رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أوتا بينغا شاب أفريقي كان يعيش في الأراضي التي كانت تسمى يوما "الكونغو البلجيكية"، ينتمي لشعب مبوتي إحدى مجموعات الأقزام التي تقطن تلك الأراضي، ويعني اسمه في لغته المحلية "الصديق"، كان أباً لطفلين، لم يتجاوز الحادية والعشرين من العمر، يعيش حياة هانئة مستقرة، لم يكن في المنزل عندما وقعت الفاجعة التي قلبت حياته رأساً على عقب، في العام 1904، إذ كان في رحلته اليومية للبحث عن طعام يطعم به عائلته الصغيرة.
عاد أوتا بينغا الذي لا يتجاوز طوله مترا ونصف المتر إلى قريته حاملاً معه الطعام لأسرته، فوجد زوجته وطفليه صرعى مضرجين بدمائهم مع كل أفراد مجموعته من الأقزام، فقد تعرضوا لهجوم وحشي وإبادة جماعية على يد مجموعة من المستعمرين، بعد رفضهم العمل في مزارع المطاط، فقضوا عليهم وأبادوهم عن بكرة أبيهم، ولم ينجُ منهم سوى قلة من الذين كانوا برفقة أوتا بينغا خارج القرية، فتم أسرهم واقتيادهم نحو المجهول.
في تلك الأثناء، كان المبشر الأمريكي صموئيل فيليبس فيرنر، الذي تحول إلى مستكشف يجوب الأرجاء والمستعمرات بحثا عن حيوانات غريبة يتاجر بها، في مهمة استكشافية في الكونغو، كُلف بها من قبل العالم ويليام جون ماكجي، المتخصص في علوم الانثروبولوجيا، بهدف العثور على "الحلقة المفقودة" وجلبها معه الى الولايات المتحدة الأمريكية.
وبعد أن شاهد المبشر صموئيل أوتا بينغا شعر أنه وجد ضالته فاشتراه من مرتكبي المجزرة من المستعمرين بثمن بخس، ولم يدفع ثمنه بالمال، بل بكمية قليلة من الملح! وعاد به في قفص كالحيوان الى الولايات المتحدة، حيث تم عرضه في معرض سانت لويس العالمي في ميزوري الذي أقيم بهدف استعراض الأجناس ورسم خارطة لتطور الإنسان، فتقرر أن يتم وضع أوتا بينغا في أدنى مراتب الإنسانية ليكون شاهداً على توحش الشعوب البربرية البعيدة والغريبة ودليلاً على صحة نظرية التطور، و تم تقديمه للجمهور كالحلقة المفقودة بين القرد والإنسان!.
اجتذب المعرض 20 مليون زائر جاؤوا ملؤهم الشغف لمشاهدة أوتا بينغا المتوحش والبدائي، وما دعّم تلك النظرة عنه، أسنانه المنحوتة والحادة والتي بدت كالأنياب وهي ممارسة كانت شائعة لدى قبائل الكونغو، فتم تصويره كأحد آكلي لحوم البشر، وهو لم يكن كذلك.
في نهاية المعرض تم تكريم صموئيل فيليبس فيرنر نظير جهوده الانثروبولوجية في اكتشاف الحلقة المفقودة وإسهامه المهم والكبير في إثراء الحقل العلمي.
وبعد عامين من المعرض ولعدم استطاعة صموئيل إطعام أوتا بينغا البائس، قام بإعارته لحديقة حيوان "برونكس" في مدينة نيويورك ليوضع في قفص للقرود، جنباً الى جنب مع الشمبانزي، ليظهر كسلف قديم للإنسان، ونجح أوتا بينغا في اجتذاب 40 ألف متفرج جاؤوا لمشاهدة ماضيهم الغابر في هذا الإنسان الضعيف، إلى أن تصاعدت الاحتجاجات والانتقادات عبر الصحافة، والتي قادها الأمريكيون السود في البداية، لتنتشر لاحقا في الصحافة الشعبية، منددة بذلك الفعل والسلوك، والذي وصفته بالسوك الوحشي الذي لا ينبغي على دولة متحضرة أن تمارسه.
قبل مائة عام وإبان حقبة الاستعمار كانت تلك الممارسات أمراً شائعا ومقبولاً، وقد استمرت منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية، فكان يؤتى بالسكان الأصليين من المستعمرات في أفريقيا واستراليا وشتى أصقاع العالم التي وطأتها قدم المستعمر، ليتم وضعهم في ما يسمى بـ"حدائق الحيوان البشرية" في أوروبا والولايات المتحدة، جنبا إلى جنب مع مختلف أنواع الحيوانات.
وبجانب الوضع المزري والذل الذي كان يتعرض له أولئك البشر، كانوا يرغمون على أداء أدوار مسرحية لا تتوافق مع واقعهم الفعلي، فكانوا يقومون بأداء عروض تظهرهم بمظهر بدائي متوحش أو آكلي لحوم البشر، في عملية يبرر من خلالها الأوروبي استعماره لأفريقيا، ويبرز التفوق المزعوم للعرق الأبيض.
تعطينا تلك القصص التي سجل التاريخ نزراً يسيراً منها، وضاعت الغالبية العظمى من تلك الوقائع المأساوية والوحشية ولم تحفظها ذاكرة التاريخ وطواها النسيان، دليلاً شاخصا على المدى الذي من الممكن أن تصل إليه قسوة الإنسان تجاه أخيه الإنسان، وفي الوقت الذي سجل لنا التاريخ بعضا من تلك البشاعات والقصص التي تحكي قسوة المستعمر وما مارسه من إبادة جماعية واستعباد، نجد أن إنسان ذلك الوقت كان يظن أنه بلغ أوج الحضارة والتحضر، وأنه بفعله ذاك كان ينشر التطور والتقدم، مزهوا بمنتجاته الحضارية وآلاته البخارية التي ابتكرها للتو، متباهياً باستخدامه للأسلحة النارية التي قلبت موازين القوى ليطوع بها بني جنسه، ويستعبده و يفنيه، إلا أننا في الوقت الراهن عندما نسترجع تلك الأحداث والقصص تلوح لنا كشواهد خالدة على انحدار الإنسانية إلى أبشع صورها، يرافقها الندم والاعتراف بالذنب، ومحاولة إصلاح ما يمكن إصلاحه.
في ما مضى كانت العبودية أمراً عادياً تجد من الأعذار والحجج التي يبرع الإنسان في اختلاقها ما يبررها ويقننها، فحتى وقت قريب نسبياً كان العبيد يشحنون من المستعمرات الأفريقية في السفن مكومين في وضع غير مقبول، لا يسمح به حاليا حتى للبهائم، مكبلي الأيدي والأقدام، ليُعبر بهم المحيط الأطلسي نحو العالم الجديد، فينجو من ينجو ويموت الغالبية منهم فيلقون في البحر طعاما للأسماك، وتشير تقديرات إلى أن عدد العبيد الذين تم شحنهم في سفن الموت تلك، يفوق اثنى عشر مليون إنسان، في حين يقدر البعض أن عددهم يفوق هذا الرقم بكثير.
عندما نتأمل تلك الوقائع والأحداث، وما أفرزته من وجهات نظر تجاهها في ذلك الوقت ونقارنها بتقييمنا لها حاليا نجد تباينا كبيرا في الأحكام. وأمام إقرارنا بذنب الإنسانية حينها، يتبادر إلى الذهن سؤال مهم، وهو: هل نضمن أن تصرفاتنا المعاصرة والمقبولة حالياً لن يُحكم عليها مستقبلاً بالهمجية والبربرية، وستندم عليها الإنسانية حينها؟
يظن الإنسان أن الحضارة القائمة وما يترافق معها من مظاهر التقدم والتطور بلغت منتهاها، وأن البشرية وصلت الى النضوج الكافي والتطور الفكري التام، وأن الإنسان لم يعد بحاجة لمراجعة القيم التي تؤطر أفعاله وتحكم واقعه وحياته، إلا أن الأمر لا يبدو كذلك للأسف، فالمتأمل للواقع يجد أن كثيرا من السلوكيات البشرية التي تمارس في إطار الحضارة والتقدم، تشي بأننا سنندم عليها مستقبلاً وسيدينها أحفادنا ويخجلون من ذكرها، وستكون تركة ثقيلة نورثها لهم.
تعاني حضارتنا الصناعية الفاتنة، بالرغم مما تقدمه لنا من فوائد ومغريات، من خلل كبير يكشف لنا أن الحضارات لا تسلك طريقاً ذا اتجاه واحد بالضرورة، ولا ترتقي المراتب نحو العُلا حتمياً، وأنه دون أن يعي ويتنبه الإنسان لذلك، فإنه مهدد بالفناء وبانهيار حضارته في أي لحظة.
إن السلوكيات المشينة التي يبررها إنسان العصر الحديث من قتل ودمار وحروب، تبين بشكل جلي أنه لم يصل بعد إلى مرحلة النضوج والاستنارة الفكرية، وطالما أننا نقتل بعضنا بعضا لأسباب واهية، وطالما يوجد في العالم جياع في الوقت الذي يعاني فيه آخرون من السمنة المفرطة الى درجة الموت من مضاعفات الشبع، وفي الوقت الذي يستحوذ (1%) من سكان العالم على 50 % من ثرواته في حين يتقاسم الـ 99% النصف الباقي، فلا شك أنه لا يزال بيننا وبين النضوج الإنساني بون شاسع.
من بين المخلوقات التي تشاركنا الكوكب وتعاني منا أشد معاناة من تدمير لبيئتها والقضاء على سلالاتها لأسباب واهية، فإن الانسان هو الكائن الوحيد من بينها الذي يقوم بقتل بني جنسه لأسباب تافهة، فالحيوان لا يقتل أخاه في"الحيوانية" إلا لسبب وجيه "حيوانياً" كالدفاع عن النفس او لردء خطر محدق، في حين قد يقتل الإنسان أخاه الإنسان لاختلاف لونه أو عرقه أو دينه! او حتى عندما يختلف معه في وجهات النظر! كما أنه لا يوجد من بين المخلوقات من يقوم بتدمير بيئته بمحض إرادته سوى الإنسان، فيلوثها ويضرم النيران فيها ويستنزف ثرواتها ويجفف أنهارها وينابيعها، ويهلك حرثها ونسلها.
ومن يعلم ربما يأتي يوم من الأيام تندم فيه الإنسانية على ما مارسته من سلوك تجاه الحيوانات من قتل وتعذيب وإبادة واحتجاز، كما تندم اليوم على ما قامت به تجاه أوتا بينغا.
علاوة على ذلك، فإن إنسان اليوم الذي يظن أنه بلغ مرحلة النضوج الكافية، مهووس بالتسلح ليحمي نفسه من بني جنسه، وكذلك يفعل الآخرون من بني جنسه، الكل يحاول امتلاك أسلحة الدمار الشامل خوفاً على نفسه من الآخر، وهم جميعاً يعلمون يقيناً ويعرفون تمام المعرفة، أن تلك الأسلحة، التي من المفترض أن تحمي الإنسان، لو أنها استخدمت لأبيدت البشرية برمتها.
يقول العالم الشهير آينشتاين: أنا لا أعرف بأي أسلحة ستخاض الحرب العالمية الثالثة، ولكن الحرب العالمية الرابعة ستخاض بالعصي والحجارة، في حين يرى المفكر الأمريكي البارز نعوم تشومسكي أن العالم مصمم على السقوط نحو الهاوية.
مازال أمام الإنسان مشوار قد يطول حتى يصل للحكمة التي ستبقيه متفوقاً وسيداً على العالم، ومن دون النظر لواقعنا بنظرة موضوعية جادة، فإن مسيرتنا لبلوغ أوج الحضارة ليست حتمية التحقق، وسنبقى دائماً مهددين بالانتكاس ورجوع القهقرى، في أي وقت، وستظل حضارتنا التي نراها مستقرة ومستمرة في الصعود الى أعلى، قاب قوسين أو أدنى من السقوط في الهاوية في أي وقت، وحينها لن ينفع الندم.
لقد أثمر الضغط الشعبي الذي مارسته الصحافة في الولايات المتحدة إلى تنبيه الرأي العام لقضية أوتا بينغا، ونجحت تلك المساعي في إطلاق سراحه وإخراجه من حديقة الحيوان إلى عالم البشر، وتم إلحاقه في البداية بدار للأيتام تتبع للكنيسة، حتى بدأ في تلقي التعليم النظامي وتعلم الانجليزية واستطاع أن يتحدث بها، ونجح في الحصول على وظيفة كعامل في مصنع للسجائر، وكان حينها محط أنظار الجميع يتسمر حوله زملاؤه في العمل في أوقات الاستراحه لسماع قصته المأساوية ليروحوا عن أنفسهم ويسلوا خواطرهم، ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى فقد أوتا بينغا الأمل الذي كان يحدوه بالعودة الى موطنه ومسقط رأسه على ضفاف نهر كاساي في "الكونغو"، فسرق مسدسا وأطلق النار على قلبه ومات منتحرا بعد اثنى عشر عاماً من الأسى والعذاب وهو يناهز من العمر الثانية والثلاثين، ودفن ودفنت معه قصة مأساوية تحكي فصلاً مظلماً من تاريخ الإنسانية الغربية، وتروي جزءاً يسيراً من قسوة المستعمر، وتدلل على أن الذين جاؤوا من كل حدب وصوب ليحدقوا في أوتا بينغا وهو قابع في قفص بجوار الحيوانات فشلوا في رؤية الإنسان في داخله ولم يلحظوا بريق الإنسانية الذي يشع من عينيه.
سيرى العالم قدرة قطر على استضافة أحداث عالمية بنجاح استثنائي
في عام 1993، انتهى "شكلياً على الأقل" نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، أو ما يسمى بالـ(الأبارتايد)، والقائم... اقرأ المزيد
4314
| 10 نوفمبر 2022
المجلس المنتخب بين الواقع... والمأمول
خلال الفترة الماضية، تصدرت مستجدات مجلس الشورى عناوين الأخبار، وما زالت، إلا أنها لم تعد كالسابق، فقد انتقلت... اقرأ المزيد
2458
| 16 ديسمبر 2021
هكذا تكلم أبو تريكة
اعرف ابو تريكة بالاسم، ولكنني لو شاهدته قبل اليوم لما عرفته، ليس لكونه مجهولاً بل لجهلي أنا الكبير... اقرأ المزيد
3568
| 09 ديسمبر 2021
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3030
| 24 سبتمبر 2026