رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تلقيت من الأستاذ وليد الراشد أحد مؤسسي حركة السادس من أبريل المصرية والتي شكلت إلى جانب كيانات أخرى أحد المرتكزات المهمة والحيوية في إنجاز ثورة الخامس والعشرين من يناير مقالا مهما يعلق فيه على مقالي الذي نشر في هذه الزاوية الاثنين الماضي بعنوان "في المسألة المصرية الأمريكية "ولأنه يحتوي على رؤية أخرى رأيت نشر بعض من محتوياته إيمانا بمنظور الرأي والرأي الآخر خاصة أنه دارس للعلوم السياسية ويقوم بتحضير لأطروحة الماجستير فيها - كما أبلغني في رسالته الإلكترونية - فليشاركني القارئ المحترم في قراءة أهم ما في هذا التعليق نظرا لمقتضيات المساحة.
يقول وليد: لا الذي رفض ديمقراطية العالم حين صوتوا لصالح عضوية كاملة لفلسطين في اليونسكو وعلى أساسها عاقب دول العالم الفقيرة بوقف تمويله مشروعات اليونسكو الإنسانية يشجع حقوق الإنسان ويدعم الديمقراطية.... ولا الذي يتلقى تمويلا سنويا معلنا منذ توقيع معاهدة كامب ديفيد وقبل 30 عاما من أمريكا وقدرة 2.1 مليار دولار لمصر، (منها 815 مليون دولار معونة اقتصادية، و1.3 مليار دولار معونة عسكرية) يخشى تدخلها في الشؤون الداخلية لمصر. فمن السذاجة بمكان أن تخيل لنفسك ولشعبك أن المساعدات والمعونات الاقتصادية التي تتلقاها ليست مرتبطة بقرارات ومواقفك السياسية
لا الذي رفض ديمقراطية أتت بحماس على رأس السلطة في فلسطين يشجع الديمقراطية ويدعمها ولا الذي يتسول المساعدات الاقتصادية من البنك الدولي والدول الثماني العظمي ودول الخليج العربي يحق له أن يستخدم كلمات رنانة طال عليها الزمن وعفى من نوعية لن نركع ولن نستسلم ونرفض التدخل الاجنبي فلم تعد علاقات الدول ببعضها تقوم على غير المصالح المتبادلة والمشتركة.
تعريف الديمقراطية في أعين الإدارة الأمريكية لخصها (دينيس روس) - الذي كان مبعوثا خاصا للسلام الشرق الأوسط – بقوله بعدما فازت حماس في الانتخابات الفلسطينية " من حق الناخبين (في الشرق الأوسط) أن يختاروا من يشاءون، ومن حقنا أن نتعامل مع من نشاء، فالانتخابات لا تصنع ديمقراطية، وليس علينا أن ندعم من يرفضون معتقداتنا "
ديمقراطية أمريكا نعرفها نحن من تهديدها أناء الليل وأطراف النهار باستخدام الفيتو حال صوتت دول الأمم المتحدة لصالح عضوية كاملة لفلسطين في مجلسهم الموقر... فكيف لهم أن يتحدثوا عن دعم الديمقراطية؟
وهل يعني المجلس العسكري أن تدين دول أجنبية اعتداءات وحشية مصورة صوت وصورة لجنوده البواسل على مواطنين عزل أم يعني أن تتوقف بالأساس تلك الممارسات ولا تسمع شجبا ولا إدانة؟
لا الذي دعم ومازال يدعم أعتى الأنظمة الديكتاتورية والشمولية في العالم وآخرها نظام مبارك وبن علي وعلي عبد الله صالح وإلى آخر القائمة المفتوحة يشجع الديمقراطية وحقوق الإنسان ولا المجلس العسكري الذي يمتاز بعلاقات تاريخية مديدة وقوية مع الإدارة الأمريكية زينتها صور لقاء المشير طنطاوي مع رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة مارتن ديمبسي قبل أيام بالقاهرة تعكس مدى التقارب والود.. جاد في اتهامه لأمريكا بأنها تسعى لأعمال تخريبية في مصر.
كلاهما ببساطة وبصراحة مطلقة محتال بامتياز ويخدع شعبه.. وكلاهما يريد لنا دائما أن نفهم غير الذي نرى وأن نصدق غير الذي نسمع. فعلى أمريكا أن تفهم وعلى المجلس العسكري أيضاً أن يفهم أنه ولد في مصر جيل جديد يفهم ويقرأ ويفكر ويحلل... يسمع ويرى... حقق ثورة حين كانت الإدارة الأمريكية ومعها المجلس العسكري يدعمان مبارك ويشجعانه على فساده وانتهاكه لأبسط معاني حقوق الإنسان
إذا كانت أمريكا حقا تدعم الديمقراطية ويشغلها الإنسان وحقوقه في مصر فإنه يتعين عليها فورا وقف تصدير شحنات القنابل المسيلة للدموع التي خنقت وقتلت ومازالت تقتل المتظاهرين السلميين في مصر وغيرها من الدول.
وإذا كان المجلس العسكري بحق يرى في تدخل أمريكا وزرعها منظمات مجتمع مدني يرى في أعمالها شبهات تصل إلى حد التجسس وتخريب البلد كما ينشرون في أبواق إعلامهم صباحا ومساء فهل هذه اتهامات تعالجها حوارات السياسة واللقاءات المشتركة والصور الودودة؟ ما هي قرارتك التي اتخذتها ضد أمريكا أيها المجلس الوطني العظيم؟ هل سحبت سفيرنا في واشنطن مثلا؟ هل استدعيت السفيرة الأمريكية في مصر لإبلاغها تهديد شديد اللهجة بانتهاك إدارتها لسيادة الدولة المصرية؟ هل مثلا حتى عدلت في قوانين منظمات المجتمع المدني داخليا وأعلنت أنه لا تمويل خارجيا بعد اليوم في مصر؟ الإجابة على كل الأسئلة (لاشيء) لم تفعل ولن تفعل شيئا.
بل على العكس تماما فالسيدة فايزة أبو النجا وزيرة التخطيط والتعاون الدولي لا تكف عن ملء آذاننا بأن العلاقات المصرية الأمريكية استراتيجية وأن أزمة منظمات المجتمع المدني لن تؤثر على علاقات البلدين.
نعم هناك أزمة وعدم ارتياح فاحت رائحته بين الإدارتين: المصرية والأمريكية.. لكن الأزمة الحالية المعلنة ما هي إلا غطاء يلعب من خلفه الطرفان سياسة. وستستمر الأزمة هكذا طالما لم يصرح الطرفان بماذا يريد كلاهما من الآخر وستستمر الأزمة طالما لبست أمريكا قناع دعم الديمقراطية ولبس أمامها المجلس العسكري قناع محاربة التدخل الأجنبي... وستنتهي الأزمة في أقرب فرصة وعلى حين فجأة ودون مقدمات أو سابق إنذار حين يأخذ كل طرف من الآخر من يريد... قد تنتهي اليوم أو ربما غدا... هي فقط مسألة وقت.
أمريكا لا تستطيع أن تعيش أو تتنفس دون أن تزرع أنفها في كل شيء يدور حولها ظنا منها أن العالم يتآمر عليها وعليها حماية نفسها وما يعنيها الآن أن تضمن تعاونا وشكلا للعلاقة مع الإدارة المصرية الجديدة لا يختلف كثيرا عن إدارة مبارك.
ولا المجلس العسكري يستطيع أن يعيش دون أن يرسم سيناريوهات ويطلق الفزاعات في أوجه المصريين من قبيل أن مصر مستهدفة وثمة مخططات لتقسيمها وكأننا تلك القطعة التي لا يفكر العالم في شيء غير التآمر عليها. فالمجلس العسكري أضاع على نفسه فرصة تاريخيه في مصر بسوء إدارته التي لم يسبق لها مثيل للفترة الانتقالية منذ رحيل مبارك انعكس مما أدى إلى انخفاض شعبيته لأدنى مستوياتها بدءا من (الجيش والشعب ايد واحدة) ووصلت الآن إلى (يسقط يسقط حكم العسكر) وقالوا قديما إن هاجمك معارضوك فاتهمهم بأنهم أصدقاء الأمريكان حتى وإن كنت أنت نفسك أشد أصدقاء الأمريكان. أسلوب قديم مكرر استهلك يوضح أنه لم يحدث أي تطور في عقول من يحكموننا وأن الفلسفة مازالت هي نفسها
لكن هذه المرة يعتقد المجلس العسكري أنه الطرف الأقوى حاليا في هذه الأزمة ورأيي كذلك – فقد هزم الحليف الاستراتيجي لأمريكا شر هزيمة وعليه فالطبيعي أن تأتي أمريكا لخليفة مبارك لبناء شكل العلاقة الجديدة واعتقاده أيضا مفاده أن أمريكا لا يمكنها الاستغناء عن حليف استراتيجي قوي متمركز في أهم مناطق العالم (الشرق الأوسط) طالما دعمت علاقتها بة منذ 1973.... وهنا يعتقد الطرف الأقوى أن عليه أن يملي شروطه ويفرض حدود وشكل ونوع العلاقة الجديدة.. وهنا أيضا ذهب معظم المحللين السياسيين على أنه (ينبغي على أمريكا أن تفهم أن كنزها الاستراتيجي مبارك لم يعد على رأس السلطة في القاهرة وأن تغير من شكل علاقتها مع النظام الجديد بعد مبارك)... لكن هل المجلس العسكري هو النظام الجديد أو حتى النظام القادم في مصر؟ كلام المجلس نفسه يؤكد عكس ذلك فهو لن يكون في السلطة بعد يونيو القادم. وعليه فالمجلس العسكري سيضغط على الإدارة الأمريكية قدر استطاعته ليحقق أعلى مكاسب تحقق مصلحته وفي أقرب وقت باعتباره سيرحل في يونيو القادم.
أول المكاسب حققها بالفعل داخليا من اكتسابه شعبية محلية بهجومه على أمريكا. وثانيها ستكون مكاسب في منطقة إدارته وعمله - أقصد العسكرية... قد تكون الحصول على صفقات أسلحة جديدة مثلا!! أو ورقة ضغط قد تأخذ شكل أجراء تعديلات في اتفاقية كامب ديفيد يسعى المجلس العسكري من خلالها لتعديل بعض البنود الخاصة بانتشار الجنود المصريين في سيناء؟ كلها بالتأكيد مكاسب.
أو يسعى المجلس العسكري باستبدال المواطنين الأمريكان المعتقلين في مصر على ذمة قضية منظمات المجتمع المدني الغير شرعية مثلما انتهت علية قضية الجاسوس الإسرائيلي من أصل أمريكي آلان جراييل؟ لكن بمن تستبدلهم هذه المرة؟ قد يكون الشيخ عمر عبد الرحمن المعتقل حاليًا بالسجون الأمريكية والصادر في حقه حكما بالسجن مدى الحياة بتهمة التورط في تفجيرات نيويورك عام 1993... وهنا يتحقق مكسب جديد للإسلاميين الذين ينتمي لهم الشيخ عمر عبد الرحمن؟ يجوز... أو مقابل الحصول على عمر عفيفي المعارض المصري والحاصل على حق اللجوء السياسي في أمريكا والذي يرى فيه المجلس العسكري أحد أسباب إشعال الأزمات الأخيرة في مصر؟ ربما... جميعها مكاسب شعبية.
انتفاضة أم هبة في فلسطين..؟
ثمة من يحاول أن يقلل من الحراك الشعبي المدهش في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة بوصفه مجرد هبة جماهيرية... اقرأ المزيد
371
| 11 يناير 2016
أحوال الأمة في العام 2016
بعد ساعات قليلة، نعانق العام الجديد 2016 وثمة تساؤل يدق الرؤوس: هل سنشهد أحوالا مغايرة لأحوالنا في العام... اقرأ المزيد
437
| 28 ديسمبر 2015
ليبيا .. الخروج من دائرة الوجع
ينطوى الاتفاق السياسي الذي وقع عليه الفرقاء الليبيون بمدينة الصخيرات المغربية يوم الخميس الماضي, على رغبة حقيقية في... اقرأ المزيد
310
| 21 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3030
| 24 سبتمبر 2026