رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

وجيدة القحطاني

• ناشطة اجتماعية

مساحة إعلانية

مقالات

429

وجيدة القحطاني

جلد الذات.. عندما يتحول الناقد الداخلي إلى عدو للحياة

11 أغسطس 2026 , 11:08م

لا يوجد إنسان لم يخطئ، فالكمال ليس من صفات البشر، وإنما هو من صفات الخالق سبحانه وتعالى. ومع ذلك، يعيش كثيرون أسرى لأخطاء مضت، يستحضرونها كل يوم، ويعاقبون أنفسهم عليها وكأنهم يستحقون العقاب الأبدي، وتُعد هذه الحالة النفسية، المعروفة بـ"جلد الذات"، من أكثر الظواهر انتشارًا في عصرنا، في ظل ضغوط الحياة، والمقارنات المستمرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وارتفاع سقف التوقعات، وجلد الذات ليس مجرد شعور عابر بالندم، بل هو نمط من التفكير يقوم على اللوم المستمر للنفس، والتقليل من قيمتها، والنظر إلى الإخفاقات باعتبارها دليلًا دائمًا على الفشل وعدم الكفاءة.

هناك فرق جوهري بين محاسبة النفس التي دعا إليها الإسلام، وبين جلد الذات الذي يدمر الإنسان من الداخل. فمحاسبة النفس تعني الاعتراف بالخطأ، والبحث عن أسبابه، والعمل على إصلاحه، والتوبة إلى الله إذا كان الخطأ معصية، ثم التعلم من التجربة والانطلاق من جديد. أما جلد الذات فيعني البقاء أسيرًا للماضي، وترديد عبارات سلبية مثل: "أنا فاشل"، و"لن أنجح أبدًا"، و"كل ما يحدث بسببي"، حتى يفقد الإنسان ثقته بنفسه وقدرته على التغيير. الأول يقود إلى الإصلاح، أما الثاني فيقود إلى الإحباط واليأس.

تتعدد الأسباب التي تدفع الإنسان إلى جلد ذاته، من أبرزها التربية القائمة على اللوم المستمر والنقد القاسي، والمقارنة الدائمة بالآخرين، والتعرض للفشل أو الصدمات النفسية، والسعي إلى الكمال بصورة مبالغ فيها، وضعف تقدير الذات، والتركيز على الأخطاء مع تجاهل النجاحات. وقد زادت وسائل التواصل الاجتماعي من حدة هذه المشكلة، إذ أصبح كثيرون يقارنون حياتهم الطبيعية بما ينشره الآخرون من صور مثالية، فيشعرون بالنقص والعجز.

لا يقف جلد الذات عند حدود التفكير السلبي، بل يترك آثارًا نفسية عميقة، منها انخفاض الثقة بالنفس، والقلق المستمر، والاكتئاب في بعض الحالات، وفقدان الدافع إلى النجاح، والعزلة الاجتماعية، والخوف من خوض التجارب الجديدة، والشعور الدائم بعدم الاستحقاق. والمفارقة أن الإنسان يظن أنه يصلح نفسه باللوم، بينما هو في الحقيقة يزيد جراحه عمقًا ويضعف قدرته على التعافي.

الحياة لا تكافئ من لم يخطئ، بل تكافئ من يتعلم من أخطائه. فكم من علماء ومبدعين ورواد أعمال تعرضوا لإخفاقات متكررة قبل أن يحققوا نجاحاتهم الكبرى، ولو ظلوا أسرى جلد الذات لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه. إن الخطأ تجربة، والفشل محطة، لكن الاستسلام لهما هو الهزيمة الحقيقية.

الإسلام دين الرحمة، ولم يأت ليزرع اليأس في النفوس، بل ليمنح الإنسان دائمًا فرصة جديدة. يقول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، وقال النبي ﷺ: "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون." فالخطأ ليس المشكلة، وإنما الإصرار عليه أو اليأس بعد وقوعه. لذلك يدعو الإسلام إلى التوبة والاستغفار والعمل الصالح، لا إلى احتقار النفس أو كراهيتها. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا"، وهي دعوة إلى التقويم والإصلاح، لا إلى التعذيب النفسي.

التحرر من جلد الذات يبدأ بالاعتراف بأننا بشر ولسنا ملائكة. ثم بتغيير طريقة حديثنا مع أنفسنا؛ فبدلًا من قول: "أنا فاشل"، نقول: "لقد أخطأت وسأتعلم." كما ينبغي تقبل الماضي وعدم البقاء أسيرًا له، والتركيز على نقاط القوة قبل الضعف، والاحتفال بالإنجازات الصغيرة، وتجنب المقارنات مع الآخرين، وممارسة الامتنان، وطلب المساعدة من المختصين إذا تحول جلد الذات إلى اكتئاب أو اضطراب نفسي.

التصالح مع الذات لا يعني تبرير الأخطاء، بل يعني قبول النفس كما هي مع السعي المستمر إلى تطويرها. فالإنسان المتصالح مع نفسه يكون أكثر قدرة على النجاح، وأكثر عطاءً للآخرين، وأكثر استعدادًا لخوض التجارب الجديدة دون خوف. والرحمة التي نمنحها للآخرين تستحق أن يكونلأنفسنا نصيب منها.

إذا كنت تحمل في قلبك خطأً قديمًا منذ سنوات، فتذكر أن الله غفور رحيم، وأن الحياة لا تتوقف عند تعثر واحد. لا تجعل الماضي يحكم مستقبلك، بل تعلم من أخطائك، واعتذر إن أخطأت، وأصلح ما تستطيع إصلاحه، ثم ابدأ صفحة جديدة. فالناجحون ليسوا الذين لم يسقطوا، وإنما الذين رفضوا البقاء على الأرض بعد السقوط.

جلد الذات لا يصنع إنسانًا أفضل، بل يصنع إنسانًا منهكًا يخشى الحياة ويستنزف طاقته في معاقبة نفسه. أما محاسبة النفس فهي طريق الإصلاح والنضج والنجاح. وبين الأمرين فرق شاسع؛ فالأولى تهدم، والثانية تبني، الأولى تغلق أبواب الأمل، والثانية تفتح أبواب التغيير. فلنكن رحماء بأنفسنا كما أمرنا الله، ولنجعل من أخطائنا دروسًا نتعلم منها، لا سلاسل نقيد بها مستقبلنا، فالحياة لا تنتظر من يبكي على الماضي، وإنما تفتح أبوابها لمن يملك الشجاعة ليبدأ من جديد.

مساحة إعلانية