رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. غالية بنت عيسى الزبيدي

• شاعرة وكاتبة وباحثة في اللسانيات الحديثة وتحليل الخطاب
الفائزة بجائزة سرد الذهب بدورتها الثالثة لعام 2025

مساحة إعلانية

مقالات

618

د. غالية بنت عيسى الزبيدي

عنق الناقة وعنق الكلمة

27 يناير 2026 , 01:05ص

لم أكتب عن النّاقة مصادفة، ولكن؛ لأنها علّمتني كيف ينضج المعنى، ولأنّ تشبيهًا قاله أستاذي العراقي الدكتور نجدت الصالحي استقرّ في ذاكرتي بوصفه درسًا في اللغة والحياة معًا.

كنتُ طالبة بكالوريوس في كلية التربية أبين بجامعة عدن يوم قال لي، بلهجة العارف: «لديكِ عنقٌ كعنقِ الناقة».

 باغتني التشبيه، واستوقفني الاستغراب: كيف يُشبَّه عنقي، وأنا أرتدي حجابي، وكيف يُقاس ما لم يُرَ؟

 بدا الكلام غريبًا، حتّى ظننته عابرًا أو مواربًا في دلالته.

لكنّه، وقد أدرك دهشتي، أوضح مبتسمًا: «عنقُ النّاقة طويل، وما يمرّ به لا يصل دفعةً واحدة؛ الكلمة عندكِ لا تخرج إلّا بعد أن تعبر مراحلها، وتستوي في العقل، وتُنقّى في القلب. كلامكِ لا يُقال على عجل ولا تخرج الكلمة من لسانك إلا بعد أن تمر بمراحل عدة ويكتمل نضجها». 

عندها انقشع الغموض، وتحوّل التشبيه إلى مديحٍ رفيع، من تلك البلاغة العربيّة التي ترى في النّاقة صورةً للحكمة والصبر، وليس مجرّد هيئةٍ أو جسد.

الناقة، سفينة الصحراء، ليست كائنًا هامشيًّا في الثقافة العربيّة، بل رمزًا مركزيًّا للبقاء. 

في الجاهليّة، كانت ذاكرة الترحال، وميزان الغنى، ورفيقة الإنسان في أقسى اختبارات الطبيعة. 

وفي الشعر القديم، حضرت بوصفها استعارةً للصبر الجميل، وللثبات الذي لا يضجّ، وللمسير الذي لا تغويه العجلة.

 عنقها الممدود ليس امتدادًا جسديًّا فحسب، بل زمنٌ للتفكير، ومسافةٌ للتروّي قبل الوصول.

تحتمل العطش كما يحتمل الحكيمُ الصمت، وتدّخر الماء كما تدّخر العقولُ المعنى. 

تمضي ببطء، لكنّها لا تخطئ وجهتها، كأنّها تعلّم الإنسان أنّ الطريق لا يُقاس بالسرعة، بل بالبصيرة. 

وفي عينيها المتّسعتين حراسةُ الصحراء، وفي هدوئها درسٌ غير مكتوب في الاتّزان.

وعبر العصور، ظلّت النّاقة حاضرةً في الوجدان والنصّ والمثل؛ لأنّ الإنسان لم يتخلَّ يومًا عن حاجته إلى الصبر، ولا عن الكلمة التي تُقال حين تبلغ نضجها.

هكذا فهمتُ التشبيه بعد زمن: لم يكن عنقًا يُرى، بل معنى يُبصر، فالكلمة الجميلة – كالنّاقة - لا تُستعجل، بل تشقّ طريقها ببطءٍ ووقار.

ولهذا سيبقى اسمُ الدكتور «نجدت الصالحي» محفورًا في ذاكرتي؛ لأنّه علّمني أنّ للكلمة عنقًا طويلًا، وأنّ المعنى لا يصل إلّا إذا صبرنا عليه.

فكما تعلّمتُ من النّاقة أنَّ المسيرَ البطيءَ أصدقُ وصولًا، تعلّمتُ أنّ الكلمة حين تُمهلُ نفسَها تنجو من السقوط وتبلغ كمال المعنى ورسوخ المبنى.

مساحة إعلانية