رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. غالية بنت عيسى الزبيدي

• شاعرة وكاتبة وباحثة في اللسانيات الحديثة وتحليل الخطاب
الفائزة بجائزة سرد الذهب بدورتها الثالثة لعام 2025

مساحة إعلانية

مقالات

633

د. غالية بنت عيسى الزبيدي

فن الخطاب

19 نوفمبر 2025 , 03:00ص

اللغة ليست مجرد نظام من القواعد النحوية والصرفية، بل هي كائن حي يتفاعل مع المجتمع، ويتأثر بتحوّلاته الثقافية والاجتماعية. ومن أبرز الأمثلة على هذا التفاعل ما جرى لحرف الواو، الذي عُرف في النحو العربي كحرف عطف يجمع بين المعاني أو يُفيد المساواة والمشاركة، غير أنّه في التداول الاجتماعي الحديث تحوّل إلى رمزٍ لمعنى آخر، ارتبط بما يُعرف بـ»الواسطة» أو «الوساطة»، وأصبح دليلاً على خلل اجتماعي يتجاوز وظيفته الأصلية في النصوص اللغوية.

ففي النحو العربي، كانت الواو أداةً للربط والمساواة، تجمّع بين الأشياء دون أن تمنح أي طرف أفضلية على الآخر: جاء زيدٌ وعمرو. هنا، لا وزن للواو سوى جمع العناصر، ولا دلالة اجتماعية إلا التواصل والتناغم بين المعاني. ولكن مع مرور الزمن، تغيرت الواو. في الحياة اليومية، يقول الناس: فلان له واو، وكأن الحرف النحوي قد اكتسب حياة اجتماعية جديدة، محمّلة بالتحيز والمحاباة. 

الواو في وظيفتها النحوية:

منذ البدايات الأولى للنحو العربي، احتلّت الواو مكانةً أساسية ضمن حروف العطف. فهي أداة للجمع دون ترتيب، كقولنا: جاء زيدٌ وعمرو، حيث تفيد المساواة في الحضور. كما تأتي الواو للاستئناف، أو للحال، أو للقَسم، وكلها وظائف دلالية ونحوية تضبط المعنى وتوضّح العلاقات بين الكلمات والجمل. 

لقد كانت الواو إذن أداةً تنظيمية داخل اللغة، تسعى إلى تحقيق الوصل، لا الفصل، والجمع لا التفرقة، وتسعى لإرساء التوازن بين الأجزاء اللغوية وليس العكس. 

التحول من النحو إلى المجتمع:

مع تطوّر الحياة الاجتماعية وتغيّر القيم، انتقل حرف الواو من فضائه اللغوي المحض إلى فضاء اجتماعي جديد. فأصبح الناس يعبّرون بقولهم: «فلان له واو»، أي أنّ له شخصًا متنفّذًا يسهّل أموره ويزيل العوائق أمامه. هكذا تحوّلت الواو من رمزٍ للعطف والتكافؤ إلى رمزٍ للمحاباة والتجاوز، ومن أداة لغوية بريئة إلى دلالة اجتماعية سلبية.

ولفهم هذا التحول، لا بد من التفريق بين الوساطة والواسطة:

الفرق بين «الوساطة» و«الواسطة»:

الوساطة: مفهوم مشروع في كثير من الحالات، يقوم على السعي للإصلاح بين طرفين أو لتيسير حلّ نزاع، وقد وردت الكلمة في التراث العربي والإسلامي بمعنى محمود، لأنها ترتبط بالصلح وتقريب وجهات النظر، كقوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا}

فالوساطة إذن وظيفة اجتماعية إيجابية، قائمة على العدل وإحقاق الحق.

الواسطة: على العكس تمامًا، فهي استخدام النفوذ الشخصي أو القرابة أو الصداقة للحصول على مكاسب غير مستحقّة، أو لتجاوز القوانين والأنظمة. وهنا تكمن المشكلة، إذ تُضعف الواسطة قيم العدالة وتكافؤ الفرص، وتفتح بابًا للفساد والتمييز.

سلبيات الواسطة والوساطة المنحرفة:

لقد أدّت ثقافة «الواو» الاجتماعية إلى نتائج سلبية كثيرة، من أبرزها:

*إضعاف الثقة في المؤسسات: حين يُقدَّم غير الكفء على الكفء بسبب «الواو»، يفقد الناس إيمانهم بعدالة النظام.

*تعطيل مبدأ تكافؤ الفرص: الواسطة تُقصي أصحاب الكفاءات وتمنح الامتيازات لمن لا يستحق.

*إشاعة ثقافة الاتكالية: يعتمد الأفراد على العلاقات الشخصية أكثر من اعتمادهم على الجهد والعمل.

*نشر الفساد الإداري: تتحوّل المؤسسات إلى شبكات مصالح شخصية، بدلًا من أن تكون أدوات لخدمة الصالح العامة. 

إنّ رحلة حرف الواو من النحو إلى المجتمع تكشف عن قدرة اللغة على تجسيد الواقع وتحولاته. غير أنّ هذا التحول لم يكن بريئًا؛ إذ حمَل معه دلالات سلبية عمّقت من أزمة العدالة في المجتمعات العربية. ومن هنا فإنّ الفرق بين «الوساطة» كقيمة إصلاحية مشروعة، و»الواسطة» كأداة فساد اجتماعي، يجب أن يكون واضحًا في أذهان الناس. فالواو التي وُجدت أصلًا للجمع والتكافؤ، لا ينبغي أن تُختزل في رمز للمحاباة وإقصاء القيم النبيلة.

ختامًا:

إن رحلة حرف الواو من فضائه النحوي إلى معترك الواقع الاجتماعي تعلمنا درسًا مهمًّا عن العلاقة بين اللغة والمجتمع، وعن مدى قدرة الكلمات على تجسيد القيم أو تشويهها. فالواو التي وُجدت لتجمع ولا تفرق، لتوحد المعاني وتحقق المساواة بين العناصر، لا ينبغي أن تتحوّل إلى رمز للمحاباة والتفضيل، كما حدث في زمن الواسطة.

إن إعادة الواو إلى وظيفتها الأصلية ليست مجرد استعادة حرف، بل استعادة لقيم العدالة والإنصاف، ومراجعة للضمير الاجتماعي الذي يسمح للكلمة أن تُعبر عن ما هي له أصلاً: رابط بين الناس لا حاجز بينهم، حضور متساوٍ للجميع، ومساواة تُكرّس المعنى لا الفساد.

 لنعد للواو روحها الأولى، روح التوافق، روح المشاركة والعدل، بعيدًا عن أي تحيز أو تمييز، لتكن الواو شجرة ونحن الماء الذي يطفئ عنها نار التفرقة والتمييز ويسقيها بنور الجمع الذي يحق لكل ذي حقٍ حقه.

اقرأ المزيد

alsharq جاهزية الخطط التنفيذية لتحقيق الاستقرار المالي

تجسد العروض الخاصة بالخطة التنفيذية لجاهزية ومرونة البنية التحتية الحرجة، وعروض مصرف قطر المركزي ووزارة المالية المتعلقة بالخطط... اقرأ المزيد

96

| 07 أبريل 2026

alsharq إدارة الأزمات.. وجه آخر للمسؤولية المجتمعية

سبق لنا وأن بينا، في مقال سابق، بأن الأزمات في الغالب هي أزمات فردية، تلم بفرد أو مؤسسة... اقرأ المزيد

132

| 07 أبريل 2026

alsharq ما بعد الضجيج.. من يحدد شكل الشرق الأوسط القادم؟

لم تعد التطورات الجارية في المنطقة تُقرأ بمنطق التصعيد التقليدي، حيث تتدرج الأزمات من توتر إلى مواجهة ثم... اقرأ المزيد

309

| 07 أبريل 2026

مساحة إعلانية