رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. فيصل بن جاسم آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

549

د. فيصل بن جاسم آل ثاني

الأمير الوالد نموذج القيادة من المنظور الإنساني

20 يوليو 2026 , 03:00ص

- علاقة الأمير الوالد مع أبناء شعبه أشبه بالحكايات التاريخية الجميلة 

- سمو الأمير يواصل طريق التنمية وإدارة الدولة بكفاءة وصمود أمام كل التحديات

- الأمير الوالد أمر بتحويل المؤسسات الربحية لشركات مساهمة باكتتابات عامة للناس

- بنى السياسة الخارجية على قيم السلام ومناصرة المظلوم والانحياز للشعوب 

- تطوير مشاريع الغاز كان من أولى أولوياته لامتلاك قوة اقتصادية ووفرة مالية

- حوَّل قطر لورشة عمل كبيرة فأثمرت الجهود في صناعة دولة جديدة كلياً

- كان يشترك بنفسه بالعرضات والرزيف ويحث أبناءه على المشاركة فيها

في البدء

إن القادة العظام في التاريخ يحلمون برؤى عظيمة وطموحات لا سقف لها، ويتميزون بامتلاك القدرة الكاملة على تحويل هذا الحلم الجميل إلى واقع في حياة الناس، وقد كان الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني من هذا النوع النادر والاستثنائي من القادة، ولأن أولى خطوات النجاح دائماً تبدأ بترتيب الأولويات فكان من أوائل قراراته بعدما تسلم الحكم 27 يونيو 1995 وترتيب مؤسسات الدولة، اطلاق العمل على تطوير مشاريع الغاز والتعاقد مع كبرى الشركات العالمية في هذا المجال وكانت وقتها خطوة جريئة محفوفة بالمخاطر وتحتاج لشخصية شجاعة وعندها القدرة على اتخاذ القرار، وكان يعلم رحمه الله بحكمته أن الدولة التي لا تملك قوة اقتصادية ولا وفرة مالية لا يمكنها الوصول لأهدافها وإنجاز ما تحلم بتحقيقه من طموحات.

جهوده في التنمية الداخلية

بعد نجاح استثمارات الغاز في توفير الموارد المالية الكافية انطلقت عجلة التنمية في العمل على إعادة بناء قطر لتكون في الواقع مطابقة للصورة الذي طالما حلم بها أميرها وتمناها لها، فوجّه اجزاء ضخمة من الواردات المالية في مشاريع البنية التحتية فتحولت قطر لورشة عمل كبيرة في شتى النواحي، فأثمرت كل هذه الجهود في صناعة دولة جديدة كلياً تمتلك شبكة طرق حديثة تضاهي أفضل شبكات الطرق العالمية، ومطارا من الأفضل عالمياً إن لم يكن هو الأفضل، وأسس العمل لميناء بحري بُني وفق أحدث المواصفات والمعايير العالمية، حتى اصبح كل زائر تتملكه الدهشة والإعجاب من تطور البلاد وما يشاهده من إنجازات فيها وعمران حيثما نظر أو التفت.

وكان رحمه الله يؤمن أشد الإيمان بالإنسان وقدراته ويرى أن واجب الدولة الأول هو تأهيله وتمكينه وإزالة العوائق من طريقه ليقوم بدوره في عمارة الوطن وبناء مستقبله حيث يقول في هذا: 

«إن الثروة الحقيقية ليست في الموارد بل في الإنسان، وإن الاستثمار في العلم والمعرفة هو الطريق الأقصر لبناء الأوطان وصناعة المستقبل» وكان يقدم بفعله القدوة الحسنة والنموذج الصادق في اتباع القول الفعل، فوجه الدعم الضخم لمجالات الصحة والتعليم واستضافة الجامعات العالمية المتميزة، ما جعل مستوى التعليم والصحة في الدولة من الأعلى وفق المعايير العالمية.

دوره في تعزيز الهوية القطرية

كان رحمه الله يحرص اشد الحرص على زرع حب الهوية والتمسك بها في نفوس الاجيال الجديدة، فكان يشترك بنفسه بالعرضات والرزيف ويحث أبناءه على المشاركة فيها، كما كان يحث على لبس الزي الوطني من الثوب والغترة والعقال والتمسك به في حين كثير من الشعوب الخليجية ضعف التزامها بزيها الوطني حتى أصبحت هذه ميزة قطرية تثير الاعجاب، كما أمر بإعادة إعمار سوق واقف بعدما كان متهالكاً يقرب من الاندثار فوجه بتجديده وفق تصاميمه القديمة والتراثية حتى غدا من أهم المعالم السياحية التي يحرص الزوار والضيوف على زيارته والاستمتاع بالأجواء فيه، ووجه للحفاظ على المباني القديمة والحفاظ عليها وصيانتها كجزء من الذاكرة التاريخية لقطر مثل القلعة وقصر الشيخ عبد الله بن جاسم في الريان وقصور الحكم القديمة في الريان وقرب الكورنيش كقصر المرمر وغيرها. 

السر بين الأمير الوالد وشعبه

أما علاقة الأمير الوالد مع أبناء شعبه فكانت علاقة اشبه بالحكايات التاريخية الجميلة التي قرأنا عنها في الكتب، فكانت تنطوي على سر غريب من الترابط فهي علاقة تتسم بالحب والعطف والرحمة والثقة من جانبه، وتتسم بالحب والولاء والطاعة والثقة من طرفهم، وكان يحرص رحمه الله على القرب من الناس والحديث معهم بوجه بشوش وتذاكُر القصص الجميلة والأحاديث المناسبة ومعرفة أخبارهم والسؤال عن اسم من لا يعرفه منهم والتخبّر منه عن أحاول آبائهم وأمهاتهم وتفقد احتياجاتهم، وكان على علم بالعوائل وفروعها والقبائل وتفرعاتها واستيعاب كامل للخريطة الاجتماعية.

ومن محبته للناس ورغبته الكبيرة بتقديم الخير لهم، بادر باتخاذ القرار برفع الرواتب في جميع القطاعات المدنية والعسكرية بنسب عالية تحقق مداخيل مجزية للأسر تفوق احتياجات المعيشة، حتى سمعنا من بعض المواطنين قولهم ان الرواتب بعد ارتفاعها أصبحت للشخص كأنها إيراد عمارة، كما أمر رحمه الله بتحويل المؤسسات الربحية التابعة ملكيتها للدولة إلى شركات مساهمة وأن تطرح للناس باكتتابات عامة وبأسعار اقل من سعرها الحقيقي مع تقييد مقدار تملك الأسهم المتاحة للشخص الواحد حتى تُعم الفائدة اكبر شريحة ممكنة، وقد انعكس ذلك جلياً في ارتفاع مستوى الحالة المادية للمواطنين وزادت ظاهرة شراء السيارات الجديدة بكثرة في تلك الفترة، وبدأ الكثير منهم في توسعة مساكنهم وبناء المجالس الخارجية، ثم أضف إلى ذلك قراره بزيادة رواتب الضمان الاجتماعي للفئات المستفيدة منه، وقد صنع ذلك حالة جميلة من أجمل حالات الفرح التي لا تُنسى في ذهن من عاصرها، كل تلك الإجراءات وغيرها ساهمت في توفير مستوى معيشي مرتفع سهل عليهم تحقيق مستوى معيشة يتوافق مع معايير جودة الحياة الطيبة الكريمة والمرفهة. 

إن الأمير الوالد لم يكن يرى الشعب كتلة بشرية واحدة صماء وانما يراهم مجموعة أفراد متمايزين لكل واحد منهم أحلامه الخاصة واهتماماته المختلفة وظروفه الذاتية، وكان يحرص رحمه الله على وضع بصمة خاصة في نفس كل شخص يتعامل معه يُشعره بها بقربه منه وخصوصيته عنده، وهذا شيء يشعر به ويعرفه كل من كان له تعامل معه وهي موهبة تفرّد بها وقدرة استثنائية لا يقدر عليها إلا نوادر الرجال، وكم سمعنا وشاهدنا من هذه الأحوال قصصا وعجائب لا تحصى.

وكان رحمه الله جميل المعشر طلق الوجه هينا لينا مع مهابة من الله له في القلب، إن مفتاح شخصيته رحمه الله في رأيي هو البعد الإنساني الطاغي في شخصيته الذي يتمثل بحبه للناس وقربه منهم والتعامل معهم بتواضع ولطف وعفوية فريدة تخلو من التكلف، جعلت منه رجلا يمتلك سحرا في الشخصية وكاريزما خاصة لا تكاد تجدها، وأكثر ما كان يسعده أنه يوجه بحل مشكلة إنسان أو ينفس كربة عن مكروب، ويفرح إن سمع عن شخص أخبارا طيبة.

 ومن أخص صفاته رحمه الله الكرم والسخاء وهو في هذا مضمار لا يُبارى فكان يحب أن يكرم الناس ويبادرهم بالعطاء حتى بدون مسألة منهم.

مدرسته في السياسة الخارجية

إن الأمير الوالد رحمه الله صاحب مدرسة متميزة واضحة المعالم في السياسة الخارجية تبنى على قيم السلام ومناصرة المظلوم والانحياز للشعوب في تطلعاتها وهمومها والوقوف مع الحق والعدل في وجه الظلم والطغيان، فكانت السياسة القطرية بفضل توجهاته شعلة نشاط في القضايا الدولية تقدم دائماً المبادرات الخلاقة لمعالجة الأزمات الدولية لحل الخلافات وتدعم المساعي الإنسانية الحميدة، ابتداءً من احتضان الفرقاء في السودان من أجل حل أزمة دارفور ومنع عودة الحرب إليها، والوساطة لإيقاف اشتعال الأهلية في لبنان والدعوة للحوار في اليمن وليبيا والمواقف الشجاعة في مناصرة الثورة السورية، واحتضان المفاوضات بين حركة طالبان والولايات المتحدة الأمريكية.

لكن موقفه من قضية فلسطين والوقوف مع غزة والسعي الدائم لوقف الاعتداءات الجائرة عليها قصة أخرى وحكايات تروى أكبر وأظهر من أن تحتاج لبيان، فكان رحمه الله يأمر ببناء المساكن والمستشفيات والتعليم وعلاج الجرحى وتحمل رواتب المؤسسات الحكومية في القطاعات التي توفر للناس لقمة العيش وتسد احتياجاتهم الضرورية لهم بعزة نفس وكرامة، ورغم التحديات والمخاوف والمُعيقات إلا أن أفعاله دائماً كانت تُصدّق أقواله، في زمن قل به الصادقون.

ومن الأشياء التي تفرد بها رحمه الله قراره بإنشاء قناة الجزيرة التي تقوم سياستها على مبدأ تبني هموم الشعوب وطموحاتها واحلامها وتحمل كل الضغوط في سبيل تمكينها من القيام بدورها في نشر الوعي والعلم وثقافة الانفتاح على الآراء المتنوعة والمختلفة، ودعم دورها في فضح الجرائم والانتهاكات والفساد، ووقوفه بشجاعة في وجه كل الضغوط العربية والغربية التي واجهها والتي تعجز عن تحملها دول أكبر وأقوى، لكن همة الأمير الوالد وقوة شخصيته ورباطة جأشه وإيمانه الكامل بقناعته وما يؤمن به جعلت منه الصخرة التي تتحطم عليها كل تلك التحديات، ما فتح الطريق أمامها لنجاح في معركة الوعي ومناصرة المظلومين والانحياز لقضايا الأمة، الأمر الذي مكّن الجزيرة من صنع وحدة شعورية لها مع غالبية الشعوب حتى أصبحت الجزيرة من أهم المنجزات العربية في المئة سنة الأخيرة.

الشيخ تميم وقانون الاستمرارية 

إن استمرارية المسيرة وتوريثها للأجيال التالية وجعل النهج الذي رسموه والطريق الذي سلكوه لا ينتهي بانتهاء حياتهم هي من أصعب التحديات التي يواجهها القادة العظام، لذلك قرر الأمير الوالد رحمه الله العمل باكرا على تهيئة رجل المستقبل، فكان قراره بتسليم الحُكم طواعية في حياته وهو في كامل صحته وقوته وتمكنه من الأمور، لِمن رأى به مخايل النجابة وتفرّس فيه الذكاء والكفاءة والمقدرة والشجاعة والضمير الحي فكان الشيخ تميم.

وقد نجح صاحب السمو أمير البلاد المفدى في مواصل طريق التنمية وإدارة الدولة بكفاءة، والصمود أمام كل التحديات التي واجهها وتغلب عليها، فنجح الأمير الوالد في تحدي استمرارية الإرث عندما وضع أغلى بلد في يد أكفأ رجل وأجدر من يحمل الأمانة، وازداد سروره رحمه الله وهو يرى بعينيه ما يسره من حكمة رأيه وصواب القرار في الرجل الذي تربى على يديه وتخرج من مدرسته وسار على هديه.

نجحت القيادة الجديدة في تحدي أزمة الحصار كما نجحت في استضافة أكبر بطولة رياضية عالمية ونظمتها بصورة أبهرت العالم، ومنذ 25 يونيو 2013 والإنجازات تتوالى وتثبت أن سمو الأمير الشيخ تميم هو الرجل المناسب في المكان المناسب.

يقول المتنبي في بيت جميل معبر كأنما قيل في الأمير الوالد يصدق عليه ويختص به دون الناس:

يَدِلُ بمعنى واحد كُلَّ فاخرٍ

وقد جمع الرحمنُ فيك المعانيا

ويقصد أن كل مادح يفخر بممدوحه بصفة واحدة يتميز بها ويعرف فيها، فهذا يمدح بأنه كريم والاخر يمدح بأنه شجاع والثالث يمدح بأنه وفيّ وهكذا.

أما الأمير الوالد فقد جمع الله فيه الفضائل والمفاخر كلها، أما في الكرم كان دفان الفقر، وفي الشجاعة قد صادم قوى كبيرة ولم يتزعزع، وفي الوفاء ينفذ إذا وعد، ولا يرجع عن كلمة قالها إذا بها نطق، وهو المتسامح والعطوف على الأرملة والمسكين والمتواضع مع الناس وصاحب المروءة، وهو باني الدولة وقائد المسيرة والسياسي المحنك المؤسس الثاني لقطر وغير ذلك مما وهب الله له من مكارم الأخلاق وجميل الفضائل، وفوق ذلك وقبله له من أعمال الخير والبر الكثير التي لا يجازيه عليها إلا رب العالمين.

الختام

إن الشيخ حمد بن خليفة رحمه الله شخصية عظيمة واستثنائية في التاريخ لا يمكن أن يحصى نبل فضائلها وعظيم إنجازاتها في عجالة سريعة، فهو كبحر لا ساحل له وفضاء لا حدود له، وسيرته عطرة جميلة سُطرت في صفحات التاريخ بأحرف من نور، تضيء بالخير لتهتدي بها الأجيال تلو الأجيال. 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«إن خير أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم» 

ونحن نُشهد الله سبحانه أن قلوبنا تكُن له خالص المحبة، وألسنتنا تخصه بصالح الدعاء في صلواتنا، ونسأل أن ينزل الله عليه الرحمة والمغفرة من عنده وينير له في قبره مد بصره وأن يسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.

مساحة إعلانية