رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا شك أن المبادرة الروسية وقبلها المبادرة العراقية اللتين أطلتا مؤخراً على المشهد السوري الحزين وليله الطويل لم تأتيا عبثا بل حطتا بسرعة لتبديل تقاسم الأدوار في حلبة الصراع بين الشعب المقهور وحاكمه الموتور المغرور، وخاصة بعد أن أوصل الجامعة العربية ومبادرتها إلى طريق مسدود ولم يلاحظ رئيس الدورة الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني كما صرح – أي بصيص من الأمل طيلة هذه المهل بل كان النظام يصعد ويوتر الأحداث أكثر وأكبر بما يسميه زئير الأسود لا سجع الحمام مع الشعب المتطلع للحرية والذي تسعى الجامعة إلى مساعدته ولكنها لم تفلح البتة ومنحت الطغاة مهلا فمهلا سقط فيها أكثر من ألف ومائتي شهيد تدليلا لهم واستجابة سياسية لحلفائهم كإيران وحزب الله والجزائر وروسيا والصين وطمأنة – ربما غير مقصودة لإسرائيل التي تعتبر بقاء بشار الأسد مصلحة مهمة لها، وإلى هذا الحد يتم استرخاص الدم السوري قتلا وهلاكا تحت التعذيب و.. عسى هذا القمع السادي الذي يتسلى به النظام يجبر الثورة المجيدة على التوقف ولكن هيهات هيهات إن دون ذلك خرط القتاد ومع كل هذه المجازر المروعة وانتهاك الحرمات يصر بشار على عدم مسؤوليته عن قتل المتظاهرين العزل بالآلاف وبمئات الآلاف من الجرحى والمعتقلين الذين يسامون سوء العذاب كما أوضحت منظمة هيومن رايتس ووتش بعد لقاء عدد كبير من المنشقين أقول: ولو سمح لمراقبيها أو غيرهم حتى من حلفاء سورية فسيجدون الأدهى والأمر فمن المسؤول عن هذه الفظائع التي تتفاقم أكثر وأكثر دون رادع من دين أو خلق أو ضمير مما لم نجده حتى في الجاهلية الأولى التي عقد فيها حلف الفضول بدار عبدالله بن جدعان لإنصاف المظلومين وحضره الرسول صلى الله عليه وسلم قبل عشرين عاما من نبوته. وما يزال بشار في حالة إنكار للأزمة رغم القتل الجنوني بل إنه يعتبر أن الشعب هو نفسه الذي يمر بحالة الإنكار هذه، وعليه فإنه يرفض أية محاسبة له، وهو بهذا يقر حقيقة بأنه المسؤول الأول عن إزهاق الأرواح وعدم حماية المدنيين وممتلكاتهم بل معتبرا موقفه مشابها لموقف شمشون الجبار الذي اختار أن يهدم المعبد فوقه ليميت أعداءه معه مقترفا جرائم ضد الإنسانية ناسيا أن من سل سيف البغي قتل به كما قال علي، أو كما قال الشاعر جميل الزهاوي:
وكل حكومة بالسيف تقضي
فإن أمامها يوما عصيبا
يا لذكائه المفرط رغم طغيانه المجنون، إنه غير مسؤول وكأنه سائح متجول في ربوع الشام وليس قائدا أعلى للقوات المسلحة والأمن وهو الذي رفض مناشدة الأمم المتحدة سحب الجيش وآلياته الثقيلة من الساحات، مدعيا أن الحالة تقتضي ذلك ونحن نقول إنه وأباه من دون آلة القتل لا يمكنهما أن يحكما الشام المبارك أسبوعا واحدا!
ألم يكن هو نفسه الذي قام بتشكيل الحكومة الجديدة وأخذ يعطيهم الدروس التعليمية فكيف يلصق الجرائم الوحشية بها وحدها متنصلا من مسؤولياته؟
أليس هو الذي كذب عشرات المرات على الأتراك حتى فشلت مبادرتهم بسببه، أليس هو الذي كذب على الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بأنه سيسحب الجيش ويوقف العنف بعد يوم من طلب كي مون ثم أخلف وعده، وكذلك حتى مع حلفائه الإيرانيين والروس والصينيين فمن يا ترى سوف يصدقه ومن سيقتنع أنه يمكن أن يفلت من المحاسبة سيما أننا شهدنا في الأسبوع الفائت محاكمة رئيس الكيان الصهيوني السابق كاتساب بالسجن سبع سنوات لإدانته بالاغتصاب والتحرش الجنسي عندما كان وزيرا، فرئيسا، فكيف بمن يغتصب سورية بكاملها وكذلك الحكم على الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك بالسجن عامين لاختلاسه المال عندما كان وزيرا، ولم يمنع التقادم الحكم عليهما فلابد للعدل أن يأخذ مجراه ومع ذلك يسخر حكامنا من مثل هؤلاء بل يريد المعلم أن يمحو أوروبا من الخريطة ويقول: إننا ننشئ ديمقراطية سوف تضاهي ديمقراطيات العالم ولكننا نسمع جعجعة ولا نرى طحينا في هذا الزمن اللامعقول بل طلعت حكومة بشار قبل أشهر بمبادرة تريد من خلالها أن تنشر الديمقراطية في العالم العربي، فكيف وفاقد الشيء لا يعطيه!
إن محاولة بشار أن يلعب بالعقول وكأنه منشق عمن يقومون بالجرائم ليحاكي فعلة والده عقب أحداث حماه 1982 بأخيه رفعت سياسة صبيانية لن تنفعه اليوم فقد تبدل الزمان وتجذرت الثورة ولم يعد إصلاح الشرخ الطائفي والاجتماعي اللذين تسبب بهما نافعا، وكذلك فإن شبه الإجماع العربي والإقليمي والدولي نضج وبات التخلص منه ضروريا حفظا للأمن في العالم مهما تشبث بالسلطة وأعانه آخرون لا يقلون إجراما عنه فمن يكون مع القاتل فإنه مثله ويحشر المرء مع من أحب، كما في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء الضباط الكبار ومعظمهم من أقارب الرئيس – وآخرون مجرمون معهم لا يمكن أن يتحركوا بأوامر القتل والقمع إلا بمعرفته فهو الأول كما كان أبوه وشهد بذلك جميع المقربين منه. هذا وقد جاء في خبر عاجل على قناة أورينت أن وزير الخارجية القطري أفاد بالتوقيع على المبادرة العربية من قبل بشار قريبا، فإن ثبت الخبر فإنه ربما يكون إتمام لفبركة أجراها مع الروس الذين طرحوا المبادرة الجديدة قبل أيام وفيها تبني مطالب الجامعة العربية كنوع من التكتيك لإنقاذ بشار ونظامه وكي يكسب الوقت ويراوغ عساه ينهي الاحتجاجات ومعروف أن ساسة متمرسين ردوا على المبادرة الروسية بأنها غير متوازنة وأن قلبها أجوف وإن قبل منها بعض الشيء، ذلك لأن الحقائق والوقائع والقرائن أثبتت وتثبت أن روسيا ليست مخلصة للثورة والشعب الحر الأبي ولأن المبادرة خالفت المنطق تماما عندما طلبت وقف العنف من طرفي الحكومة والمعارضة ملبسة على العالم وكأنه غبي – أن طرف الثوار والمعارضة يعادل طرف الحكومة ولعمري إن هذا لهو الجور بعينه إذ إن الطرف السلمي لا يعادل فيما قد يرد به على الطرف الحكومي المهاجم المقتحم المدمر للبلاد والعباد واحدا في المائة حين يضطر للدفاع عن نفسه أو حرماته وخاصة النساء وكذلك مدافعة الجيش الحر عن المتظاهرين فهي جد ضئيلة بالمقارنة مع طغيان النظام فلا تكافؤ أصلا ولكن الروس غير منطقيين وظلمة، وما عرفت عنهم نصرتهم للشعوب أمام الحكام وخاصة من يطالب بالحرية وقد قرأنا أنه كيف كان الروس يقتلون المسلمين بالملايين بعد نجاح الثورة الماركسية وكانوا يستميلونهم ويثيرونهم ضد الحكم القيصري ثم قلبوا لهم ظهر المجن وأبادوهم بجيشهم الأحمر، وكذلك الصينيون الذين استعانوا بالروس لإخماد ثورة المسلمين وقتلوا وذبحوا وهجروا، ومازالوا يضيقون على المسلمين ولو خف الأمر قليلا مؤخراً، ولكن الحقيقة تثبت أن الروس والصينيين لا يقفون إلا إلى جانب الديكتاتوريين الذين يحققون لهم مصالحهم ويلعبون دوما لإبقاء مصالحهم مع أي حكم جديد وكم لعبوا في ذلك بالاتفاق مع الغرب من وراء الكواليس ليس وهم لا يعدمون أن يلتقوا بكل رجل مؤثر ليقنعوه كما حصل مع العلامة القرضاوي حين قابله السفير الروسي في قطر ورفض الشيخ موقف روسيا من النظام السوري كما أن لافروف وزير خارجيتهم دافع عن الانتخابات المزورة التي نجح فيها بوتين الأسبوع الماضي ولا تزال المظاهرات مستمرة ضده بعشرات الألوف وقد تدنت شعبيته إلى أدنى مستوى ومع ذلك أخذ يدين مواقف الغرب لأساليب تعاطيها مع الملف السوري، وهكذا النفاق وليس غريبا أن مواقف الروس والصينيين إنما ترمي لحماية أمن إسرائيل فهو خط أحمر عندهم ولقد كان حافظ الأسد والآن ابنه خير حافظين لإسرائيل وبمعونة الروس.
أما المبادرة العراقية فليس لها قيمة تذكر اليوم لأنها تسير بتوجيهات المالكي الشيعي المؤتمر بأمر إيران وبطاعة خامنئي نفسه وإلا فإن المالكي كان عدوا لبشار وأكد مسؤولية سورية عن التفجيرات الرهيبة السابقة ولكنه اليوم معه بإمرة ولاية الفقيه وصرح بأن العلويين فرع من الشيعة ولذا فنحن لا نود إسقاط بشار وقد طلب من أوباما في واشنطن عدم التدخل الخارجي لإزاحته فقال أوباما وأنت لولا التدخل الخارجي ما كنت معي اليوم، وهكذا قس موقف حسن نصر الله الذي لم تهمه دماء السوريين وإنما الوقوف مع الجلاد ولابد أن الثورة باعتمادها على الله والشعب ستنتصر إن شاء الله.
khaled-hindawi@hotmail.com
النظام في إيران بين خطاب التبرير وسياسات التصعيد
دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التوتر الأمني مع اتساع رقعة الحرب التي اندلعت في 28 فبراير... اقرأ المزيد
153
| 17 مارس 2026
وداعاً أيها الراقي المتميز
يوم الأحد الماضي وردنا خبر وفاة مذيع قناة الجزيرة المتألق الراحل جمال ريان، رحمه الله وغفر له، والذي... اقرأ المزيد
138
| 17 مارس 2026
رمضان ليس موسماً للتسول
يأتي شهر رمضان كل عام محملًا بقيم الرحمة والتكافل الاجتماعي، وهو شهر تتضاعف فيه أعمال الخير، ويحرص الناس... اقرأ المزيد
96
| 17 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود من الطبيعة الجغرافية التي هي مسرح العمليات فنحن نتحدث عن إيران كمساحة تبلغ حوالي 1.7 مليون كم2 تنتشر فيها القوات والقدرات الايرانية محصنة بسلاسل جبلية يصعب اختراقها ولذلك فإن القوتين المحاربتين لإيران في حاجة لتغطية كل هذه المساحة واختراق القمم الجبلية. وهذا سيكون من الصعب خاصة عند الحديث عن آلاف المواقع التي تحتاج تغطيتها وقد تعود عدة مرات لمثل هذه المواقع لكي تتأكد انه تم تدميرها وفي الكثير من هذه المواقع يصعب الوصول لها إما لأسباب طبيعية أو التمويه من قبل القوات الإيرانية، في المقابل مساحة فلسطين تعتبر صغيرة والقدرات الإسرائيلية متكدسة ومكشوفة فيسهل لإيران الوصول لكل هذه الأهداف بشكل ميسر إما لقلة عدد الاهداف او لتواجدها قريبة من بعضها او لكون إيران تستخدم الصواريخ الدقيقة للوصول لها. في الجانب الآخر وخاصة استخدام سلاح الطيران والذي تعتمده اسرائيل وامريكا سيكون شاقا عليهم مثل هذه الحركة لمسافة آلاف الكيلومترات فيستنزف الكثير من الوقود ويستنزف الكثير من طاقة الطواقم او يكون مكلفا باستخدام حاملات الطائرات وتكون معرضة للهجمات. ويرفع المخاطر عليهم بسبب تقادم مثل هذه الطائرات، إذن مسافات خطوط الامداد تبدو في صالح الطرف الايراني وايران هي المصنعة لصواريخها ومنصات انطلاقها، فبالامكان تسمية هذا انه "مسافة السكة" لايران بينما يعاني الطرف الاخر من تعقيدات خطوط الامداد التي تزيد عن احد عشر الف كم. واذا اضفنا الى هذه المسافة مساحة ايران تبرز مدى الصعوبة في السيطرة على الأحداث في الارض بالنسبة لسلاحي الطيران، اذن اذا كانت المساحة في صالح ايران وخطوط الإمداد في صالح ايران والمخزون أيضا في صالح ايران فبعد ان انهكت اسرائيل وامريكا في حرب غزة واوكرانيا وعلى مدى سنتين أو أكثر فإن مخزونهما من الذخيرة ومستوى استنزافهما بلغ درجات قصوى ولذلك فاعتمادهما استراتيجية الصدمة والترهيب قد تكون مفيدة في حال كانت فترة المواجهات قصيرة. اما اذا امتدت فترات اطول فإنها قد تعرضهما اما لزيادة الانهاك بالنسبة للطواقم والتهالك بالنسبة للطائرات والاجهزة والحالة الثالثة نفاد مخزون الذخيرة وهذه ثلاثة عوامل جد خطيرة بالاضافة إلى عاملين اخرين يخدمان ايران وهما التكاليف المنخفظة مقارنة بانتاج الذخيرة الامريكية التي تبلغ اكثر من خمسين ضعفا مقارنة بانتاج الذخيرة الايراني وعمليات الانتاج الايراني المستمرة وهو انتاج حربي في مقابل الشركات الامريكية والتي تحتاج خطوط انتاجها فترات زمنية طويلة للانشاء والانتاج. فإذا أضفنا لكل هذه العوامل الجبهة الداخلية بالنسبة لايران تبدو صلبة وأما الجبهات الداخلية بالنسبة للولايات المتحدة فإن الشعب الأمريكي يرفض مثل هذه الحرب وقد تؤدي بالادارة الامريكية لفقدان الانتخابات النصفية وما بعدها أيضا فقدان الكونغرس وكذلك الحال بالنسبة لاسرائيل فالجبهة الداخلية متشظية ومنهكة وتتجاذبها الايديولوجيات من العلمانية الى الليبرالية والمذاهب المختلفة من الحسيدية الى الحريدية. فاذا نظرنا وجدنا أن العامل الزمني يخدم ايران، فمع مرور الزمن تتراجع مكانة وقدرات أمريكا واسرائيل فلا هما قادران على فك حصار مضيق هرمز ولا قادران على الدفاع عن نفسيهما امام صواريخ ايران الفرط صوتية ومسيراتها، وبما ان أمريكا واسرائيل هما من بدأتا هذه الحرب بظروف غير مواتية لكلتيهما اصبح الرأي العام العالمي داعما لإيران بما انه اعتدي عليها من قبل امريكا واسرائيل، والأخطر ان ايران تملك ايضا ورقة الطاقة خاصة لموقعها الجغرافي على مضيق هرمز. وهذا سيجعل من الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي جد صعبة فأي زيادة في أسعار الطاقة سيكون لها تداعيات بالغة على الاقتصاد وعلى الإدارة الامريكية. الخلاصة، الجغرافيا تخدم إيران، الديموغرافيا تخدم إيران، خطوط الإمداد تخدم إيران، الأوضاع النفسية في داخل إيران او خارجها تخدم ايران، الاسلحة الدقيقة القادرة على ضرب أصول القوات الامريكية والاسرائيلية في صالح إيران، وورقة الطاقة في صالح ايران، واذا استطاعت ايران ضبط معدل اطلاق الصواريخ والمسيرات مع معدل الإنتاج فستملك إيران أوراق الصمود وهي من سينهي الحرب.
4572
| 16 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1506
| 11 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1266
| 11 مارس 2026