الغرب يتعامل مع القيم باعتبارها سلاحًا سياسيًا. فصل الأخلاق عن السلطة، والفصل بين الخطاب السياسي والممارسة، يقوض الثقة الداخلية في الغرب ذاته، فأنّى لمجتمع يؤمن بتلك المنظومة وهو يراها تتهاوى أمام السلطة والمال، ويوقفه حائرًا أمام ذلك الثراء الذي يهب الحصانة. لعل هذا الحدث الجلل يجعل المُختطفين ببريق الغرب ويترنمون بتفوقه القيمي يراجعون أنفسهم، ويفصلون في الدعوة إلى السير على خطى الغرب بين ما يمكن أن نأخذه عنه من تقدم علمي وتكنولوجي ونحوهما، وما لسنا بحاجة إليه من قيم وأخلاقيات لنا السبق والسمو فيها، فالغرب إنما تقدم بسبب الأخذ بأسباب القوة والتقدم، لا من خلال منظومته القيمية والأخلاقية النسبية.
3930
| 08 فبراير 2026
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2139
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
987
| 04 فبراير 2026