رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في خطوة قائمة على المبادرة العلمية لمركز الدوحة الدولي لحوار الأديان خارج الوطن، وفي جزء من جزيئات رسالتها التوعوية للإنسانية جمعاء نظم المركز بالتعاون مع جامعة سراييفو مؤتمراً دولياً حول "دور التعليم في تعزيز السلم العالمي والتسامح في جنوب شرق أوروبا" في العاصمة البوسنية بـ"سراييفو"، وشارك في المؤتمر قرابة ثلاثين باحثاً من (16) دولة متمثلة في وفد قطري من مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان برئاسة الدكتور إبراهيم النعيمي رئيس مجلس إدارة المركز، والدكتورة عائشة يوسف المناعي عضو المجلس الاستشاري للمركز وعميدة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، وكاتب هذه السطور الدكتور يوسف محمود الصديقي.
وبقية المشاركين من جمهوريات يوغسلافيا سابقاً، والتي هي الآن على النحو الآتي:
— جمهورية البوسنة والهرسك؛ وعاصمتها سراييفو ونسبة المسلمين فيها 60 % ، ويتكون سكانها من أرثوذكس وكاثوليك.
— سلوفينيا؛ الأغلبية العظمى من سكانها كاثوليك.
— كرواتيا؛ الأغلبية من سكانها كاثوليك.
— صربيا؛ الأغلبية من الأرثوذكس.
— ومن ثم انفصلت كوسوفو عن صربيا، وأغلبيتهم أرثوذكس.
— الجبل الأسود؛ الأغلبية أرثوذكس.
— مقدونيا؛ أرثوذكس ومسلمون.
وقد شارك في المؤتمر أكاديميون وعلماء من فلسطين، والأردن، ولبنان، والبلقان، وايطاليا. وكل هؤلاء يمثلون أديانهم واتجاهاتهم الفكرية والأيديولوجية المختلفة.
وتناولت جلسات المؤتمر قضية التعليم، وخاصة في ما يتعلق بدور التعليم في تعزيز قيم التعايش السلمي بين أفراد المجتمع الواحد، الذي يتكون من مكونات عدة ومختلفة في قومياتها وهوياتها، وحضارتها وركائزها ومنطلقاتها العقدية الدينية؛ وكيف لمجتمع بهذه التركيبة المعقدة والمتنوعة أن يعيش في سلم اجتماعي، الكل يحترم الكل، هذه هي المهمة الأولى التي اناطت بها الأوراق البحثية
وهذه التركيبة الاجتماعية والقومية المتنوعة والمختلفة هي بحاجة ماسة إلى تعليم، أو نهج تعليمي قائم على الاحترام المتبادل والتعايش والتفاهم والسلم بين هذه القوميات والديانات والتنوع الاجتماعي، وإلى الموضوعية العلمية والأمانة الأخلاقية التي تحتم على واضعي المناهج التعليمية أن يراعوا الدقة والأمانة عند التحدث عن الأديان وأهل الأديان، وأن نستسقى دراسة الأديان من منابعها الأصلية؛ وهي في حالة صفائها ونقائها، والبعد عن الآراء المتعددة عن المسألة الواحدة، والقضايا والمسائل الخلافية، وخاصة في ما يتعلق بالأديان على الأقل في الوضع الحالي إلى أن تستقر الأمور وتهدأ النفوس، وبعد ذلك للنواحي الأكاديمية أن تتطرق إلى هذه المسائل والقضايا التي فيها وجهات نظر واختلاف؛ وهذا في واقع الأمر يسمى بـ "فقه الواقع" الذي يلزمنا أن نفهم الواقع الذي نعيشه، ومن ثم نتحرك في ثناياه.
ولنا أن نبين الواقع " البوسني" الذي يتطلب منا نحن المتخصصين في المناهج الأكاديمية وفي وضعها أن نفهمه قبل أن نتحدث عنه، أو أن نضع له مناهجه التعليمية أو الفكرية الخاصة به.
وعليه نقول: — إن من تتبع الحرب على البوسنة 1992 — 1995م لاحظ بشكل لافت للنظر أن الحرب ما طالت البشر الأبرياء فقط في ما عرف بالتطهير الاثني، وإنما طالت أيضاً مراكز الذاكرة الجماعية الجامعة للحس الجمعي في ما عرف بالتطهير الثقافي الذي شمل تدمير مراكز الوثائق والمخطوطات والمكتبات والمساجد، والجسور التاريخية ذات العبق التاريخي الإسلامي القديم، كل ذلك بهدف مسح الذاكرة الجماعية القائمة، ومن ثم يقوم المنتصر بكتابة التاريخ كما يريده، وهذا للأسف الشديد ما يحدث في الحالة العراقية التي تقوم بمسح الذاكرة الثقافية والتاريخية والعقدية لأهل السنة في العراق، حيث أخذ الوضع السياسي العراقي ينهج عين النهج الذي اتبع في البوسنة، حيث تم تحويل عدد من المساجد السنية إلى حسينيات شيعية، وعدد من الكليات والجامعات السنية التي كانت قائمة على نهج السنة تم تحويلها إلى جامعات وكليات شيعية، والاستلاء على اوقاف أهل السنة وتحويلها إلى أوقاف شيعية وغير ذلك من الأمور الإدارية التي اتخذت ضد أهل السنة؛ وفي هذه الحالة يعتبر أهل السنة أن بقاءهم على قيد الحياة في مواجهة الوضع الشيعي المقيت — على شكله الحالي — هو نوع من الانتصار، ولكنه في حكم الواقع هو انكسار وانحصار للذات، وانهزام لأهل السنة كجماعة ودولة أو قل كدول إسلامية، والتي ينبغي عليها أن تكون موحدة وقوية، ولها دور فعال على الساحة الإسلامية والفكرية. وكذلك على المجامع والاتحادات الإسلامية التي ما أكثرها، والتي لا تقدم ولا تؤخر، وأن بعض هذه الاتحادات الإسلامية تخرج علينا بفتاوى وأحكام ووجهات نظر في مجملها لصالح الحكومات السياسية الممنهجة للطائفية الضيقة والمقيتة.
هنا نتساءل ونقول: هل أصحاب هذه الفتاوى والأحكام التي تصدر لصالح الحكومات الطائفية الضيقة هم في غفلة عن أمرهم، ولا يدركون أن أهل السنة في العراق مستهدفون هم وتاريخهم وذاكرتهم الثقافية ومنطلقهم العقدي هو الآخر مستهدف؟
هذا عينه ما وقع في البوسنة والهرسك، غير أن عدداً كبيراً من العلماء والأكاديميين البوسنيين قد تصدوا لمهمة التدمير والقضاء على ذاكرتهم الثقافية؛ والتي تسمى في عالم الاصطلاحات والمفاهيم بالتطهير الثقافي، ومن هؤلاء العلماء المؤرخ الشهير العلامة " مصطفى إمامونيش" وبجواره الأكاديميون خلال الحرب التي وقعت عليهم، والحصار الخانق 1992 — 1995م وقد أصدروا مجموعة من المؤلفات التي تثبت وتؤكد على تاريخهم الثقافي والإسلامي.
وذكروا في مؤلفاتهم تلك أن للدين دوره في تمايز البوسنة فيما بين الجارين القطبين المجاورين: صربيا وكرواتيا. وفي ذلك الوقت اعتبرت البوسنة مركزاً للزندقة والهرطقة، ذلك أنهم كما يعتقدون أن أهل السنة قد خرجوا عن الدين الصحيح، الذي هو الدين المسيحي الكاثوليكي والأرثوذكسي، وذلك لأن في البوسنة كنيسة مخالفة للأرثوذكس والكاثوليك، وهي الكنيسة البوسنية أو اليوغوييلية، واستمر هذا الوضع حتى عهد الفتح العثماني للبوسنة، والذي بقى في عهده على مسافة واحدة للكنائس المسيحية، حيث ابقى للكنيسة البوسنية على مالها من مبادئ وعقائد وقيم مسيحية، وفي تمايز سكانها عما في الكنيسة الصربية الأرثوذكسية والكنيسة الكرواتية الكاثوليكية، وهذه العدالة الإسلامية في منهجيتها الخاصة بالتعامل مع الأديان وأصحابها، مكنت البوسنيين من القدرة على أن يحافظوا على وحدة أراضيهم واسمها وسياستها المميزة، وعلى الرغم من الأنظمة السياسية المختلفة التي مرت عليها خلال (1500) سنة خلال الحكم العثماني 1463 — 1878م، والحكم النمساوي المجري واليوغسلافي.
على كل فهذه صورة بسيطة ومختصرة عن الوضع السياسي والاجتماعي والتعددي والتاريخي للبوسنة والهرسك.
كلمة شاملة: كم هي البوسنة بحاجة إلى مؤتمرات وندوات مشابهة لمؤتمرنا هذا الذي حمل عنوان "دور التعليم في تعزيز السلم العالمي" وتبادل الآراء والمقترحات ووجهات النظر حول المناهج الدراسية، والخطوات العملية لبسط ثقافة التعايش بين أبناء الوطن الواحد، وعلى قاعدة الاحترام والتبادل الثقافي والتعايش السلمي.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4281
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
2403
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1158
| 28 سبتمبر 2026