رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

المحامي علي المسلوخي

alialmasloukhi@yahoo.com -

مساحة إعلانية

مقالات

99

المحامي علي المسلوخي

الشيخ حمد بن خليفة باني دولة القانون والمؤسسات

19 يوليو 2026 , 11:01م

من التاريخ تعلمنا أن عظمة القادة والزعماء والملوك لا تقاس بحجم الإنجازات التي تحققت خلال فترة حكمهم فقط، بل بمدى قدرتهم على بناء دولة تستمر بعد موتهم، وطبقًا لهذا المقياس فإن المغفور له بإذن الله تعالى صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني سيبقى إرثه واسمه خالدًا في تاريخ دولة قطر باعتباره زعيمًا قاد قطر خلال مرحلة تحول تاريخية كبرى انتقلت فيها دولة قطر إلى مجالات وجوانب جديدة من التنمية والحداثة، ولم يكن هذا التحول مقصورا على الجانب الاقتصادي فقط، بل كان تحولاً شمل جميع الجوانب والمجالات ومن ضمنها القانوني والمؤسسي وأعاد رسم شكل الدولة الحديثة، حيث إن الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني كان يعي أن بناء دولة قوية لا يتحقق بالإنجازات الاقتصادية والمادية وحدها، وإنما يحتاج إلى مؤسسات قانونية متماسكة، وقضاء مستقل، ودستور دائم وقوانين حديثة تواكب العصر وتحقق العدالة الناجزة، ومنظومة قادرة على إدارة هذا التحول السريع الذي تعيشه الدولة، ولذلك جاء مشروع بناء دولة المؤسسات والقانون، الدولة التي يكون القانون هو الأساس لعمل السلطات فيها، وتكون العدالة الناجزة هي إحدى الركائز الأساسية التي تقوم عليها.

يعتبر الدستور الدائم لدولة قطر الصادر في 8 يونيو 2004 محطة رئيسية وجوهرية وحاسمة في التاريخ السياسي والقانوني لدولة قطر، فقد جاء هذا الدستور بعد إعلان نتائج الاستفتاء الشعبي الذي أجري في 29 أبريل 2003 والذي انتهى إلى موافقة الغالبية العظمى من المواطنين القطريين على مشروع الدستور سالف البيان، وشكل إقراره قفزة من مرحلة التنظيم الدستوري المؤقت إلى مرحلة دستورية دائمة ومستقرة، متضمنًا المبادئ الجوهرية الموجهة لسياسة الدولة وتنظيم سلطاتها ونظام الحكم فيها، وإرساء الدعائم الأساسية للمجتمع، وتجسيد المشاركة الشعبية، وضمان الحقوق والحريات للمواطنين، وترسيخ مبادئ دستورية مثل مبدأ سيادة القانون ومبدأ الفصل بين السلطات ومبدأ المساواة بين الناس أمام القانون، ومبدأ أصل البراءة ومبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، مما يحقق الاستقرار ويلبي متطلبات التنمية القانونية والسياسية والإدارية والاقتصادية، حيث إن الدستور الدائم لدولة قطر كان بصمة حقيقية لمكانة القانون في الدولة الحديثة، حيث أكد على أن مبدأ سيادة القانون، كما نص الدستور على استقلال السلطة القضائية، وأن القضاة لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، وهذه المبادئ من الركائز الجوهرية التي تقوم عليها الدولة الحديثة.

ويعتبر تطوير السلطة القضائية أحد أهم أسس مشروع بناء دولة المؤسسات

من المعلوم للكافة أن القضاء من أهم أعمدة بناء الدولة الحديثة دولة القانون والمؤسسات، لذلك جاء قانون السلطة القضائية رقم (10) لسنة 2003 الصادر في 16 مايو 2005 ليشكل قفزة عملاقة في تطوير النظام القضائي بدولة قطر، من خلال توحيد القضاء وإنشاء بناء قضائي متكامل ومتناغم يقوم على عدة درجات للتقاضي تشمل المحكمة الابتدائية، ومحكمة الاستئناف، ومحكمة التمييز، وقد كانت الأخيرة خطوة مهمة وضرورية لتحقيق وحدة الجهة التي تقوم بتفسير القانون واستقرار المبادئ القضائية، مما يزرع الثقة في نفوس الناس بالنظام القضائي، كما نص قانون السلطة القضائية المار بيانه آنفًا على ضمانات استقلال القضاة، وقواعد تعيينهم وترقيتهم ونقلهم وتأديبهم وتقاعدهم، ووضع سياجًا قانونيًا يحمي السلطة القضائية ويضمن قيامها برسالتها بشكل مستقل، مما يرسخ مبدأ استقلال القضاء.

وجاء إنشاء النيابة العامة بموجب القانون رقم (10) لسنة 2002 الصادر في 18 يونيو 2002 من أهم التحولات في تاريخ العدالة الجنائية في دولة قطر، فقد أضحت النيابة العامة هيئة قضائية مستقلة تتولى الدعوى العمومية باسم المجتمع وتشرف على شؤون الضبط القضائي وتسهر على تطبيق القوانين، وتختص دون غيرها بتحريك الدعوى الجنائية ومباشرتها ولا تحرك من غيرها إلا في الأحوال المبينة في القانون، وتهدف إلى عدالة وكفاءة إجراءات التحقيق والاتهام طبقا للدستور والقانون، وتحقيق كفاءة وتكامل متطلبات الدعوى الجنائية وإدارتها بفاعلية، والرقابة بفاعلية وعدالة على حسن تطبيق القانون ابتغاء تحقيق العدالة الناجزة وأمن المجتمع، والموائمة بين حقوق المجني عليهم والمتهمين في ضوء تحقيق العدالة وأمن وسلامة المجتمع القطري وفي إطار حقوق الإنسان، ثم جاء قانون الإجراءات الجنائية رقم (23) لسنة 2004 الصادر في 30 يونيو 2004 ليضع مجموعة القواعد القانونية التي تنظم سير الدعوى الجنائية، ويحدد إجراءات التحقيق والاستدلال، ومراحل المحاكمة وإصدار الأحكام، وصولاً إلى كيفية تنفيذها.

ومن أهم ملامح دولة القانون أن تكون الإدارة العامة خاضعة للرقابة القضائية، فلا تكون قراراتها محصنة من المراجعة والإلغاء إذا خالفت القانون، ولذلك جاء إنشاء القضاء الإداري بموجب القانون رقم (7) لسنة 2007 بشأن الفصل في المنازعات الإدارية الصادر في 26 مارس 2007 ليمنح الأفراد وسيلة قانونية للطعن في القرارات الإدارية وطلب إلغائها أو التعويض عنها بموجب دعاوى الإلغاء والتعويض، وقد مثل ذلك تطورًا جوهريًا في العلاقة بين الإدارة والمجتمع، ورسخ مبدأ الشرعية ومفاده أن جميع سلطات الدولة ومؤسساتها تعمل تحت الدستور والقانون ورقابة القضاء.

واكتمل الصرح القانوني بولادة المحكمة الدستورية العليا بموجب القانون رقم (12) لسنة 2008 بإنشاء المحكمة الدستورية العليا الصادر في 16 يونيو 2008 لتتولى الفصل في المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين واللوائح، والفصل في تنازع الاختصاص بتحديد الجهة المختصة بالفصل في الدعوى من بين جهات القضاء أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي، وذلك إذا رفعت الدعوى عن موضوع واحد أمام جهتين منها، ولم تتخل إحداهما عن نظرها أو تخلت كلتاهما عنها، والفصل في المنازعات التي تنشأ بشأن تنفيذ الأحكام النهائية المتناقضة الصادرة عن جهات قضائية أو جهات ذات اختصاص قضائي وتفسير نصوص القوانين إذا أثارت خلافاً في التطبيق، ويعتبر وجود المحكمة الدستورية ضمانة مهمة لعلو الدستور وتدرج القواعد القانونية، ومن أهم أدوات الدولة الحديثة التي تضمن الرقابة القضائية على التشريع وضمان عدم مخالفته للدستور.

الإرث الحقيقي.. مؤسسات لا تموت

إن القيمة الأعلى والأهم لإرث الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في المجال القانوني لا تتمثل فقط في إصدار الدستور الدائم والقوانين أو إنشاء المؤسسات، بل في الفلسفة التي قامت عليها وهي بناء دولة حديثة متحضرة تعتمد وتقوم على المؤسسات لا على الأفراد، فالتشريعات تعتبر الشرطي الذي ينظم حركة المجتمع والدولة، وهذا هو الاختبار الحقيقي للقادة والزعماء التاريخيين أن يتركوا وراءهم دولًا قادرة على الاستمرار والتطور والبقاء.

خاتمة

سيظل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، في ذاكرة قطر ووجدان شعبها قائدًا وزعيمًا للنهضة الحديثة، ومؤسس دولة قطر الحديثة وباني نهضتها وصانع مجدها، لقد كان مشروع الأمير الوالد مشروع دولة حديثة تقوم على الدستور والعدالة والمؤسسات، وهو إرث سيظل شاهدًا على محطة فارقة في تاريخ قطر، فالقيادات ترحل، لكن دولة القانون تبقى.

مساحة إعلانية