رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يوصف عصرنا الحالي الذي نعيش فيه - بخيره وشره - بعصر المعلومات، حيث غدت فيه المعلومة هي المحور الأساس الذي تتحكم في السياسة والاقتصاد والحياة الاجتماعية، وذلك بسبب سهولة انتقالها وقدرتها على الوصول إلى ملايين الناس في أقاصي بقاع الأرض خلال ثوان معدودة، وحيث تمثل فيه المعرفة القوة الحقيقية التي لا تضاهيها قوة أخرى، ومن يستطيع السيطرة على تدفق المعلومات أو نشرها كأخبار، لا يؤثر فقط في آراء الأفراد واتجاهاتهم الفكرية، بل يؤثر حتى في السياسات الحكومية للدول وتشريعاتها، وكذلك المعاملات التجارية في جميع أنحاء العالم.
ولهذا السبب فإن وسائل الإعلام قد لاقت رواجا في العصر الحالي وأصبحت لها أهمية بالغة الشأن، وظلت وسائل الإعلام، سواء المطبوعة أو المرئية أو السمعية، تلعب دورا حاسما في تحديد مستقبلنا، ولكن ورغم الأهمية القصوى لوسائل الإعلام في بلورة الرأي العام المحلي والعالمي، فإن منطقة الشرق الأوسط لديها حصة ضعيفة وبائسة في الإعلام الجديد ووكالات الأنباء. لا أحد يستطيع أن ينكر بالطبع الدور الريادي الذي تلعبه شبكة الجزيرة وتأثيرها الواضح كقناة فضائية إخبارية، ولكن هناك مساحة غاية في الأهمية لم نغامر فيها بعد، وهي وكالات الإنباء العالمية، التي ما زال يهيمن عليها الغرب، وأهم ثلاث وكالات عالمية هي: رويترز، وكالة أنباء أسوشيتد برس ووكالة الأنباء الفرنسية (أ ف ب)، والمعروف عنها تقديمها لوجبة الأخبار العالمية الدسمة على طبق غربي.
في الوقت الذي يفتقر فيه الشرق الأوسط إلى وكالة أنباء قوية وفعالة وجديرة بالثقة وغير متحيزة، تستطيع أن تقدم خدماتها من الأخبار والآراء والتحليلات ليس فقط للمنطقة العربية، بل لكل العالم، كما هو الحال في بقية أنحاء العالم، حيث نجد الصحف وغيرها من مختلف وسائل الإعلام تعتمد على وكالات الأنباء الغربية لملء صفحاتها وفراغاتها. ومن خلال هيمنة هذه الوكالات على وسائل الإعلام الواسع والمتعدّد الوجوه، فإنها أصبحت تفرض أجندتها على خارطة العالم، لأنها تصنع الخبر وتقدمه للعالم، بدلا من مجرد نقل أو نشر للخبر، الذي أصبح بالنسبة لهذه الوكالات العالمية شيئا من الماضي.
لا شك أن أحد التداعيات السلبية جراء الهيمنة الغربية على قطاع وكالات الأنباء العالمية شكلت في كثير من الأحيان رؤيتهم لمنطقة الشرق الأوسط من منظور غربي بحت، وظل هذا المنظار الأحادي الضيق يفشل مرارا وتكرارا في الكشف عن الفوارق والتفاصيل الدقيقة للعديد من الأحداث التي تجري في منطقتنا العربية، حيث يظهر دائما صورة الأحداث من جانب واحد فقط، إما بسبب الذين يقومون بتحرير تلك التقارير من هنا غير مستوعبين أو مدركين لطبيعة القضية والتاريخ وسياق الأحداث، أو أن الأخبار حينما تصل إلى مقر الوكالة العالمية، يتم إعادة تحريرها وتعديلها حتى تتناسب مع أجندتهم، وفي كثير من الأحيان هو السبب الذي يجعل وجهة النظر العربية يرثى لحالها، إذ يتم تجاهلها واستبعادها وإهمالها في بعض من التقارير الخاصة بوكالات الأنباء العالمية، وهو أمر مؤسف للغاية، لأنه لا يعطي الجمهور العالمي صورة كاملة وحقيقية عن الواقع، طالما أن هناك وجهة نظر مغيبة.
لقد استطاعت شبكة الجزيرة أن تخلق ثورة في عالم الإعلام المرئي، لأنها ظلت تقدم للعالم صورة لما يدور في العالم العربي والشرق الأوسط من خلال تغطيتها الإخبارية للأحداث منذ تأسيسها في العام 1996. وقد أسهمت قناة الجزيرة في نقل انتفاضات الربيع العربي للمشاهد، مما أتاح لشبكة الجزيرة أن تضع أيقونتها بجدارة واستحقاق في أعلى خارطة وسائل الإعلام المرئي (مع تحفظي على بعض
برامجها)، رغم أن هذا الشرف الرفيع لم يسلم من الأذى، حيث جلب هذا الشرف معه انتقادات لاذعة للغاية، سواء بالنسبة لشبكة الجزيرة أو لقطر. وصارت قطر في موقف لا تحسد عليه لسبب آخر، وهو استثماراتها الضخمة في الخارج في الآونة الأخيرة، والتي أسالت لعاب الكثير من الصحفيين الغربيين وأقلامهم في محاولات للنيل من قطر من خلال التقارير السلبية والمتضاربة في وسائل إعلام محددة، غالبا ما تقدم معلومات غير صحيحة ومضللة في ذات الوقت، ولهذا فإنه يجدر القول بأن الحاجة أصبحت أكثر إلحاحا في العالم العربي، خاصة بالنسبة لقطر، لوجود وكالة أنباء عالمية من شأنها أن تعكس وجهة النظر العربية وتصنع الخبر للعالم بصورة نزيهة وغير متحيزة عما يدور من أحداث وشؤون في منطقتنا العربية، أو ما يرتبط بها من أحداث.
ولقد ساعدت الطفرة الهائلة التي حدثت في عالم الاتصالات والتي أرغمتنا على تطويع أنفسنا وإمكانياتنا كي نتواكب مع متطلبات ومستلزمات هذا العصر، عصر إيصال المعلومات عبر الأقمار الصناعية والإنترنت من أن تستحوذ وكالات الأنباء العالمية على نصيب أكبر من القوة والنفوذ، لأن مختلف وسائل الإعلام في جميع أنحاء العالم تعتمد عليها للحصول على الأخبار العالمية وحتى المحلية، وبذلك يكون لها التأثير المباشر على مجريات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ورغم التقدم التكنولوجي الذي لازم عصر المعلومات الحالي، فإن جزءا كبيرا من العالم ما زال يعتمد على الأشكال التقليدية القديمة لوسائل الإعلام كالصحف المطبوعة والإذاعة، وفي ذات الوقت، نجد أن خدمات شبكة الجزيرة قد اقتصرت على خدمة التلفزيون الفضائي والمواقع الإلكترونية، فنادرا ما نرى الأخبار التي تبثها شبكة الجزيرة تتناقلها الصحف أو الإذاعة أو وسائل الإعلام المختلفة. الأمر الثاني، تتمتع وكالات الأنباء بمصداقية أكبر مقارنة مع القنوات التلفزيونية.
وتشهد منطقة الشرق الأوسط تحولا سريعا في جميع مجالات الحياة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والرياضية، ولذلك فإن وجود وكالة أنباء عالمية يكون مقرها في منطقة الشرق الأوسط، وتحديدا في قطر، يمكن أن يساعد في تغيير معادلة التحيز وأيضا الصور النمطية التي أفعمت عقول الجمهور العالمي المراقب لأحداث المنطقة العربية بشكل عام ومنطقة الخليج على وجه الخصوص، ويمكن لهذه الوكالة العالمية تقديم معلومات متوازنة تمكن جمهور الرأي العام العالمي من أن يحكم بنفسه على مجريات الأحداث. كذلك فإن وكالة الأنباء العالمية سوف تساعد أيضا الحكومات والمؤسسات الدولية على التواصل مع الجمهور العالمي، دون الاضطرار إلى مواجهة بعض الصحفيين المتحاملين الذين يسعون بشتى السبل إلى تمرير أجنداتهم الخفية الخاصة.
إن وكالات الأنباء العالمية ووسائل الإعلام الجديد هي السلطة الحقيقية في عصر المعلومات، ومن هذا المنطلق كان التنافس العالمي المثير نحو السيطرة المطلقة على سلطة المعلومات، فبمقدار ما تستطيع أن تحققه أدوات هذه القوة الناعمة من تغيير في عقل الفرد وثقافته، تزداد قوة وأهمية وتصبح سلطة حقيقية في المجتمع، ولكن تكمن الخطورة حينما يسعى من يمتلك أدوات هذه القوة إلى تحقيق أهداف ومآرب خاصة لصنع ونشر قوالب خبرية ومعرفية جاهزة هدفها تغليف الشر بورق هدايا الخير اللامع، للتحكم بأكبر شريحة من مجتمع الرأي العام العالمي واستغلالهم لأهداف اقتصادية أو سياسية خفية، وظل الغرب منذ فترة طويلة يستخدم هذه القوة الناعمة في الترويج لأفكاره وتمرير أجندته وأهدافه ومآربه الخاصة للمجتمع العالمي.
لقد حان الوقت الآن لكي تبادر منطقة الشرق الأوسط بتقديم طريقة بديلة لسرد الأحداث، فالفرصة متاحة وسانحة الآن أكثر من أي وقت مضى، ولدينا الموارد الكافية للقيام بذلك، نحن فقط بحاجة لاستخدامها بحكمة وفعالية، فحتى الآن، لم نستثمر مواردنا بشكل صحيح في قطاع الأخبار العالمية والقطاعات الجديدة لوسائل الإعلام كالمواقع الإلكترونية (الإعلام الجديد)، وهناك فراغ عربي كبير في هذا القطاع الذي ينتظر بفارغ الصبر أن يتم ملؤه.
وينبغي للحكومات والشركات الخاصة والمؤسسات في منطقة الشرق الأوسط أن تنظر إلى قطاع الإعلام غير التقليدي باعتباره فرصة استثمارية ذهبية، وأخذ زمام المبادرة لإنشاء وكالة أنباء عالمية مقرها في منطقة الشرق الأوسط، أو الاستثمار في الوكالات القائمة حاليا، وهذا أضعف الإيمان.
الذكاء الاصطناعي في قطاع العلاقات العامة
يشهد مجال العلاقات العامة ثورة كبيرة يقودها الذكاء الاصطناعي، لتتحول الى إدارة أكثر تفاعلاً وإنتاجاً وتطوراً، من خلال... اقرأ المزيد
4788
| 17 مارس 2024
الذكاء الاصطناعي وقمة الويب
الأسبوع الماضي، استضافت الدوحة فعاليات قمة الويب قطر 2024، وهو أكبر مؤتمر في قطاع التكنولوجيا في العالم يناقش... اقرأ المزيد
792
| 03 مارس 2024
فلسطين والذكاء الاصطناعي والقانون الدولي الإنساني
أدى التطور السريع للذكاء الاصطناعي إلى إشعال نقاش محتدم حول كيفية استخدامه في الحروب الحديثة، خاصة فيما يتعلق... اقرأ المزيد
2511
| 25 فبراير 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5748
| 23 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3105
| 24 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
2982
| 29 سبتمبر 2026