رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك أن المبادرة الروسية وقبلها المبادرة العراقية اللتين أطلتا مؤخراً على المشهد السوري الحزين وليله الطويل لم تأتيا عبثا بل حطتا بسرعة لتبديل تقاسم الأدوار في حلبة الصراع بين الشعب المقهور وحاكمه الموتور المغرور، وخاصة بعد أن أوصل الجامعة العربية ومبادرتها إلى طريق مسدود ولم يلاحظ رئيس الدورة الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني كما صرح – أي بصيص من الأمل طيلة هذه المهل بل كان النظام يصعد ويوتر الأحداث أكثر وأكبر بما يسميه زئير الأسود لا سجع الحمام مع الشعب المتطلع للحرية والذي تسعى الجامعة إلى مساعدته ولكنها لم تفلح البتة ومنحت الطغاة مهلا فمهلا سقط فيها أكثر من ألف ومائتي شهيد تدليلا لهم واستجابة سياسية لحلفائهم كإيران وحزب الله والجزائر وروسيا والصين وطمأنة – ربما غير مقصودة لإسرائيل التي تعتبر بقاء بشار الأسد مصلحة مهمة لها، وإلى هذا الحد يتم استرخاص الدم السوري قتلا وهلاكا تحت التعذيب و.. عسى هذا القمع السادي الذي يتسلى به النظام يجبر الثورة المجيدة على التوقف ولكن هيهات هيهات إن دون ذلك خرط القتاد ومع كل هذه المجازر المروعة وانتهاك الحرمات يصر بشار على عدم مسؤوليته عن قتل المتظاهرين العزل بالآلاف وبمئات الآلاف من الجرحى والمعتقلين الذين يسامون سوء العذاب كما أوضحت منظمة هيومن رايتس ووتش بعد لقاء عدد كبير من المنشقين أقول: ولو سمح لمراقبيها أو غيرهم حتى من حلفاء سورية فسيجدون الأدهى والأمر فمن المسؤول عن هذه الفظائع التي تتفاقم أكثر وأكثر دون رادع من دين أو خلق أو ضمير مما لم نجده حتى في الجاهلية الأولى التي عقد فيها حلف الفضول بدار عبدالله بن جدعان لإنصاف المظلومين وحضره الرسول صلى الله عليه وسلم قبل عشرين عاما من نبوته. وما يزال بشار في حالة إنكار للأزمة رغم القتل الجنوني بل إنه يعتبر أن الشعب هو نفسه الذي يمر بحالة الإنكار هذه، وعليه فإنه يرفض أية محاسبة له، وهو بهذا يقر حقيقة بأنه المسؤول الأول عن إزهاق الأرواح وعدم حماية المدنيين وممتلكاتهم بل معتبرا موقفه مشابها لموقف شمشون الجبار الذي اختار أن يهدم المعبد فوقه ليميت أعداءه معه مقترفا جرائم ضد الإنسانية ناسيا أن من سل سيف البغي قتل به كما قال علي، أو كما قال الشاعر جميل الزهاوي:
وكل حكومة بالسيف تقضي
فإن أمامها يوما عصيبا
يا لذكائه المفرط رغم طغيانه المجنون، إنه غير مسؤول وكأنه سائح متجول في ربوع الشام وليس قائدا أعلى للقوات المسلحة والأمن وهو الذي رفض مناشدة الأمم المتحدة سحب الجيش وآلياته الثقيلة من الساحات، مدعيا أن الحالة تقتضي ذلك ونحن نقول إنه وأباه من دون آلة القتل لا يمكنهما أن يحكما الشام المبارك أسبوعا واحدا!
ألم يكن هو نفسه الذي قام بتشكيل الحكومة الجديدة وأخذ يعطيهم الدروس التعليمية فكيف يلصق الجرائم الوحشية بها وحدها متنصلا من مسؤولياته؟
أليس هو الذي كذب عشرات المرات على الأتراك حتى فشلت مبادرتهم بسببه، أليس هو الذي كذب على الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بأنه سيسحب الجيش ويوقف العنف بعد يوم من طلب كي مون ثم أخلف وعده، وكذلك حتى مع حلفائه الإيرانيين والروس والصينيين فمن يا ترى سوف يصدقه ومن سيقتنع أنه يمكن أن يفلت من المحاسبة سيما أننا شهدنا في الأسبوع الفائت محاكمة رئيس الكيان الصهيوني السابق كاتساب بالسجن سبع سنوات لإدانته بالاغتصاب والتحرش الجنسي عندما كان وزيرا، فرئيسا، فكيف بمن يغتصب سورية بكاملها وكذلك الحكم على الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك بالسجن عامين لاختلاسه المال عندما كان وزيرا، ولم يمنع التقادم الحكم عليهما فلابد للعدل أن يأخذ مجراه ومع ذلك يسخر حكامنا من مثل هؤلاء بل يريد المعلم أن يمحو أوروبا من الخريطة ويقول: إننا ننشئ ديمقراطية سوف تضاهي ديمقراطيات العالم ولكننا نسمع جعجعة ولا نرى طحينا في هذا الزمن اللامعقول بل طلعت حكومة بشار قبل أشهر بمبادرة تريد من خلالها أن تنشر الديمقراطية في العالم العربي، فكيف وفاقد الشيء لا يعطيه!
إن محاولة بشار أن يلعب بالعقول وكأنه منشق عمن يقومون بالجرائم ليحاكي فعلة والده عقب أحداث حماه 1982 بأخيه رفعت سياسة صبيانية لن تنفعه اليوم فقد تبدل الزمان وتجذرت الثورة ولم يعد إصلاح الشرخ الطائفي والاجتماعي اللذين تسبب بهما نافعا، وكذلك فإن شبه الإجماع العربي والإقليمي والدولي نضج وبات التخلص منه ضروريا حفظا للأمن في العالم مهما تشبث بالسلطة وأعانه آخرون لا يقلون إجراما عنه فمن يكون مع القاتل فإنه مثله ويحشر المرء مع من أحب، كما في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء الضباط الكبار ومعظمهم من أقارب الرئيس – وآخرون مجرمون معهم لا يمكن أن يتحركوا بأوامر القتل والقمع إلا بمعرفته فهو الأول كما كان أبوه وشهد بذلك جميع المقربين منه. هذا وقد جاء في خبر عاجل على قناة أورينت أن وزير الخارجية القطري أفاد بالتوقيع على المبادرة العربية من قبل بشار قريبا، فإن ثبت الخبر فإنه ربما يكون إتمام لفبركة أجراها مع الروس الذين طرحوا المبادرة الجديدة قبل أيام وفيها تبني مطالب الجامعة العربية كنوع من التكتيك لإنقاذ بشار ونظامه وكي يكسب الوقت ويراوغ عساه ينهي الاحتجاجات ومعروف أن ساسة متمرسين ردوا على المبادرة الروسية بأنها غير متوازنة وأن قلبها أجوف وإن قبل منها بعض الشيء، ذلك لأن الحقائق والوقائع والقرائن أثبتت وتثبت أن روسيا ليست مخلصة للثورة والشعب الحر الأبي ولأن المبادرة خالفت المنطق تماما عندما طلبت وقف العنف من طرفي الحكومة والمعارضة ملبسة على العالم وكأنه غبي – أن طرف الثوار والمعارضة يعادل طرف الحكومة ولعمري إن هذا لهو الجور بعينه إذ إن الطرف السلمي لا يعادل فيما قد يرد به على الطرف الحكومي المهاجم المقتحم المدمر للبلاد والعباد واحدا في المائة حين يضطر للدفاع عن نفسه أو حرماته وخاصة النساء وكذلك مدافعة الجيش الحر عن المتظاهرين فهي جد ضئيلة بالمقارنة مع طغيان النظام فلا تكافؤ أصلا ولكن الروس غير منطقيين وظلمة، وما عرفت عنهم نصرتهم للشعوب أمام الحكام وخاصة من يطالب بالحرية وقد قرأنا أنه كيف كان الروس يقتلون المسلمين بالملايين بعد نجاح الثورة الماركسية وكانوا يستميلونهم ويثيرونهم ضد الحكم القيصري ثم قلبوا لهم ظهر المجن وأبادوهم بجيشهم الأحمر، وكذلك الصينيون الذين استعانوا بالروس لإخماد ثورة المسلمين وقتلوا وذبحوا وهجروا، ومازالوا يضيقون على المسلمين ولو خف الأمر قليلا مؤخراً، ولكن الحقيقة تثبت أن الروس والصينيين لا يقفون إلا إلى جانب الديكتاتوريين الذين يحققون لهم مصالحهم ويلعبون دوما لإبقاء مصالحهم مع أي حكم جديد وكم لعبوا في ذلك بالاتفاق مع الغرب من وراء الكواليس ليس وهم لا يعدمون أن يلتقوا بكل رجل مؤثر ليقنعوه كما حصل مع العلامة القرضاوي حين قابله السفير الروسي في قطر ورفض الشيخ موقف روسيا من النظام السوري كما أن لافروف وزير خارجيتهم دافع عن الانتخابات المزورة التي نجح فيها بوتين الأسبوع الماضي ولا تزال المظاهرات مستمرة ضده بعشرات الألوف وقد تدنت شعبيته إلى أدنى مستوى ومع ذلك أخذ يدين مواقف الغرب لأساليب تعاطيها مع الملف السوري، وهكذا النفاق وليس غريبا أن مواقف الروس والصينيين إنما ترمي لحماية أمن إسرائيل فهو خط أحمر عندهم ولقد كان حافظ الأسد والآن ابنه خير حافظين لإسرائيل وبمعونة الروس.
أما المبادرة العراقية فليس لها قيمة تذكر اليوم لأنها تسير بتوجيهات المالكي الشيعي المؤتمر بأمر إيران وبطاعة خامنئي نفسه وإلا فإن المالكي كان عدوا لبشار وأكد مسؤولية سورية عن التفجيرات الرهيبة السابقة ولكنه اليوم معه بإمرة ولاية الفقيه وصرح بأن العلويين فرع من الشيعة ولذا فنحن لا نود إسقاط بشار وقد طلب من أوباما في واشنطن عدم التدخل الخارجي لإزاحته فقال أوباما وأنت لولا التدخل الخارجي ما كنت معي اليوم، وهكذا قس موقف حسن نصر الله الذي لم تهمه دماء السوريين وإنما الوقوف مع الجلاد ولابد أن الثورة باعتمادها على الله والشعب ستنتصر إن شاء الله.
khaled-hindawi@hotmail.com
لَيْلةُ القدْر
ليلةُ القدْرِ في زمانِ الأَضاحيغرِقتْ بالدَّماءِ والأتراحِفالشّآمُ الذَّبيح رهنُ سيوفًٌوَالعِراقُ الجريحُ رهنُ رِماحٍوبلِيبيا الشقاقُ ثم بمصرٍويَمانٍ مباضع الجَرّاحِطال... اقرأ المزيد
486
| 02 يوليو 2016
ذكِّرونا
ذكِّرونا مَواقِفَ السابقيناوَدَعُونا مِن خِدْعَةِ القاعِدينافالنُّفوسُ الكِبارُ تَهْوَى السَّجاياوَهْيَ تَأْبى مَصائِرَ المُرْجِفيناالثباتَ الثباتَ فهو كَلَيْثٍيَبعثُ الحَزْمَ والبطولة فيناوالمُنى... اقرأ المزيد
595
| 01 يوليو 2016
أنا حُرٌّ
ذوَّبَتْني حتى غدَوْتُ خيالا فاجِعاتُ السَّلامِ حالاً فحالا أنا حُرٌّ والذلُّ عندِيَ كفرٌ فَهَبوني عَيْشَ الجهادِ مَجالا وَخُذوني... اقرأ المزيد
402
| 30 يونيو 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8931
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4848
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4155
| 23 سبتمبر 2026