رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- علاقة الأمير الوالد مع أبناء شعبه أشبه بالحكايات التاريخية الجميلة
- سمو الأمير يواصل طريق التنمية وإدارة الدولة بكفاءة وصمود أمام كل التحديات
- الأمير الوالد أمر بتحويل المؤسسات الربحية لشركات مساهمة باكتتابات عامة للناس
- بنى السياسة الخارجية على قيم السلام ومناصرة المظلوم والانحياز للشعوب
- تطوير مشاريع الغاز كان من أولى أولوياته لامتلاك قوة اقتصادية ووفرة مالية
- حوَّل قطر لورشة عمل كبيرة فأثمرت الجهود في صناعة دولة جديدة كلياً
- كان يشترك بنفسه بالعرضات والرزيف ويحث أبناءه على المشاركة فيها
في البدء
إن القادة العظام في التاريخ يحلمون برؤى عظيمة وطموحات لا سقف لها، ويتميزون بامتلاك القدرة الكاملة على تحويل هذا الحلم الجميل إلى واقع في حياة الناس، وقد كان الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني من هذا النوع النادر والاستثنائي من القادة، ولأن أولى خطوات النجاح دائماً تبدأ بترتيب الأولويات فكان من أوائل قراراته بعدما تسلم الحكم 27 يونيو 1995 وترتيب مؤسسات الدولة، اطلاق العمل على تطوير مشاريع الغاز والتعاقد مع كبرى الشركات العالمية في هذا المجال وكانت وقتها خطوة جريئة محفوفة بالمخاطر وتحتاج لشخصية شجاعة وعندها القدرة على اتخاذ القرار، وكان يعلم رحمه الله بحكمته أن الدولة التي لا تملك قوة اقتصادية ولا وفرة مالية لا يمكنها الوصول لأهدافها وإنجاز ما تحلم بتحقيقه من طموحات.
جهوده في التنمية الداخلية
بعد نجاح استثمارات الغاز في توفير الموارد المالية الكافية انطلقت عجلة التنمية في العمل على إعادة بناء قطر لتكون في الواقع مطابقة للصورة الذي طالما حلم بها أميرها وتمناها لها، فوجّه اجزاء ضخمة من الواردات المالية في مشاريع البنية التحتية فتحولت قطر لورشة عمل كبيرة في شتى النواحي، فأثمرت كل هذه الجهود في صناعة دولة جديدة كلياً تمتلك شبكة طرق حديثة تضاهي أفضل شبكات الطرق العالمية، ومطارا من الأفضل عالمياً إن لم يكن هو الأفضل، وأسس العمل لميناء بحري بُني وفق أحدث المواصفات والمعايير العالمية، حتى اصبح كل زائر تتملكه الدهشة والإعجاب من تطور البلاد وما يشاهده من إنجازات فيها وعمران حيثما نظر أو التفت.
وكان رحمه الله يؤمن أشد الإيمان بالإنسان وقدراته ويرى أن واجب الدولة الأول هو تأهيله وتمكينه وإزالة العوائق من طريقه ليقوم بدوره في عمارة الوطن وبناء مستقبله حيث يقول في هذا:
«إن الثروة الحقيقية ليست في الموارد بل في الإنسان، وإن الاستثمار في العلم والمعرفة هو الطريق الأقصر لبناء الأوطان وصناعة المستقبل» وكان يقدم بفعله القدوة الحسنة والنموذج الصادق في اتباع القول الفعل، فوجه الدعم الضخم لمجالات الصحة والتعليم واستضافة الجامعات العالمية المتميزة، ما جعل مستوى التعليم والصحة في الدولة من الأعلى وفق المعايير العالمية.
دوره في تعزيز الهوية القطرية
كان رحمه الله يحرص اشد الحرص على زرع حب الهوية والتمسك بها في نفوس الاجيال الجديدة، فكان يشترك بنفسه بالعرضات والرزيف ويحث أبناءه على المشاركة فيها، كما كان يحث على لبس الزي الوطني من الثوب والغترة والعقال والتمسك به في حين كثير من الشعوب الخليجية ضعف التزامها بزيها الوطني حتى أصبحت هذه ميزة قطرية تثير الاعجاب، كما أمر بإعادة إعمار سوق واقف بعدما كان متهالكاً يقرب من الاندثار فوجه بتجديده وفق تصاميمه القديمة والتراثية حتى غدا من أهم المعالم السياحية التي يحرص الزوار والضيوف على زيارته والاستمتاع بالأجواء فيه، ووجه للحفاظ على المباني القديمة والحفاظ عليها وصيانتها كجزء من الذاكرة التاريخية لقطر مثل القلعة وقصر الشيخ عبد الله بن جاسم في الريان وقصور الحكم القديمة في الريان وقرب الكورنيش كقصر المرمر وغيرها.
السر بين الأمير الوالد وشعبه
أما علاقة الأمير الوالد مع أبناء شعبه فكانت علاقة اشبه بالحكايات التاريخية الجميلة التي قرأنا عنها في الكتب، فكانت تنطوي على سر غريب من الترابط فهي علاقة تتسم بالحب والعطف والرحمة والثقة من جانبه، وتتسم بالحب والولاء والطاعة والثقة من طرفهم، وكان يحرص رحمه الله على القرب من الناس والحديث معهم بوجه بشوش وتذاكُر القصص الجميلة والأحاديث المناسبة ومعرفة أخبارهم والسؤال عن اسم من لا يعرفه منهم والتخبّر منه عن أحاول آبائهم وأمهاتهم وتفقد احتياجاتهم، وكان على علم بالعوائل وفروعها والقبائل وتفرعاتها واستيعاب كامل للخريطة الاجتماعية.
ومن محبته للناس ورغبته الكبيرة بتقديم الخير لهم، بادر باتخاذ القرار برفع الرواتب في جميع القطاعات المدنية والعسكرية بنسب عالية تحقق مداخيل مجزية للأسر تفوق احتياجات المعيشة، حتى سمعنا من بعض المواطنين قولهم ان الرواتب بعد ارتفاعها أصبحت للشخص كأنها إيراد عمارة، كما أمر رحمه الله بتحويل المؤسسات الربحية التابعة ملكيتها للدولة إلى شركات مساهمة وأن تطرح للناس باكتتابات عامة وبأسعار اقل من سعرها الحقيقي مع تقييد مقدار تملك الأسهم المتاحة للشخص الواحد حتى تُعم الفائدة اكبر شريحة ممكنة، وقد انعكس ذلك جلياً في ارتفاع مستوى الحالة المادية للمواطنين وزادت ظاهرة شراء السيارات الجديدة بكثرة في تلك الفترة، وبدأ الكثير منهم في توسعة مساكنهم وبناء المجالس الخارجية، ثم أضف إلى ذلك قراره بزيادة رواتب الضمان الاجتماعي للفئات المستفيدة منه، وقد صنع ذلك حالة جميلة من أجمل حالات الفرح التي لا تُنسى في ذهن من عاصرها، كل تلك الإجراءات وغيرها ساهمت في توفير مستوى معيشي مرتفع سهل عليهم تحقيق مستوى معيشة يتوافق مع معايير جودة الحياة الطيبة الكريمة والمرفهة.
إن الأمير الوالد لم يكن يرى الشعب كتلة بشرية واحدة صماء وانما يراهم مجموعة أفراد متمايزين لكل واحد منهم أحلامه الخاصة واهتماماته المختلفة وظروفه الذاتية، وكان يحرص رحمه الله على وضع بصمة خاصة في نفس كل شخص يتعامل معه يُشعره بها بقربه منه وخصوصيته عنده، وهذا شيء يشعر به ويعرفه كل من كان له تعامل معه وهي موهبة تفرّد بها وقدرة استثنائية لا يقدر عليها إلا نوادر الرجال، وكم سمعنا وشاهدنا من هذه الأحوال قصصا وعجائب لا تحصى.
وكان رحمه الله جميل المعشر طلق الوجه هينا لينا مع مهابة من الله له في القلب، إن مفتاح شخصيته رحمه الله في رأيي هو البعد الإنساني الطاغي في شخصيته الذي يتمثل بحبه للناس وقربه منهم والتعامل معهم بتواضع ولطف وعفوية فريدة تخلو من التكلف، جعلت منه رجلا يمتلك سحرا في الشخصية وكاريزما خاصة لا تكاد تجدها، وأكثر ما كان يسعده أنه يوجه بحل مشكلة إنسان أو ينفس كربة عن مكروب، ويفرح إن سمع عن شخص أخبارا طيبة.
ومن أخص صفاته رحمه الله الكرم والسخاء وهو في هذا مضمار لا يُبارى فكان يحب أن يكرم الناس ويبادرهم بالعطاء حتى بدون مسألة منهم.
مدرسته في السياسة الخارجية
إن الأمير الوالد رحمه الله صاحب مدرسة متميزة واضحة المعالم في السياسة الخارجية تبنى على قيم السلام ومناصرة المظلوم والانحياز للشعوب في تطلعاتها وهمومها والوقوف مع الحق والعدل في وجه الظلم والطغيان، فكانت السياسة القطرية بفضل توجهاته شعلة نشاط في القضايا الدولية تقدم دائماً المبادرات الخلاقة لمعالجة الأزمات الدولية لحل الخلافات وتدعم المساعي الإنسانية الحميدة، ابتداءً من احتضان الفرقاء في السودان من أجل حل أزمة دارفور ومنع عودة الحرب إليها، والوساطة لإيقاف اشتعال الأهلية في لبنان والدعوة للحوار في اليمن وليبيا والمواقف الشجاعة في مناصرة الثورة السورية، واحتضان المفاوضات بين حركة طالبان والولايات المتحدة الأمريكية.
لكن موقفه من قضية فلسطين والوقوف مع غزة والسعي الدائم لوقف الاعتداءات الجائرة عليها قصة أخرى وحكايات تروى أكبر وأظهر من أن تحتاج لبيان، فكان رحمه الله يأمر ببناء المساكن والمستشفيات والتعليم وعلاج الجرحى وتحمل رواتب المؤسسات الحكومية في القطاعات التي توفر للناس لقمة العيش وتسد احتياجاتهم الضرورية لهم بعزة نفس وكرامة، ورغم التحديات والمخاوف والمُعيقات إلا أن أفعاله دائماً كانت تُصدّق أقواله، في زمن قل به الصادقون.
ومن الأشياء التي تفرد بها رحمه الله قراره بإنشاء قناة الجزيرة التي تقوم سياستها على مبدأ تبني هموم الشعوب وطموحاتها واحلامها وتحمل كل الضغوط في سبيل تمكينها من القيام بدورها في نشر الوعي والعلم وثقافة الانفتاح على الآراء المتنوعة والمختلفة، ودعم دورها في فضح الجرائم والانتهاكات والفساد، ووقوفه بشجاعة في وجه كل الضغوط العربية والغربية التي واجهها والتي تعجز عن تحملها دول أكبر وأقوى، لكن همة الأمير الوالد وقوة شخصيته ورباطة جأشه وإيمانه الكامل بقناعته وما يؤمن به جعلت منه الصخرة التي تتحطم عليها كل تلك التحديات، ما فتح الطريق أمامها لنجاح في معركة الوعي ومناصرة المظلومين والانحياز لقضايا الأمة، الأمر الذي مكّن الجزيرة من صنع وحدة شعورية لها مع غالبية الشعوب حتى أصبحت الجزيرة من أهم المنجزات العربية في المئة سنة الأخيرة.
الشيخ تميم وقانون الاستمرارية
إن استمرارية المسيرة وتوريثها للأجيال التالية وجعل النهج الذي رسموه والطريق الذي سلكوه لا ينتهي بانتهاء حياتهم هي من أصعب التحديات التي يواجهها القادة العظام، لذلك قرر الأمير الوالد رحمه الله العمل باكرا على تهيئة رجل المستقبل، فكان قراره بتسليم الحُكم طواعية في حياته وهو في كامل صحته وقوته وتمكنه من الأمور، لِمن رأى به مخايل النجابة وتفرّس فيه الذكاء والكفاءة والمقدرة والشجاعة والضمير الحي فكان الشيخ تميم.
وقد نجح صاحب السمو أمير البلاد المفدى في مواصل طريق التنمية وإدارة الدولة بكفاءة، والصمود أمام كل التحديات التي واجهها وتغلب عليها، فنجح الأمير الوالد في تحدي استمرارية الإرث عندما وضع أغلى بلد في يد أكفأ رجل وأجدر من يحمل الأمانة، وازداد سروره رحمه الله وهو يرى بعينيه ما يسره من حكمة رأيه وصواب القرار في الرجل الذي تربى على يديه وتخرج من مدرسته وسار على هديه.
نجحت القيادة الجديدة في تحدي أزمة الحصار كما نجحت في استضافة أكبر بطولة رياضية عالمية ونظمتها بصورة أبهرت العالم، ومنذ 25 يونيو 2013 والإنجازات تتوالى وتثبت أن سمو الأمير الشيخ تميم هو الرجل المناسب في المكان المناسب.
يقول المتنبي في بيت جميل معبر كأنما قيل في الأمير الوالد يصدق عليه ويختص به دون الناس:
يَدِلُ بمعنى واحد كُلَّ فاخرٍ
وقد جمع الرحمنُ فيك المعانيا
ويقصد أن كل مادح يفخر بممدوحه بصفة واحدة يتميز بها ويعرف فيها، فهذا يمدح بأنه كريم والاخر يمدح بأنه شجاع والثالث يمدح بأنه وفيّ وهكذا.
أما الأمير الوالد فقد جمع الله فيه الفضائل والمفاخر كلها، أما في الكرم كان دفان الفقر، وفي الشجاعة قد صادم قوى كبيرة ولم يتزعزع، وفي الوفاء ينفذ إذا وعد، ولا يرجع عن كلمة قالها إذا بها نطق، وهو المتسامح والعطوف على الأرملة والمسكين والمتواضع مع الناس وصاحب المروءة، وهو باني الدولة وقائد المسيرة والسياسي المحنك المؤسس الثاني لقطر وغير ذلك مما وهب الله له من مكارم الأخلاق وجميل الفضائل، وفوق ذلك وقبله له من أعمال الخير والبر الكثير التي لا يجازيه عليها إلا رب العالمين.
الختام
إن الشيخ حمد بن خليفة رحمه الله شخصية عظيمة واستثنائية في التاريخ لا يمكن أن يحصى نبل فضائلها وعظيم إنجازاتها في عجالة سريعة، فهو كبحر لا ساحل له وفضاء لا حدود له، وسيرته عطرة جميلة سُطرت في صفحات التاريخ بأحرف من نور، تضيء بالخير لتهتدي بها الأجيال تلو الأجيال.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إن خير أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم»
ونحن نُشهد الله سبحانه أن قلوبنا تكُن له خالص المحبة، وألسنتنا تخصه بصالح الدعاء في صلواتنا، ونسأل أن ينزل الله عليه الرحمة والمغفرة من عنده وينير له في قبره مد بصره وأن يسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8853
| 20 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7188
| 15 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
3933
| 22 سبتمبر 2026