رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في كتاب الله آية محكمة لا يجب أن تمر دون وعي وفهم، قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾.
آيةٌ تُرسي قاعدة أبدية في العلاقة بين الحق والباطل، تُبيّن أن الاختلاف بينهما ليس اختلافاً في الفروع أو التفاصيل، بل هو اختلاف في الجذور والمبادئ والغايات.
تعلن بصيغة قاطعة أن رضا أهل الكتاب، بل رضا كل من خالف سبيل الهدى، ليس غاية تُدرك بالحوار أو بالمجاملة أو بالتنازل عن بعض الثوابت، وإنما هو مشروط بشرط مرفوض من أساسه: أن يترك المؤمن ما جاء به من الوحي، ويتبع أهواء غيره.
إن الحق لا يرضى بالباطل، والباطل لا يطيق بقاء الحق، لأن وجود أحدهما نفيٌ للآخر، ولذلك كان الصراع بين الإيمان والكفر صراع وجودٍ لا يقبل المساومة.
فالله سبحانه يخبر نبيه الكريم محمداً صلى الله عليه وسلم أن سعيه في هداية الناس لا يعني أنه سينال رضاهم ما دام ثابتاً على ما أوحي إليه، لأن القضية ليست في شخصه، وإنما في الرسالة التي يحملها.
وقد يتوهم بعض الناس أن هذه العداوة يمكن أن تزول مع الزمن، أو أن تخفّ بمرور القرون، لكن الله جل وعلا كشف حقيقتها منذ البداية، وأبان أنها ممتدةٌ ما دام الإسلام قائماً بدعوته، وما دامت ملل الكفر ماضية في انحرافها.
أما أسباب هذه العداوة فهي عميقة ومتشابكة، تجمع بين العقيدة والمصلحة، وبين التاريخ والجغرافيا، ويمكن تلخيصها في أربعة محاور كبرى:
أولاً: لأن الإسلام دين لا يساوم ولا يهادن
فهو دين يعلن التوحيد خالصاً لله، ويرفض أنصاف الحلول، ولا يرضى بخلط الحق بالباطل.
جاء ليهدم الجاهلية لا ليُساكنها، وليقيم العدل لا ليرقّع به بُنى الظلم.
ولذلك لا يُطاق الإسلام في نظر أعدائه إلا إذا تجرد من روحه، وتحوّل إلى طقوسٍ شكليةٍ لا أثر لها في الواقع، أي حين يتخلى عن ذاته.
ثانياً: لأنه مشروع يقاوم مشاريعهم
فالإسلام ليس فكرة روحية مجرّدة، ولا تعاليم أخلاقية معزولة عن الحياة، بل هو مشروع حضاري متكامل، يرسم منهجاً للعبادة والسياسة والاقتصاد والاجتماع. مشروعٌ يحرر الإنسان من العبودية للمال والسلطة، ويقيم موازين القسط على أساس من الإيمان بالله وحده.
وهذا ما يجعل منه خصما لكل مشروع استعماري أو مادي يريد أن يُبقي الإنسان أسيراً للشهوات والمصالح. ومن هنا كانت معاداتهم له دفاعاً عن وجودهم الحضاري لا عن مجرد معتقد دينيّ.
ثالثاً: لأن أرضه قلب الصراع
فأرض الإسلام الأولى هي مهد الرسالات، وموطن الوحي، ومركز التوحيد في الأرض.
إنها الأرض التي اختارها الله لتكون منطلقاً للنور، ولذلك كانت مطمعاً لكل القوى التي أرادت أن تملك زمام التاريخ. من سيطر على هذه الأرض تحكّم في وجدان البشرية الديني، ومن فقدها فقد رمزيته الروحية. ولهذا بقيت معركة القدس والأرض المباركة جوهر الصراع بين الإسلام وأعدائه منذ فجر الرسالة حتى اليوم.
رابعاً: لأنها أرض الثروات والمفاتيح
فمنذ العصور القديمة كانت بلاد المسلمين مفترق الطرق بين القارات، ومصدر الثروات الطبيعية وممرّ التجارة. واليوم هي محور الطاقة في العالم، ومركز التحكم في الممرات البحرية، وبوابات العالم الاقتصادية. فالصراع عليها ليس دينياً فحسب، بل هو صراع مصالح وإستراتيجيات، تتداخل فيه المطامع الاقتصادية مع النزعة العقدية، فيصبح الدين عند أعداء الإسلام غطاء لمطامع السيطرة والهيمنة.
وهكذا يتبين أن الصراع بين الإسلام وأعدائه أعمق من مجرد جدل ثقافي حول هوية أو قيم مشتركة، بل هو صراع بين منهجين متقابلين: منهجٍ يردّ الأمور كلها إلى الله، ومنهجٍ يجعل الإنسان إلهاً على الأرض. ومن هنا لا يمكن أن يجتمع الإسلام الحق مع الباطل في طريقٍ واحد، لأن الإسلام لا يقبل أنصاف الولاءات ولا أنصاف الحلول، ولا يرضى بأن يُختزل إلى تراث ثقافي أو رمز روحي منزوع الدلالة.
إن هذه السنّة الربانية تُورث المؤمن يقيناً وصموداً، وتمنحه بصيرةً في النظر إلى حركة التاريخ، فيعلم أن عداء الباطل له ليس عارضاً، وأن ثباته على الحق هو أعظم أسباب بقائه.
وبهذا الفهم يعيش المؤمن في زمن الفتن مستنيراً بنور الوحي، ثابت الخطى، عزيزاً بدينه، لا تزعزعه حملات التشويه، ولا تخدعه شعارات التسامح التي يراد بها نزع سلاح العقيدة من قلبه.
فمن استمسك بهذا الوعي، أدرك أن الصراع القائم اليوم بين الإسلام وأعدائه ليس معركة حدود أو مصالح فحسب، بل معركة قيمٍ ومناهجٍ ومصائر، وأن النصر فيها لا يُنال بالعدد والعدة فقط، بل بثبات الهوية وصيانة المنهج، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في مقالي هذا، سأركز على موقفين مفصليين من نهائي كأس الأمم الإفريقية الذي جمع بين منتخب المغرب ومنتخب السنغال. مباراة كان من المفترض أن تعكس روح التنافس والاحتكام للقوانين، لكنها شهدت أحداثًا وأجواءً أثارت الاستغراب والجدل، ووضعت علامات استفهام حول سلوك بعض المسؤولين واللاعبين، وما إذا كانت المباراة حقًا تعكس الروح الرياضية التي يفترض أن تحكم مثل هذا الحدث القاري المهم. الموقف الأول يتعلق بتصرف مدرب منتخب السنغال، بابي ثياو، حين طلب من لاعبيه الانسحاب. هذا السلوك يثير علامات استفهام عديدة، ويُفهم على أنه تجاوز للحدود الأساسية للروح الرياضية وعدم احترام لقرارات الحكم مهما كانت صعبة أو مثيرة للجدل. فالمدرب، قبل أن يكون فنيًا، هو قائد مسؤول عن توجيه لاعبيه وامتصاص التوتر، وليس دفع الفريق نحو الفوضى. كان الأجدر به أن يترك الاعتراض للمسارات الرسمية، ويدرك أن قيمة الحدث أكبر من رد فعل لحظي قد يسيء لصورة الفريق والبطولة معًا. الموقف الثاني يتعلق بضربة الجزاء الضائعة من إبراهيم دياز. هذه اللحظة فتحت باب التساؤلات على مصراعيه. هل كان هناك تفاهم صامت بين المنتخبين لجعل ضربة الجزاء تتحول إلى مجرد إجراء شكلي لاستكمال المباراة؟ لماذا غابت فرحة لاعبي السنغال بعد التصدي؟ ولماذا نُفذت الركلة بطريقة غريبة من لاعب يُعد من أبرز نجوم البطولة وهدافها؟ برود اللحظة وردود الفعل غير المعتادة أربكا المتابعين، وترك أكثر من علامة استفهام دون إجابة واضحة، مما جعل هذه اللحظة محاطة بالشكوك. ومع ذلك، لا يمكن القول إن اللقب ذهب لمن لا يستحقه، فمنتخب السنغال بلغ النهائي بجدارة، وقدم مستويات جيدة طوال مشوار البطولة. لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن المغرب أثبت أنه الأجدر والأقرب للتتويج بما أظهره من أداء مقنع وروح جماعية وإصرار حتى اللحظات الأخيرة. هذا الجيل المغربي أثبت أنه قادر على تحقيق إنجازات تاريخية، ويستحق التقدير والثناء، حتى وسط لحظات الالتباس والجدل. ويحسب للمنتخب السنغالي، قبل النتيجة، الموقف الرجولي لقائده ساديو ماني، الذي أصر على عودة زملائه إلى أرض الملعب واستكمال المباراة. هذا القرار جسد معنى القائد الحقيقي الذي يعلو باللعبة فوق الانفعال، ويُعيد لكرة القدم وجهها النبيل، مؤكدًا أن الالتزام بالقيم الرياضية أحيانًا أهم من النتيجة نفسها. كلمة أخيرة: يا جماهير المغرب الوفية، دموعكم اليوم تعكس حبكم العميق لمنتخب بلادكم ووقوفكم معه حتى اللحظة الأخيرة يملؤنا فخرًا. لا تحزنوا، فالمستقبل يحمل النجاح الذي تستحقونه، وستظلون دائمًا مصدر الإلهام والأمل لمنتخبكم.
3567
| 20 يناير 2026
بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري أمام السنغال، جاءت ليلة نصف النهائي لتؤكد أن كرة القدم لا تعترف إلا بالعطاء والقتال على أرض الملعب. قدمت مصر أداءً مشرفًا وأظهرت روحًا قتالية عالية، بينما كتب المغرب فصولًا جديدة من مسيرته القارية، مؤكدًا تأهله إلى النهائي بعد مواجهة ماراثونية مع نيجيريا امتدت إلى الأشواط الإضافية وحسمت بركلات الترجيح. المباراة حملت طابعًا تكتيكيًا معقدًا، اتسم بسرعة الإيقاع والالتحامات القوية، حيث فرض الطرفان ضغطًا متواصلًا طوال 120 دقيقة. المنتخب المغربي تعامل مع هذا الإيقاع بذكاء، فحافظ على تماسكه وتحكم في فترات الضغط العالي دون ارتباك. لم يكن التفوق المغربي قائمًا على الاستحواذ وحده، بل على إدارة التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق في المباريات الكبرى. تجلّى هذا التوازن في الجمع بين التنظيم الدفاعي والقدرة على الهجوم المنظم. لم يغامر المغرب دون حساب، ولم يتراجع بما يفقده زمام المبادرة. أغلق اللاعبون المساحات وحدّوا من خطورة نيجيريا، وفي المقابل استثمروا فترات امتلاك الكرة لبناء الهجمات بهدوء وصناعة الفرص، ما منحهم أفضلية ذهنية امتدت حتى ركلات الجزاء. في لحظة الحسم، تألق ياسين بونو، الذي تصدى لركلتي جزاء حاسمتين بتركيز وثقة، وهو ما منح المغرب بطاقة العبور إلى النهائي وأثبت حضوره في اللحظات المصيرية. على الصعيد الفني، يواصل وليد الركراكي تقديم نموذج المدرب القارئ للمباريات بإدارة متقنة، ما يعكس مشروعًا قائمًا على الانضباط والواقعية الإيجابية. هذا الأسلوب أسهم في تناغم الفريق، حيث أضاف إبراهيم دياز لمسات فنية ومهارات فردية ساعدت على تنويع الهجمات وصناعة الفرص، بينما برز أشرف حكيمي كقائد ميداني يجمع بين الصلابة والانضباط، مانحًا الفريق القدرة على مواجهة أصعب اللحظات بثقة وهدوء، وخلق الانسجام التكتيكي الذي ساعد المغرب على التقدم نحو ركلات الجزاء بأفضلية ذهنية واضحة. ولا يمكن فصل هذا الإنجاز عن الجمهور المغربي، الذي شكّل سندًا نفسيًا هائلًا، محولًا المدرجات إلى مصدر طاقة ودافع مستمر. كلمة أخيرة: الآن يستعد المغرب لمواجهة السنغال في النهائي، اختبار أخير لنضج هذا المنتخب وقدرته على تحويل الأداء المتزن والطموح المشروع إلى تتويج يليق بطموحات أمة كروية كاملة.
1458
| 16 يناير 2026
في رحلتي من مطار حمد الدولي إلى منزلي، دار بيني وبين سائق الليموزين – وهو عامل من الجنسية الهندية – حوار بسيط في شكله، عميق في مضمونه. بدأته بدافع الفضول: سألته متى قدم إلى قطر؟ فقال: منذ عام 2018 وحتى اليوم. ثم استرسل في الحديث بعفوية وصدق، حتى وجدت أن مجمل ما قاله يمكن اختصاره في ثلاث نقاط أساسية، لكنها كفيلة بأن تقول الكثير عن هذا الوطن. أولًا: أهل قطر… السمعة قبل الكلام تحدث الرجل عن أهل قطر بإعجاب واضح، قائلاً إنهم ناس محترمون، متحضرون، لا تصدر منهم إساءة، ويحترمون الكبير والصغير والغريب قبل القريب. وأضاف عبارة لافتة: أحيانًا يفتعل بعض الناس مشاكل ويقولون إنهم من أهل قطر، لكننا نعرف أن هؤلاء ليسوا قطريين… لأن القطري معروف ولا يقول عن نفسه أنا قطري !، ثم ان أهل قطر معروفون بأخلاقهم. وأكد أنه لا يتحدث عن نفسه فقط، بل عن انطباعٍ عام لدى كثير من العمالة الآسيوية. اعتراف صادق فجّر في صدري شعورًا بالفخر، لأن السمعة الطيبة لا تُصنع بالإعلام، بل بالسلوك اليومي. ثانيًا: الأمن والأمان… سبب البقاء انتقل للحديث عن قطر كدولة، فوصفها بأنها منظمة، نظيفة، هادئة، وآمنة. وقال إنه تلقى عروض عمل في دول عربية وأجنبية، قريبة وبعيدة، لكنه فضّل البقاء في قطر، لا لشيء إلا لأنه يشعر بالأمان والطمأنينة. المدينة – كما قال – هادئة، والقيادة فيها ممتعة، والمسؤولون محترمون. وهنا لا تتحدث لغة الأرقام، بل يتكلم الإحساس. ثالثًا: الشرطة… القانون يحمي الجميع أما النقطة الأهم – في رأيه – فكانت حديثه عن تعامل رجال الشرطة. قال إن الشرطة في قطر تحترم الجميع، مهما كانت الوظيفة أو الجنسية، وإنها حريفة في أخذ الحقوق. وأضاف: إذا حدثت أي مشكلة، أنصح أي شخص بالذهاب إلى مركز الشرطة… الشرطة في قطر تستمع بهدوء واحترام، وتأخذ الحق وفق القانون، سواء كان الخصم مواطنًا أو غير مواطن. كلام يحسب لوزارة الداخلية، ويؤكد أن العدالة حين تُمارس بعدل، تصبح مصدر أمان لا خوف. خلاصة الحوار هذه النقاط الثلاث – كما قال السائق – هي ما جعله يحب العيش في قطر، ويشعر بالأمان، ويستمتع بالحياة فيها. أما بالنسبة لي، فقد كان هذا الحديث البسيط ردًا عمليًا، هادئًا، صادقًا، على كثير من التقارير والادعاءات التي تتحدث باسم حقوق الإنسان، بينما الحقيقة ينطق بها من عاش التجربة. تحية لقطر شعبًا، وتحية لوزارة الداخلية، وتحية لكل سلوكٍ يومي يصنع صورة وطن… دون ضجيج.
783
| 15 يناير 2026