رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

كيف حالكم يا قوم؟ لنسأل اللغة: هل ما زلنا أقواماً؟

لو أن أحدنا عاد بالزمن ألف عام إلى الوراء، ثم وقف في سوق من أسواق العرب، أو في نادٍ من أنديتهم، أو عند مضارب القبائل في ليلة عربية، لسمع النداء يتردد في الأرجاء: "يا قوم!"، وكأن الكلمة مفتاح الحديث، وعنوان الخطاب، وجسر العبور إلى القلوب. فمن هم القوم؟ ولماذا التصقت هذه الكلمة بالعرب حتى كادت تكون جزءًا من موسيقى لغتهم اليومية؟ الحكاية تبدأ من الجذر العربي العجيب: (ق و م) وهو جذر يكاد يكون من أكثر الجذور العربية حيويةً وحركةً. فالقيام ضد القعود، والقيامة نهوض بعد سكون، والقِوام ما تقوم به الحياة، والاستقامة اعتدال في السلوك، والقيمة منزلة الشيء ومقداره. إنها أسرة لغوية كاملة تدور حول معنى واحد كبير: القيام والاعتدال والثبات والنهوض. ومن هنا جاءت كلمة القوم، والقوم في أصل الاستعمال جماعة من الناس يقوم بعضهم ببعض، ويتساند بعضهم إلى بعض، ويشكلون كيانًا واحدًا متماسكًا. وكأن العربي القديم كان ينظر إلى الجماعة على أنها بناء لا ينهض إلا بأعمدته، فإذا سقط أحدها اختل البناء كله. لهذا لم يكن نداء "يا قوم" مجرد لفظة عابرة، بل كان إعلانًا عن رابطة الانتماء. فحين يقول الخطيب: "يا قوم"، فإنه لا يخاطب آذان الناس فقط، بل يخاطب ما يجمعهم من نسب أو وطن أو عقيدة أو مصير. ولعل هذا يفسر كثرة ورود الكلمة في القرآن الكريم، فما أكثر ما نقرأ على ألسنة الأنبياء: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾. تتكرر في مواضع عديدة، على لسان نوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم عليهم السلام. ومن لطائف التعبير القرآني أن الأنبياء، رغم مخالفة أقوامهم لهم، لم يتخلوا عن هذه الرابطة اللفظية. كانوا يقولون: "يا قوم"، لا "يا هؤلاء". ففي النداء اعتراف بالانتماء، وحرص على الهداية، واستدعاء لعاطفة القربى والمودة. أما الأقوام فهي جمع قوم، غير أن اللفظة حين تأتي بصيغة الجمع الواسع توحي بتعدد الشعوب والجماعات واختلاف البيئات والثقافات، فالقوم جماعة واحدة، أما الأقوام فحديقة إنسانية واسعة تتجاور فيها الألوان واللغات والعادات. والأجمل من ذلك أن الجذر نفسه يمتد ليصل إلى عالم التربية والتعليم. فحين نتحدث اليوم عن التقويم التربوي، فإننا نظن أحيانًا أن الكلمة لا علاقة لها إلا بالاختبارات والدرجات والنماذج الإلكترونية، لكن الحقيقة اللغوية أعمق من ذلك بكثير. فالتقويم في أصله ليس إصدار الأحكام، بل إقامة الشيء على وجهه الصحيح. نحن لا نقوّم الغصن إلا إذا كان معوجًا، ولا نقوّم البناء إلا إذا مال عن استقامته. ولهذا كان التقويم التربوي في جوهره عملية إصلاح وتطوير وتحسين، لا مجرد رصد للأخطاء. ومن الجذر نفسه جاءت كلمة القوام؛ أي ما تستقيم به الأمور وتعتدل. نقول: هذا الأمر قوام الحياة، أي عمادها الذي تقوم عليه. ونقول: فلان حسن القوام، أي معتدل البنية متناسقها. وهكذا نجد أنفسنا أمام عائلة لغوية مدهشة: القوم، والقوام، والقيام، والاستقامة، والتقويم، والقيمة... كلمات تبدو متفرقة، لكنها في الحقيقة تدور حول فكرة واحدة: أن يكون الشيء قائمًا على وجهه الصحيح. ولعل أجمل ما في اللغة العربية أنها لا تمنحنا الكلمات فحسب، بل تمنحنا طرقًا في التفكير. فحين كان العربي يقول: "يا قوم"، كان يستدعي معنى الجماعة التي يقوم بعضها ببعض. وحين نقول اليوم: "التقويم التربوي"، فإننا – من حيث نشعر أو لا نشعر – نستدعي المعنى نفسه: إصلاح ما يحتاج إلى إصلاح حتى يستقيم ويقوم على وجهه الأكمل. لذلك، إذا سمعت يومًا خطيبًا يقول: "أيها القوم"، فلا تظن أنه يستعمل كلمة قديمة فحسب، بل تذكّر أنك أمام كلمة عمرها قرون طويلة، تحمل في حروفها معنى النهوض والتماسك والاستقامة، وكأنها تقول لنا جميعًا: لا تكونوا أفرادًا متفرقين، بل كونوا قومًا... يقوم بعضكم ببعض. وبعد رحلةٍ بين القوم والقوام والتقويم والقيام، يبقى السؤال الذي يتجاوز حدود اللغة إلى حدود الواقع. لقد عرف العرب قديمًا معنى القوم؛ كانوا يدركون أن القوم ليسوا مجرد أفراد تجمعهم الأرض، بل أرواح يجمعها المصير، وقلوب يشد بعضها بعضًا، فإذا اشتكى واحد منهم تداعى له الباقون كما تتداعى أعضاء الجسد الواحد. أما اليوم، وبعد ما شهدته المنطقة من حروب وانقسامات وصراعات وتمزقات، وبعد أن تكاثرت الحدود وتباعدت المسافات بين القلوب أكثر مما تباعدت بين المدن، يعود السؤال القديم ليقف على أبوابنا من جديد، ليس بوصفه تحية عابرة، بل بوصفه سؤالًا وجوديًا مؤرقًا: كيف حالكم يا قوم؟ هل ما زلنا قومًا كما أرادت لنا لغتنا أن نكون؟ هل ما زالت بيننا تلك الوشائج التي يقوم بها بعضنا ببعض؟ أم أصبح كل واحد منا قائمًا وحده، يراقب سقوط الجدار من حوله دون أن يمد يده إلى حجرٍ واحدٍ ليسنده؟ إن اللغة تخبرنا أن القوم من القيام، وأن القوام من الاستقامة، وأن التقويم إصلاح ما اعوجّ، ولعل أمتنا اليوم أحوج ما تكون إلى أن تستعيد هذه المعاني كلها معًا؛ أن تستعيد معنى القوم قبل أن تردد الكلمة، ومعنى القوام قبل أن تطلب القوة، ومعنى التقويم قبل أن تبحث عن الحلول. وحينها فقط، ربما نستطيع أن نجيب عن السؤال الذي عبر القرون ولم يزل يتردد في الفضاء العربي بصوتٍ حزينٍ تارة، ومتفائلٍ تارة أخرى: كيف حالكم يا قوم؟

960

| 05 أغسطس 2026

الأنصاب والأزلام "ثقافة الوهم بين السهم والحجر"

في ذاكرة اللغة العربية ألفاظٌ لا تقف عند حدود معناها المعجمي، بل تحمل في داخلها صورًا من تاريخ الإنسان وعقله ومعتقداته. ومن بين هذه الألفاظ التي جمع القرآن الكريم بينها في سياق واحد: الأنصاب والأزلام؛ إذ تمثلان صورتين من صور التعلق بالوهم، إحداهما ارتبطت بالحجر المنصوب، والأخرى بالسهم الذي يُستقسم به طلبًا لمعرفة المجهول. وبين الحجر والسهم تكشف الآيات القرآنية عن منهج الإسلام في تحرير الإنسان من كل ما يعوق صلته المباشرة بالله، ومن كل اعتقاد يقوم على الخرافة والظن بدل اليقين والهداية. الأنصاب: الحجر الذي اكتسب قداسة الوهم. تعود كلمة الأنصاب إلى الجذر اللغوي (ن ص ب)، وهو جذر يدل على الإقامة والرفع والإظهار؛ فالنُّصُب هو الشيء المنصوب القائم، ومنه النصب بمعنى الإقامة والرفع. والأنصاب في الاصطلاح الجاهلي هي حجارة كانت تُنصب في مواضع معينة، ولا سيما حول الكعبة، ثم تُذبح عندها القرابين تقربًا للأصنام أو طلبًا للبركة والحظ. وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ...﴾ (المائدة: 3) فالنهي هنا لا يتعلق بالحجر في ذاته، وإنما بما ارتبط به من اعتقاد؛ إذ تحولت الحجارة من جماد لا يملك نفعًا ولا ضرًّا إلى رموز يعلّق عليها الإنسان آماله، ويقدم لها ما لا ينبغي أن يقدم إلا لله تعالى. الأزلام: سهام تبحث عن جواب الغيب. أما الأزلام فهي جمع زَلَم، والزَّلَم في اللغة هو السهم الذي لا ريش له، وقيل: هو القدح أو السهم الذي يُستعمل في الاقتراع. وقد عُرفت في الجاهلية بأنها سهام تُكتب عليها عبارات أو علامات، ثم تُستعمل عند الإقدام على أمر من الأمور؛ فإذا خرج سهم يحمل معنى الإذن أقدموا، وإذا خرج سهم يحمل معنى المنع أحجموا، معتقدين أن ذلك يكشف لهم ما يخبئه المستقبل. وقد ذكرها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (المائدة: 90) كما ورد ذكرها في قوله تعالى: ﴿... وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ...﴾ (المائدة: 3) والاستقسام بالأزلام يعني: طلب معرفة النصيب أو الخير والشر عن طريق تلك السهام، وهو قائم على وهم أن أداة جامدة يمكن أن تمنح الإنسان علمًا بما غاب عنه. لماذا جمع القرآن بين الأنصاب والأزلام؟ لم يجمع القرآن الكريم بين الأنصاب والأزلام اعتباطًا؛ فبينهما رابط عميق، فكلاهما يمثل صورة من صور تعلق الإنسان بغير الله، وإن اختلفت الأداة. فالأنصاب تمثل وهم المكان؛ إذ منح الإنسان حجرًا منزلة لا يملكها، وجعل منه واسطة بينه وبين الغيب أو القوة الإلهية. أما الأزلام فتمثل وهم الأداة؛ إذ ظن الإنسان أن سهمًا صامتًا يستطيع أن يكشف له المستقبل ويحدد له طريقه. فالحجر والسهم، على اختلاف صورتيهما، يلتقيان في معنى واحد: محاولة الإنسان البحث عن الطمأنينة خارج دائرة الإيمان بالله. ولهذا وصفهما القرآن بأنهما ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾؛ لأنهما يعيدان تشكيل علاقة الإنسان بالغيب على أساس الوهم لا على أساس التوكل واليقين. إن التأمل في هذين اللفظين يكشف جانبًا من دقة التعبير القرآني؛ فالقرآن لا يواجه مجرد مظاهر خارجية، بل يعالج جذور الفكرة في النفس البشرية: رغبة الإنسان في معرفة المجهول، وخوفه من المستقبل، وبحثه عن قوة يستند إليها. فجاء الوحي ليحرر العقل من أسر الحجر والسهم، وينقله إلى رحاب الإيمان الذي يجعل القلب متعلقًا بخالق الأسباب لا بالأسباب الجامدة. وهكذا تبقى الأنصاب والأزلام - في القرآن - شاهدتين على رحلة الإنسان من الوهم إلى الحقيقة، ومن التعلق بالمخلوق إلى الثقة بالخالق، ومن ظلمات الخرافة إلى نور الهداية.

432

| 28 يوليو 2026

عنق الناقة وعنق الكلمة

لم أكتب عن النّاقة مصادفة، ولكن؛ لأنها علّمتني كيف ينضج المعنى، ولأنّ تشبيهًا قاله أستاذي العراقي الدكتور نجدت الصالحي استقرّ في ذاكرتي بوصفه درسًا في اللغة والحياة معًا. كنتُ طالبة بكالوريوس في كلية التربية أبين بجامعة عدن يوم قال لي، بلهجة العارف: «لديكِ عنقٌ كعنقِ الناقة». باغتني التشبيه، واستوقفني الاستغراب: كيف يُشبَّه عنقي، وأنا أرتدي حجابي، وكيف يُقاس ما لم يُرَ؟ بدا الكلام غريبًا، حتّى ظننته عابرًا أو مواربًا في دلالته. لكنّه، وقد أدرك دهشتي، أوضح مبتسمًا: «عنقُ النّاقة طويل، وما يمرّ به لا يصل دفعةً واحدة؛ الكلمة عندكِ لا تخرج إلّا بعد أن تعبر مراحلها، وتستوي في العقل، وتُنقّى في القلب. كلامكِ لا يُقال على عجل ولا تخرج الكلمة من لسانك إلا بعد أن تمر بمراحل عدة ويكتمل نضجها». عندها انقشع الغموض، وتحوّل التشبيه إلى مديحٍ رفيع، من تلك البلاغة العربيّة التي ترى في النّاقة صورةً للحكمة والصبر، وليس مجرّد هيئةٍ أو جسد. الناقة، سفينة الصحراء، ليست كائنًا هامشيًّا في الثقافة العربيّة، بل رمزًا مركزيًّا للبقاء. في الجاهليّة، كانت ذاكرة الترحال، وميزان الغنى، ورفيقة الإنسان في أقسى اختبارات الطبيعة. وفي الشعر القديم، حضرت بوصفها استعارةً للصبر الجميل، وللثبات الذي لا يضجّ، وللمسير الذي لا تغويه العجلة. عنقها الممدود ليس امتدادًا جسديًّا فحسب، بل زمنٌ للتفكير، ومسافةٌ للتروّي قبل الوصول. تحتمل العطش كما يحتمل الحكيمُ الصمت، وتدّخر الماء كما تدّخر العقولُ المعنى. تمضي ببطء، لكنّها لا تخطئ وجهتها، كأنّها تعلّم الإنسان أنّ الطريق لا يُقاس بالسرعة، بل بالبصيرة. وفي عينيها المتّسعتين حراسةُ الصحراء، وفي هدوئها درسٌ غير مكتوب في الاتّزان. وعبر العصور، ظلّت النّاقة حاضرةً في الوجدان والنصّ والمثل؛ لأنّ الإنسان لم يتخلَّ يومًا عن حاجته إلى الصبر، ولا عن الكلمة التي تُقال حين تبلغ نضجها. هكذا فهمتُ التشبيه بعد زمن: لم يكن عنقًا يُرى، بل معنى يُبصر، فالكلمة الجميلة – كالنّاقة - لا تُستعجل، بل تشقّ طريقها ببطءٍ ووقار. ولهذا سيبقى اسمُ الدكتور «نجدت الصالحي» محفورًا في ذاكرتي؛ لأنّه علّمني أنّ للكلمة عنقًا طويلًا، وأنّ المعنى لا يصل إلّا إذا صبرنا عليه. فكما تعلّمتُ من النّاقة أنَّ المسيرَ البطيءَ أصدقُ وصولًا، تعلّمتُ أنّ الكلمة حين تُمهلُ نفسَها تنجو من السقوط وتبلغ كمال المعنى ورسوخ المبنى.

831

| 27 يناير 2026

تحولات فن الخطاب

ثم: من الترتيب اللغوي إلى التسويف الاجتماعي: كلمة «ثم» في اللغة العربية ليست مجرد أداة عطف عابرة، بل هي علامة دقيقة على التسلسل الزمني والمنطقي للأحداث. تُستخدم للإشارة إلى أن ما يلي الكلام الأول يحدث بعده، مع إحساس بالمسافة الزمنية أو التدرج المنطقي. مثال: «ذهبت إلى السوق، ثم عدت إلى المنزل». هنا، «ثم» لا تنقل مجرد ترتيب الأحداث، بل ترسم الخط الزمني في ذهن القارئ، وتخلق إحساساً بالاستمرارية والتتابع المنهجي. النحاة والبلاغيون يرون في «ثم» أداة لضبط تدفق الخطاب، فهي تمنع القارئ أو المستمع من القفز مباشرة إلى النتيجة، وتجعل الأحداث تتكشف تدريجياً بطريقة متسقة، ما يُسهم في فهم المعنى واستيعابه. التحوّل الاجتماعي – من ترتيب إلى تسويف: مع مرور الزمن، تحوّل استخدام «ثم» أحياناً من وظيفة الترتيب إلى رمز للتأجيل والتسويف. مثال: «سأبدأ بالمشروع، ثم…». هنا تصبح «ثم» أداة لتجميل المماطلة، وإخفاء البطء خلف ترتيب زمني مزيف. في الخطاب الاجتماعي والجماعي، تتحوّل «ثم» إلى وسيلة لإيهام الآخرين بالترتيب والتنظيم، بينما الواقع يحمل التسويف والتأجيل المستمر. سلبيات هذا التحوّل: *تجميل التسويف: تُحوّل الالتزام الفعلي إلى كلام مؤجل، ما يخلق شعوراً باللامسؤولية. *إضعاف المبادرة الفردية والجماعية: يؤجل الأفراد المشاريع المهمة، ويصبح الفعل لاحقاً غير مضمون. *تشويه الثقة: كثرة استخدام «ثم» تجعل الطرف الآخر يترقب ولا يثق بجدية الوعود. *ثقافة المماطلة الجماعية: تصبح عادة اجتماعية متوارثة، وتؤثر على الأداء المؤسساتي. إيجابيات هذا التحوّل: *التخطيط الزمني المنظم: أحياناً يُستخدم «ثم» لتنظيم الأولويات وتوضيح التسلسل الزمني للأحداث. *إتاحة المجال للتفكير: التأجيل المؤقت يمنح فرصة لمراجعة القرار قبل التنفيذ. *مرونة الخطاب: «ثم» تُسهل على المتلقي استيعاب الخط الزمني للأحداث والفهم التدريجي للمعنى. توصيات إعادة ثم إلى وظيفتها الأصلية: *التوعية اللغوية: تعليم الفرق بين الترتيب الزمني الحقيقي والتأجيل المزيف. *جدولة الأفعال المرتبطة بـ «ثم»: ربط الكلمة بأفعال ملموسة لضمان الالتزام بالخطوات. *تشجيع التنفيذ الفوري: تحويل «ثم» من أداة تأجيل إلى أداة تنظيم للخطوات الواقعية. *النقد الاجتماعي للخطاب المؤجل: إعلامياً ومجتمعياً، لتغيير الثقافة الجمعيّة نحو الفعل الحقيقي. *ترسيخ البدائل الفعلية: استغلال «ثم» لتقديم خطوات لاحقة واضحة بدل التسويف. ختامًا: «ثم» ليست مجرد كلمة؛ إنها جسر بين ما كان وما سيكون، بين الماضي والحاضر والمستقبل. حين تُستعمل بوعي، تصبح أداة ترتيب وبناء، وحين تُستغل للتأجيل، تتحوّل إلى جدار يعيق الحلم والفعل. وهكذا تظل «ثم» واقفةً عند مفترق الزمن؛ تارةً تُرتّب الأحداث بسلاسة، وتارةً تُحبس الفعل خلف ستار التسويف… كأنها حارسة للوقت، تفتح البوابة فقط للذي يملك نية صادقة. إن أجمل ما في «ثم» أنّها تُذكّرنا بأنّ الزمن ليس مجرد كلمات، بل أفعال تتتابع بدقة، وأن الكلمة الواحدة قد تكون مفتاحاً للتحقيق أو حاجزاً للتأجيل… فإذا أعدناها لوظيفتها الأصلية، صارت نافذة على الفعل والإنجاز، لا قيداً على الحلم. «ثم» كلمة قصيرة، لكنها تكشف سرّ الإنسان: مخلوق يحلم ويخطط، أحياناً يضع بين خطواته قيداً صغيراً اسمه «ثم»… فهل آن لنا أن نحرّر الفعل ونترك الزمن ينساب كما خُطط له؟

615

| 04 ديسمبر 2025

فن الخطاب

اللغة ليست مجرد نظام من القواعد النحوية والصرفية، بل هي كائن حي يتفاعل مع المجتمع، ويتأثر بتحوّلاته الثقافية والاجتماعية. ومن أبرز الأمثلة على هذا التفاعل ما جرى لحرف الواو، الذي عُرف في النحو العربي كحرف عطف يجمع بين المعاني أو يُفيد المساواة والمشاركة، غير أنّه في التداول الاجتماعي الحديث تحوّل إلى رمزٍ لمعنى آخر، ارتبط بما يُعرف بـ»الواسطة» أو «الوساطة»، وأصبح دليلاً على خلل اجتماعي يتجاوز وظيفته الأصلية في النصوص اللغوية. ففي النحو العربي، كانت الواو أداةً للربط والمساواة، تجمّع بين الأشياء دون أن تمنح أي طرف أفضلية على الآخر: جاء زيدٌ وعمرو. هنا، لا وزن للواو سوى جمع العناصر، ولا دلالة اجتماعية إلا التواصل والتناغم بين المعاني. ولكن مع مرور الزمن، تغيرت الواو. في الحياة اليومية، يقول الناس: فلان له واو، وكأن الحرف النحوي قد اكتسب حياة اجتماعية جديدة، محمّلة بالتحيز والمحاباة. الواو في وظيفتها النحوية: منذ البدايات الأولى للنحو العربي، احتلّت الواو مكانةً أساسية ضمن حروف العطف. فهي أداة للجمع دون ترتيب، كقولنا: جاء زيدٌ وعمرو، حيث تفيد المساواة في الحضور. كما تأتي الواو للاستئناف، أو للحال، أو للقَسم، وكلها وظائف دلالية ونحوية تضبط المعنى وتوضّح العلاقات بين الكلمات والجمل. لقد كانت الواو إذن أداةً تنظيمية داخل اللغة، تسعى إلى تحقيق الوصل، لا الفصل، والجمع لا التفرقة، وتسعى لإرساء التوازن بين الأجزاء اللغوية وليس العكس. التحول من النحو إلى المجتمع: مع تطوّر الحياة الاجتماعية وتغيّر القيم، انتقل حرف الواو من فضائه اللغوي المحض إلى فضاء اجتماعي جديد. فأصبح الناس يعبّرون بقولهم: «فلان له واو»، أي أنّ له شخصًا متنفّذًا يسهّل أموره ويزيل العوائق أمامه. هكذا تحوّلت الواو من رمزٍ للعطف والتكافؤ إلى رمزٍ للمحاباة والتجاوز، ومن أداة لغوية بريئة إلى دلالة اجتماعية سلبية. ولفهم هذا التحول، لا بد من التفريق بين الوساطة والواسطة: الفرق بين «الوساطة» و«الواسطة»: الوساطة: مفهوم مشروع في كثير من الحالات، يقوم على السعي للإصلاح بين طرفين أو لتيسير حلّ نزاع، وقد وردت الكلمة في التراث العربي والإسلامي بمعنى محمود، لأنها ترتبط بالصلح وتقريب وجهات النظر، كقوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} فالوساطة إذن وظيفة اجتماعية إيجابية، قائمة على العدل وإحقاق الحق. الواسطة: على العكس تمامًا، فهي استخدام النفوذ الشخصي أو القرابة أو الصداقة للحصول على مكاسب غير مستحقّة، أو لتجاوز القوانين والأنظمة. وهنا تكمن المشكلة، إذ تُضعف الواسطة قيم العدالة وتكافؤ الفرص، وتفتح بابًا للفساد والتمييز. سلبيات الواسطة والوساطة المنحرفة: لقد أدّت ثقافة «الواو» الاجتماعية إلى نتائج سلبية كثيرة، من أبرزها: *إضعاف الثقة في المؤسسات: حين يُقدَّم غير الكفء على الكفء بسبب «الواو»، يفقد الناس إيمانهم بعدالة النظام. *تعطيل مبدأ تكافؤ الفرص: الواسطة تُقصي أصحاب الكفاءات وتمنح الامتيازات لمن لا يستحق. *إشاعة ثقافة الاتكالية: يعتمد الأفراد على العلاقات الشخصية أكثر من اعتمادهم على الجهد والعمل. *نشر الفساد الإداري: تتحوّل المؤسسات إلى شبكات مصالح شخصية، بدلًا من أن تكون أدوات لخدمة الصالح العامة. إنّ رحلة حرف الواو من النحو إلى المجتمع تكشف عن قدرة اللغة على تجسيد الواقع وتحولاته. غير أنّ هذا التحول لم يكن بريئًا؛ إذ حمَل معه دلالات سلبية عمّقت من أزمة العدالة في المجتمعات العربية. ومن هنا فإنّ الفرق بين «الوساطة» كقيمة إصلاحية مشروعة، و»الواسطة» كأداة فساد اجتماعي، يجب أن يكون واضحًا في أذهان الناس. فالواو التي وُجدت أصلًا للجمع والتكافؤ، لا ينبغي أن تُختزل في رمز للمحاباة وإقصاء القيم النبيلة. ختامًا: إن رحلة حرف الواو من فضائه النحوي إلى معترك الواقع الاجتماعي تعلمنا درسًا مهمًّا عن العلاقة بين اللغة والمجتمع، وعن مدى قدرة الكلمات على تجسيد القيم أو تشويهها. فالواو التي وُجدت لتجمع ولا تفرق، لتوحد المعاني وتحقق المساواة بين العناصر، لا ينبغي أن تتحوّل إلى رمز للمحاباة والتفضيل، كما حدث في زمن الواسطة. إن إعادة الواو إلى وظيفتها الأصلية ليست مجرد استعادة حرف، بل استعادة لقيم العدالة والإنصاف، ومراجعة للضمير الاجتماعي الذي يسمح للكلمة أن تُعبر عن ما هي له أصلاً: رابط بين الناس لا حاجز بينهم، حضور متساوٍ للجميع، ومساواة تُكرّس المعنى لا الفساد. لنعد للواو روحها الأولى، روح التوافق، روح المشاركة والعدل، بعيدًا عن أي تحيز أو تمييز، لتكن الواو شجرة ونحن الماء الذي يطفئ عنها نار التفرقة والتمييز ويسقيها بنور الجمع الذي يحق لكل ذي حقٍ حقه.

789

| 19 نوفمبر 2025

الإبعاد الإداري في القانون القطري
الإبعاد الإداري في القانون القطري

لا شك أن قطر من الدول الرائدة التي...

15579

| 17 أغسطس 2026

حماية المستهلك
حماية المستهلك

فيه مشهد يتكرر في أسواقنا ويستحق وقفة مطولة،...

5010

| 17 أغسطس 2026

بغداد.. متى تعود بغداد؟
بغداد.. متى تعود بغداد؟

منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد...

3297

| 16 أغسطس 2026

حين تُفسد الإدارة ثقافة المؤسسة
حين تُفسد الإدارة ثقافة المؤسسة

ليست كل الأزمات التي تواجه المؤسسات مالية أو...

2019

| 16 أغسطس 2026

خمس وعشرون دقيقة بين قطرٍ.. وقطر
خمس وعشرون دقيقة بين قطرٍ.. وقطر

بين سوق واقف في قلب الدوحة ومدينة لوسيل...

1914

| 19 أغسطس 2026

بغداد.. متى تعود؟ وكيف تعود؟
بغداد.. متى تعود؟ وكيف تعود؟

قرأت مقال الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري...

1533

| 18 أغسطس 2026

ورحلت الوالدة أسماء بنت علي آل إبراهيم رحمها الله
ورحلت الوالدة أسماء بنت علي آل إبراهيم رحمها الله

رحيل الأم لهو أشد المصائب وفقدها فقدان لكل...

1305

| 20 أغسطس 2026

الغلاء يبدأ من الإيجار!
الغلاء يبدأ من الإيجار!

الاقتصاد سلسلة مترابطة تبدأ من المصدر، وتمر بالنقل...

1185

| 20 أغسطس 2026

دورينا بين الآمال وواقع المسؤولية
دورينا بين الآمال وواقع المسؤولية

اليوم تبدأ منافسات دورينا، وتبدأ معها حالة الترقب...

1170

| 20 أغسطس 2026

قالت لها: سفينة... فماذا فعلت السفيرة؟!
قالت لها: سفينة... فماذا فعلت السفيرة؟!

من المواقف التي لا تُنسى في ملتقيات القمم...

1149

| 17 أغسطس 2026

حصان طروادة
حصان طروادة

تروي الأسطورة أن مدينة طروادة صمدت سنوات أمام...

780

| 19 أغسطس 2026

الطلاق المهني.. وعي المؤسسات خط الدفاع الأول
الطلاق المهني.. وعي المؤسسات خط الدفاع الأول

في العلاقات الإنسانية، نتحدث كثيرًا عن فن البدايات،...

726

| 16 أغسطس 2026

أخبار محلية