رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أحدثت الولايات المتحدة نقلة ثورية هائلة في استخدام الصورة والتلاعب بها تلفزيونيا وسينمائيا خلال الإعداد للحروب وفي تغطية وقائعها وتحقيق أهدافها، حتى صارت الحروب ممسرحة أو حالة متلفزة او سينمائية التقديم للمشاهد القابع أمام أجهزة التلفاز –الرأي العام وعموم المجتمعات على اتساعها في مختلف أنحاء العالم وبكل اللغات- لتنقل له رسائل الصدمة والترويع من جهة، وكل رسائل الحرب النفسية من جهة أخرى – بتحويله إلى وضعية المتواجد في أرض المعارك –حتى صار المشاهد في بيته جزءا مكونا من أعمال الحرب. مثل ذلك تطويرا وتوسيعا لمفهوم الحرب ونمطا من أنماط تطوير الجهد لإحداث التغييرات السياسية المستهدفة من الحرب. وكانت بداية انطلاق حالة مسرحة الحروب وتقديمها سينمائيا عبر التلفاز، حين جرى إطلاق قناة السي.إن.إن الأمريكية بالتزامن مع حرب العراق في مطلع التسعينيات، لتكون هي المرة الأولى التي يجري فيها تقديم العمليات الحربية وكأنها ألاعيب نارية – تشبه الاحتفالات - تنقل المتابع إلى قلب أرض المعركة ليرى ما يراد له أن يرى، حيث يرى حربا وقوة نارية ساحقة -بل يمكن القول مبهرة -دون أن يرى أي قتيل أو مصاب. لقد جرى نقل الرسالة الإعلامية (السياسية والنفسية) إلى أوسع قطاع ممكن من السكان لتقديم رسالة خوف من ذاك القادر على القصف والتدمير، دون ترك مسافة نفسية له للوقوف ضد الدمار والقتل، بل جرى السعي لاقتناص الإعجاب من المشاهد بما يرى أمامه.
وقد توسع الأمر، وشهد اندفاعة كبرى، بعد ظهور القنوات الفضائية العربية ومع تنامي حالة ارتباط الجمهور بمواقع التواصل الاجتماعي. كما أصبح الإخراج المسرحي والتلفزيوني أكثر دقة وإبهارا إلى حد العمل السينمائي الهوليودي، حتى صار بالإمكان تقديم رواية كاملة التزييف للواقع والحرب، ليشاهد المتابع رسالة إعلامية طاغية على عقله لا يملك معها المقاومة ورفض المتابعة. لقد روى المراسلون خلال حرب احتلال العراق (2003)، كيف أنهم غطوا تلك الحرب من مكاتبهم أو من أماكن بعيدة عن ساحات القتال، إذ كانت الأفلام المصورة معدة من قبل مكاتب الجيش الأمريكي هي ما يصلهم في مقراتهم ليقوموا بنشرها في وسائل الإعلام التي وفدوا منها، دون أن يروا ويتابعوا شيئا في أرض المعارك.
وقد ظلت الولايات المتحدة منفردة بتلك الحالة طوال وجود قواتها في العراق وأفغانستان –بما مكنها من تحقيق السطوة الإعلامية الكاملة -وكانت آخر الروايات المخرجة تلفزيونيا أو سينمائيا، هي رواية أو فيلم سجن أبو غريب، التي أعدت بإتقان شديد لترويج رسائل شتى، بعضها كان موجها لإرهاب المقاومة العراقية –رجالا ونساء –وبعضها جاء ضمن محاولة غسل سمعة الجيش الأمريكي مما لحق بها من عار ارتكاب أعمال قتل ممنهجة للمدنيين الآمنين. كانت الولايات المتحدة هي من كشفت الجرائم ونشرت الأفلام والصور، وهي من حولت مرتكبيها للقضاء. وكان لافتا في تلك المرحلة أن أظهرت الجماعات المعادية للولايات المتحدة تعلما واستخداما لنفس الطرق وإن كان بطرق بدائية في البداية بطبيعة الحال، إذ جرى الاكتفاء بالرسائل الصوتية أو المتلفزة التي لا تظهر سوى صورة من يتحدث، وكان أهم ما ظهر في تلك المرحلة رسائل الشيخ أسامة بن لادن وتسجيلات من شاركوا في أحداث 11 سبتمبر..إلخ.
لكن الأمور تغيرت بعد انسحاب القوات الأمريكية، إذ صارت عملية إنتاج الأفلام واللقطات حالة يومية لتغطية حالات الاقتتال الداخلي التي جرى نشرها في الإقليم تحت إشراف القوة الأمريكية المحتلة، لنصبح أمام موجة واسعة وفي مناطق متعددة من الحروب الممسرحة والمتلفزة والمخرجة سينمائيا، إذ لم تجر أي عملية من أي نوع إلا وكان الإعلام ناقلها عبر مقاطع فيلمية، اعتمدت هنا على إبراز مشاهد القتل والذبح والدمار، لتوجيه المشاهد ضد مرتكبيها على عكس ما حدث في المرحلة السابقة. فبقدر انتشار وتوسع الحروب الأهلية –ما بعد نهاية الموجة الأولى من الربيع العربي- بقدر ما جرى التوسع في نشر اللقطات التي جاء التطور التكنولوجي للهواتف الجوالة ولكاميرات التصوير ليحدث دفعة هائلة لها. صار الإنسان وكأنه جزء متصل بواقع مجريات الحرب والصراع لحظة بلحظة، وهو ما سمح للمنتج الأكبر والأكثر حرفية، أن يدس أفلامه وسط هذا الخضم ليحقق أهدافه دون أن يضبط متلبسا.
أصبح اللافت أن هذا التوسع أو الطوفان من اللقطات والأفلام السينمائية لدى كثير من الدول والجماعات والكيانات، صار مرسوما بدقة الحرب وحرفية السينما، وإن جاء حاملا لرسائل الحرب النفسية وبقدرة هائلة على تغيير مواقف الكتل السكانية والمجتمعات والدول، وفق دورة مفتوحة للنشر تجعل المتابع متأثرا بالتعود فلا يسأل عن مصدر ومكان وجهة إنتاج تلك الأفلام ومدى صدقيتها.
وتلك أحد أخطر أدوات الفوضى!.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما زالت تتساقط في فضاء واقع ما زالت فيه ترسبات أحداث الإبادة في غزة حاضرة في الذهنية الإنسانية وجاءت إفصاحات ابستين لتتعالق معها وتخلق علاقات كانت خافية على المراقبين ومغلفة في عالم المصالح والمنافع، هذا التهاوي وترسباته يعطي دلالات على عالم يباد وعالم ينشأ من خلال الأحداث وتداعياتها ليتكوّن على ارض واقع جديد، فما حدث لأطفال أمريكا لا يختلف عما حدث لأطفال غزة تشويها وقتلا من قبل عقلية ترى انهم غير بشر وسترى البشرية أن عقلية وذهنية ما قام به ابستين وشركاؤه مماثل لما يحدث في فلسطين وأطفال ونساء غزة من إجرام وقتل وإبادة وفي الكثير من الأحيان في احتفالات تبرز نفسيات عدمت الإنسانية. تساقط فتات الإفصاحات والفيديوهات كما يتساقط فتات الأحياء المائية في وسط المياه ليتراكم ويخلق شعابا في الطبيعة هي مأوى للكائنات الحية المائية ولكن فتات إفصاحات ابستين والكيان يكوّنان حطاما لشعاب سامة شيطانية مظلمة لا يعيش فيها إلا الشياطين. أين سيتموضع العالم وإلى أي مدى سيعاد تشكيل الضمير العالمي وكيف ستتشكل المفاهيم وتتحول العداءات من الإسلاموفوبيا إلى محبة، كيف ستتمحور مفاهيم الإسلاموفوبيا والهولوكوست ومعاداة السامية وغيرها وفلسطين والفلسطينيين وكيف سيرى الناس معاناة فلسطين وغزة والضفة، من سيسقط ومن سيحاكم، وكيف سيتعامل الناس مع الدين والمبادئ، ولتقع ترسبات فظائع ابستين والنخبة أينما تقع فبعد أن تبددت هالة الظلام والهيمنة ستكون تداعياتها هي المحرك للتغيير في ذهنية العالم لتنشئ وعيا أمميا جديدا ينهي زمن الظلام. تزامن هذا التكاثف مع حشد عظيم في منطقة الخليج وجهود إبراز عظيم القوة حتى تتمكن الإدارة الأمريكية من الحصول على أفضل صفقة مع إيران. جمعت الإدارة الأمريكية كل ما لدى أمريكا من قدرات وإمكانات وبعثتها للخليج في موجات الموجة الأولى مع التهديد والوعيد إلى الغزو والنفير، وبعد ذلك التهديد والوعيد اصبح طريق التفاوض ممهدا بعد ان كان بعيد المنال، فكانت المرحلة الأولى في تحديد الموقع والمكان ووضع إطار للمفاوضات يبدو أن الإيرانيين قادرون على تحديد المكان مثل عمان، ففي الإطار التفاوضي ما زالت إيران تقول إن التفاوض والحديث عن النووي فقط كإطار عام وما زالت الخارجية الأمريكية تتحدث عن أربعة مطالب النووي وبرنامج الصواريخ البالستية واحترام سيادة الدول وعدم دعم الميليشيات. وان كانت الإدارة الأمريكية قد استفادت من رفع الضغوط على الإيرانيين وعلى نتنياهو وعلى كل من في المنطقة وصرفت الأنظار عن ملفات ابستين ففي ذهن الإدارة الأمريكية تكون قد حققت ما تصبو اليه من العودة للتفاوض وتجاوز ابستين ومن ثم أيضا سحب القوات الأمريكية إلى الولايات المتحدة فتكون مناطق النفوذ والجغرافيا قد حددت ما بين الولايات المتحدة وجغرافيا أمريكا الشمالية والجنوبية والصين وتايوان وروسيا والدونباس فإعادة رسم الخرائط قد يكون أساس التفاهمات والمواجهة الأمريكية الإيرانية لتحديد الخط الأهم خط الردع في منطقة الشرق الأوسط منطقة النفوذ ونكون على أبواب إعادة تشكيل النظام العالمي ليكون متعدد الأقطاب وقد نرى ضغطا من قبل الصين وروسيا على الولايات المتحدة للعودة للالتزام بالقانون الدولي ومنظمات الأمم المتحدة وتطبيق القانون الدولي مع تحملهم التداعيات المالية وهذا يعني الضربة النهائية في كفن الكيان.
2157
| 23 فبراير 2026
مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد لله الذي بلغنا شهر الصيام والقيام، يحلّ علينا ونحن في شوق كل عام لهذا الضيف العزيز، الذي جعله الله محطة لتزودنا بالتقوى والزهد، والسكينة تعلو فيه الهمم، وتنكسر فيه حدة الشهوات والتعلق بملذات الحياة. وهذا كله من الحكم التي من أجلها فُرض الصيام تصديقًا لقوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) [البقرة] وضع الله سبحانه وتعالى التقوى غاية للمسلم، التي من أجلها فُرض الصيام، فهي ثمرته الحقيقية التي يصل بها إلى بلوغ المرام، وبها يتعلم الإنسان ويتدرب ويتعوّد على ضبط شهواته، ومراقبة ربه في السر والعلن. في رمضان فرصة عظيمة لنجدّد العهد مع الطاعة، ونقوي تواصلنا وعلاقتنا بالخالق سبحانه وتعالى. فعلى الرغم من أن فريضة الصيام لا تتكرر إلا مرة في العام، إلا أن لها أثرًا عظيمًا في القلوب، وتغييرًا عميقًا في السلوك لمن أحسن استغلال هذه الأيام واغتنام نفحاتها. والصيام في المجمل من أجل الأعمال، وأعظمها أجرًا، ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به) رواه البخاري. فإبهام جزاء الصوم من الله تعالى يعد تشريفًا لهذه العبادة لم تنله عبادة أخرى. كل هذا الفضل والرفعة في الصيام على إطلاقه، فكيف بصيام الفريضة، الذي أوضح لنا النبي الكريم ﷺ ثوابه العظيم، فقال: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه. فاللهم وفقنا لصيام هذا الشهر الكريم احتسابًا، وأعنّا فيه على بلوغ التمام، وارزقنا في هذا الركن الثمين العفو والمغفرة، وزودنا يا الله بالتقوى والإخلاص في القول والعمل، يا رب العالمين.
891
| 18 فبراير 2026
كلنا يعلم الرابط القوي والعلاقة المميزة بين القرآن وشهر الصيام، فقد نزل القرآن الكريم في رمضان. قال تعالى: [شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَان] [البقرة: 185] ارتباط نزول هذا الكتاب الكريم في هذا الشهر المبارك يجعل المسلم يشعر بقدسية هذه الأيام، فيبالغ في اهتمامه وتعهد القرآن في رمضان بشكل مميز، ويكون حاله أفضل مما هو عليه في سائر أوقاته. فيُقبل على كتاب ربه يقرأه بشغف ولهفة، يتدبر الآيات ليتعلم الأحكام، ويأخذ العِبر، ويسعد بالمبشرات من ربه، فيسعى لنيل الدرجات، بل ويطمع فيما هو أعظم من ذلك: الفوز بشفاعة القرآن والصيام معًا، وذلك هو الفوز العظيم. فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، فَيُشَفَّعَانِ.» (صححه الألباني). فالقرآن الكريم نزل ليكون زادًا للقلوب ومنهجًا تربويًا متكاملًا يهذب عقولنا ويربي أنفسنا على الطاعة، فتستقيم به أخلاقنا وطباعنا. في القرآن مدرسة للأحكام، والأوامر، والنواهي، والقصص، والعبر، والحِكم الإلهية التي يتربى بها المسلم على الإيمان بالله واليقين في كل ما قدر وقضى علينا من الأمور. يعلمنا القرآن الخشية والانضباط، ومراقبة الله في السر والعلن، وكلما اقترب المسلم من القرآن ازداد وعيًا وحكمة، وتوطدت علاقته بربه وبمن حوله. كما أن القرآن هداية حقيقية للمسلم، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9] فهو يوجه السلوك، ويقوّم الاعوجاج، ويضع للإنسان ميزانًا أخلاقيًا واضحًا في كل شؤون حياته. ومن جميل ما قيل عن القرآن: هو الزادُ إنْ ضلَّتْ خطانا في المدى وبه القلوبُ عن الضلالِ تُصانُ وأعظم ما نحتاج إليه اليوم هو التمسك بالقرآن، لنلمس أثره في التربية والسلوك داخل بيوتنا وخارجها، حتى نشعر بأن القرآن هو زاد لقلوبنا ونبراس لعقولنا وأساس بناء المسلم الصالح والمجتمع الفاضل.
660
| 20 فبراير 2026