رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رحيل الفارس النبيل خالد عبدالناصر عن دنيانا إلى رحاب ربه، استدعى ذكريات بدأت معه منذ 28 سبتمبر 1971 حين جاء مدعوا إلى "لقاء ناصر الفكري" الأول بجامعة عين شمس. كان بيننا حوار أحببت فيه ذلك المتواضع والذي لا يضع قدمه في غير مكان قرره هو. كانت كلماته ببساطتها تحمل يقين انحياز لوطن وأمة.
كان يمكنه أن يعيش على إرث أبيه، ولكنه لم يفعل رغم أن الكثيرين ممن مارسوا السياسة تحت اسم الناصرية كانوا يحيون على الإرث دون الإضافة الفكرية أو الحركية، وتجمدت العروق والشرايين في الأجساد،
قال يوما "أمام عيني انديرا غاندي ووليد جنبلاط... ولكنها مصر.."، أدرك أنه ليس كافيا أن تكون مجرد ابن لزعيم كي يكون لك دور منتج لقضية، ولن يخدم قضيتك أنك الابن ولكن يخدم قضيتك ما تستطيع فعله. ويوما كان المتحاورون معه، وعددهم لم يتجاوز الخمسة، قد أضفوا بالتحليل السياسي والجدل سواد العجز ويتساءلون ما العمل؟ وإذا به يجيب "في حلبة سباق السيارات عندما تجد حادثة إلى جوارك، اضغط على "دواسة" البنزين لتزيد السرعة فالآخرون رفعوا أقدامهم عن البنزين" وصمت، وصارت هذه المقولة التكتيكية حجتي أمام أي إدعاء بالعجز.
واقعة أخرى جرت قبل وقائع "ثورة مصر" تؤكد أنه لا يمنعه أي شيء حتى الفداء بالروح، وكانت الواقعة أيضا في أول شهر سبتمبر 1981، واستقر في اليقين أنه لم يعد هناك من سبيل لاستعادة مصر إلا بعمل غير نمطي، لم يرتعش ولم يتردد، شارك بالكثير، من حيث الأدوات والمعلومات، ولكن أُحبط الأمر لأسباب في البشر ولم يكد يمضي شهر حتى تمت واقعة المنصة واغتيال السادات تعبيرا عن إرادة أمة وليس جنوح فرد، وكأنه مكافأة من السماء لحلم فارس نبيل، أعد له ولم يتمكن منه.
يوم عاد من يوغسلافيا منفاه الاختياري بعد كشف تنظيم ثورة مصر، علمت مساء الخميس من الصحف، ومبكرا في اليوم التالي كنت أطرق باب منزل صديق مشترك، الذي عقب على ما رويته بقوله أمامنا طريق واحد، أن نذهب إلى بيته فورا، وهو ما فعلناه، وخرجنا لصلاة الجمعة معا وخلفه حرس عين لحمايته من مخاطر صهيونية متوقعه، وما أن انتهت الصلاة إذا به ينفرد بالحرس جانبا، وعاد إلينا ليقول: كنت أطمئن علي الرجالة جوه (أي عناصر تنظيم ثورة مصر) لنوفر لهم احتياجاتهم.
تجسد في شخص خالد عبدالناصر ميزة نسبيه أنه ابن جمال عبدالناصر، وهي تكسبه إمكانية أن يكون مركز ثقل، وتخدمه إن أراد تحقيق فرصة الظهور القيادي، ولكنه تجاوزها ليصنع بذاته ميزة تنافسيه تفردت بطبيعة مواقفه المتنامية وفي اتجاهات عديدة، بل كان يأبى أن يطرح نفسه قيادة لتيار سياسي يتخذ من صورة والده وشعاراته الفكرية من دون ترجمتها إلى مهام يلتزمون بها، مبررا للوجود. اتخذ خالد لنفسه موقعا في الظل، من غير تقاعس عن أي أداء يدعم هذا التيار، ودون أن يكون هذا جل موقفه، استكشف حدود القدرة وعندما وجد أن يقينه يفرض أدوارا أخرى بعيدة عن إمكانات من تعامل معهم، اختار من يملكون القدرة من خارج هذا التيار، وتجسد هذا الأمر في تنظيم "ثورة مصر".
وكأن السماء تكافئه ورفاقه في ثورة مصر، فتسحب إسرائيل سفيرها بعد أن استباح المصريون سفارتها، قبل رحيله إلى رحاب ربه بستة أيام.
وقائع كثيرة إن عددناها لن يتسع لها المقال، ولكنها جميعا تقول من كان هذا الرجل. وأن ما ورثه عن جمال عبدالناصر هو القدرة على قراءة احتياج الوطن رغم ضجيج بورصة الأوراق السياسية، وأن يلتزم بما يمليه الاحتياج الوطني أيا ما كان حتى حمل السلاح، ولكنه أيضاً كان محددا أن الرصاص يوجه في صدر العدو، وكشف سلوك راق لتنظيم "ثورة مصر" هذا الأمر عندما تزامن عام 1986 أن أطلقت رصاصات على سيارة رئيس تحرير مجلة "المصور" المصرية، وكان وقتها نشاط التنظيم عالي الأداء في مواجهة الصهاينة، أرسل التنظيم باقة ورد إلى رئيس التحرير وهنأه بسلامته، وكان تصرفا مختلفا وجديدا على مصر.
مثل خالد عبدالناصر تبكيه عين الرفيق والصديق ويزداد الألم عندما تكون قد اكتشفت الصدق في العمل والإرادة. هو في دار الحق، ولا نملك غير أن ندعوا له بالرحمة، ولكني على ثقة مما مر به من مواقف وما اتخذه من أفعال أنه كان يملك جسارة وانتماء للوطن ويدرك من هو العدو، ويعي معنى الشعب وينتمي إلى فقراءه كما كان أبوه.
كتب إلى الصديق المشترك بعد تبادل التعزية قائلا: هل يمكن مقارنة دور ووعي من أسهم لدعم حركة شعبية وقياداتها في الجامعات والمواقع الشعبية وكذلك ثورة مصر دون النظر لموقع أو مكسب سياسي، وبين هؤلاء الذين لم يستوعبوا درس الثورة الأبدي ومازالوا يتصارعون لتصفية من يخالفهم الرأي -على مستوى الوطن- أو على زعامة تكوينات سياسية يعتبرها الشعب الآن "تحت التاريخ"? وأجبته بالقطع الإجابة "لا".
رحل خالد إلى رحاب ربه في لحظة يسود مصر الوطن هدوء مريب وحالة من الترقب تصل إلى حد التربص، بديلا عن وعي بالمرحلة ومسؤولياتها، تملأ الأفق بأسئلة حول إلى أين المسير؟، حتى أن هتافات انطلقت في موكب الجنازة بدت وكأنها خارج سياق قداسة الموت، وحالة الوطن، فالأوطان لا تتغير بالهتاف، ولكن الأوطان تتغير بتحقيق المهام أيا كان الثمن، وتتغير الأوطان بالوعي بحقائق القوة فوق الأرض والقدرة على تغيير ميزان القوى لصالح عملية التغيير.
لم تكن قيمة خالد أنه ابن جمال عبدالناصر، ولا إدعاؤه أنه ناصري، ولكن قيمته كانت في أدائه وفي التزامه بممارسة مهام الاستقلال الوطني. والغريب أن البعض ممن اكتسبوا قيمتهم السياسية لأنهم أعلنوا الالتزام بالناصرية، تخلوا عنها على الباب المخملي للترشح للرئاسة بعد الثورة وتركوا مهام التغيير جانبا، واشتبكوا مع مهام الوجاهة السياسية دون إنجاز حقيقي لصالح القوى الاجتماعية وأولها السعي لتنظيمها في أطر تعبر عنها.
الهدوء المريب الذي يحتوي مصر تلوح في أفقه أسئلة عديدة، تجهد الضمير المصري وهو يرى الفترة الانتقالية تنقضي دون أن يملك تفسيرا لغياب دلالات التغيير الاجتماعي، ولعله أصابته نشوة الإطاحة برأس النظام فأغرقته الرمال المتحركة لغياب التنظيم.
هل تغير ميزان القوى داخل المجتمع لصالح الشعب؟ هل فتح طريق أمام القوى الاجتماعية في المجتمع لتعبر عن نفسها؟ هل نزعت أنياب النظام السابق داخل مؤسسات الدولة وأجهزة الأمن؟ هل استردت ثروة الوطن التي حولها النظام السابق إلى ثروات فردية للموالين له؟
من الذي استبدل الشرعية الثورية بوجوب تسليم السلطة إلى حكومة مدنية (غير عسكرية) لا تمثل غير ذاتها وهي غايتها، سواء تشكلت أحزابها قبل الثورة أو بعدها؟، ومن استبدل الخصومة مع النظام السابق إلى خصومة مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة؟ وكأننا أمام مغامرة بالوطن كله وبالثورة الشعبية، مغامرة "غير عسكرية" في حالة مصر، رغم أن كل المغامرات السابقة في التاريخ كانت "عسكرية"؟ ثم هل حياد المجلس الأعلى مكسبا أم أن عدم انحيازه هو الخسارة؟ ومن الذي يسعى لإحداث فجوة تصديق بين المجلس والثورة؟ ولمصلحة من؟
هل كل الطنين والجعجعة بلا طحن من الأحزاب والنخب وحتى المرشحون الحالمون بالرئاسة تحمل في طياتها التزاما موضوعيا ومسؤولا تجاه الثورة؟
هل هناك حزب أو فصيل أو أحد من النخبة قدم مصلحة الوطن، على مصلحة آنية لما ينتمي إليه؟ هل الغاية العليا للثورة تتمثل في مجرد تداول السلطة؟ أليس هذا مؤشرا على غياب الثورة بمفهومها العلمي في كونها علم تغيير المجتمع؟ ثم ما مشروعية مطالبتهم بانتخابات نيابيه بالقائمة النسبية فقط؟ وهل استقرت الحياة الحزبية وتكافأت الفرص، أم هو جشع من لا يستحق تحت إدعاء مقاومة تسلل عناصر النظام السابق وحزبه؟ أليس من الأجدى استكمال التطهير فبل الانتخابات؟
هل الهتاف الإخواني "مصر وتركيا عاوزنها خلافة إسلامية"، يعبر عن الوطنية المصرية؟
هل استبدلنا عجز الاتفاق على قيادة واحدة لمصر الثورة، بالانحياز إلى قيادة تركية تتحرك وفق مصالحها الوطنية والإقليمية؟
إن ذلك كله يضعنا أمام السؤال الأم إن جاز التعبير، وهو هل الثورة كائن مسؤول بذاته، أم أنها تعبير لفظي عن حالة ومجموعة من الشروط الموضوعية؟
الثورة هي ثلاثة أبعاد تجتمع معا، شعب وقيادة وبرنامج عمل.
الشعب ليس تراكما مبنيا للمجهول، ولكنه كان تلك السبيكة الرائعة والعابرة لحالة العجز السياسي والحزبي التي كانت سائدة قبل يناير، وأكثر من هذا فإن هذه السبيكة الشعبية أوجدت حلمها وذهبت إليه رغم أنها لم تر المهام التي يفرضها نجاحها في إسقاط السلطة وأولها "تولي السلطة بديلا عما كان لصالح مهام المرحلة الانتقالية"، وكانت المهمة الأولى الواجبة في المرحلة الانتقالية هي إعادة تكوين السبيكة على أساس اجتماعي معبر عن القوى الاجتماعية، وهو أيضاً لم يتحقق لأن تلك القوى الاجتماعية كانت مفككة من أثر ممارسات الفترة السابقة وغياب المؤسسات المعبرة عنها والتي كان يمكنها أن تنتج قيادات لها.
والقيادة ليست أفرادا دون مؤسسة تنظيمية، وبرنامج العمل ليس مجرد شعار "خبز ـ حرية ـ عدالة اجتماعية" الذي أخذناه كغاية عليا للثورة، لأنه لم تتم ترجمته إلى مجموعة من المهام لبناء دولة الثورة.
انقضت الفترة الانتقالية واصلة إلى انتخابات عزلت عنها القوى الشعبية التي خاضت معركة الإطاحة بالنظام، ورغم جهد بذله أهل القانون الدستوري ما كانت هناك فسحة للمبادئ الدستورية المؤسسة للدولة والتي يتوقع الإعلان عنها قبل الانتخابات، إلا أن أهل التحرير أخذتهم جل القضايا الثانوية التي واجهوها منفردين دون تنظيم ولا مشاركة من أحزاب اكتفت بحلم الوصول إلى البرلمان أو كرسي الرئاسة، فلم تصل حركتهم إلى إنجاز يقرب قوى المجتمع في كيانات معبرة عنها، وزادت الفجوة بين أهل التحرير وبين أصحاب المصلحة من الشعب.
رحيل الفارس وسط الهدوء المملوء بعلامات الاستفهام كحبات عاصفة رملية تقتل الحياة يستدعي إدراك المهمة الملحة على قوى المجتمع الحقيقية أن تبحث عن "فدائي الثورة" الذين يرون العمل العام نوعا من التضحية في وطن مثل مصر يحتاج إلى رجال بأحجام الحوادث والوعي بحق كل الشعب، وليس البعض منه، فالقادم إن لم يحمل في طياته إجابة عن الأسئلة الحائرة، فهو يفتح الباب لعنف غير مسبوق حتى وإن طال بنا الزمن.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1410
| 26 يوليو 2026
حين نتحدث عن الجريمة، يتجه الذهن مباشرة إلى المحاكم، والقضاة، والسجون، ونصوص القوانين. غير أن الحقيقة أوسع من ذلك بكثير؛ فليست كل جريمة يُعاقب عليها القانون، وليست كل براءة تصدرها المحكمة تعني براءة الضمير. فهناك جرائم لا تعرفها مواد قانون العقوبات، لكنها تترك في النفوس من الألم ما لا تتركه كثير من الجرائم الجنائية، لأنها تستهدف الإنسان في كرامته، ومشاعره، وثقته، وأمله بالحياة. إن القانون، مهما بلغ من الدقة، يبقى أداة لتنظيم المجتمع، لا لصناعة الفضيلة. فهو يعاقب من يسرق المال، لكنه قد يعجز عن محاسبة من يسرق فرحة إنسان، أو يهدم مستقبله بكلمة، أو يكسر قلبًا كان مفعمًا بالأمل. وقد يخرج شخص من المحكمة بريئًا، بينما يبقى مدانًا في محكمة الضمير، لأن العدالة القانونية شيء، والعدالة الأخلاقية شيء آخر. ولعل أولى هذه الجرائم هي كسر الخواطر، فكم من كلمة قاسية أطفأت نورًا في قلب إنسان، وكم من سخرية حطمت موهبة، وكم من احتقار قتل الثقة بالنفس. إن الجروح التي تصيب الجسد قد تلتئم، أما الجروح التي تصيب الروح فقد تبقى عمرًا كاملًا. لذلك جاء الإسلام ليجعل الكلمة الطيبة عبادة، والابتسامة صدقة، لأن بناء الإنسان يبدأ من احترام إنسانيته. ومن هذه الجرائم أيضًا جحود المعروف، فما أقسى أن يقف إنسان إلى جانبك في ساعة عسر، ثم تنكره عندما تتبدل الأحوال. إن نكران الجميل لا يعاقب عليه القانون، لكنه يهدم قيمة الوفاء، ويجعل الإحسان مغامرة لا يجرؤ عليها إلا أصحاب النفوس الكبيرة. وهناك جريمة أخرى لا تقل خطرًا، هي الظلم المعنوي؛ حين يُحرم إنسان من حقه في التقدير، أو تُسرق أفكاره، أو يُنسب جهده إلى غيره، أو يُقصى لأنه قال كلمة حق. وقد لا يجد القاضي نصًا يدين به هذا السلوك، لكنه يبقى عدوانًا على الكرامة الإنسانية، وهي أعظم ما يملكه الإنسان. ثم تأتي جريمة اللامبالاة، وهي من أخطر أمراض المجتمعات. أن ترى محتاجًا فلا تمد يدك إليه، أو تسمع أنين مظلوم فتدير وجهك عنه، أو تشاهد باطلًا يقع أمامك ثم تقنع نفسك بأن الأمر لا يعنيك. فالحياد أمام الظلم ليس دائمًا فضيلة، بل قد يكون مشاركة صامتة في استمراره. ومن أبشع الجرائم التي لا يعاقب عليها القانون أن يكون الإنسان قادرًا على رفع الظلم عن مظلوم، أو إنقاذ بريء، أو قول شهادة تعيد حقًا إلى صاحبه، ثم يختار الصمت خوفًا أو مصلحة أو مجاملة. فالظلم لا يعيش بقوة الظالم وحده، وإنما يعيش أيضًا بصمت القادرين على منعه. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، فجعل الإثم في القلب قبل اللسان، لأن كتمان الحق خيانة للعدل قبل أن يكون مخالفة للأمانة. ولا تقل عن ذلك خطرًا جريمة يبررها بعض الناس باسم الوفاء للصداقة. فقد يعلم الإنسان أن صديقًا له اعتاد الكذب، أو الظلم، أو أكل حقوق الناس، ومع ذلك يستمر في الدفاع عنه، أو تلميع صورته، أو التغاضي عن أفعاله بحجة أنه صديق قديم. لكن الصداقة ليست رخصة لمساندة الباطل، ولا سنوات المعرفة تمنح أحدًا حصانة أخلاقية. إن الوفاء الحقيقي لا يكون للأشخاص إذا تعارضوا مع الحق، وإنما يكون للمبادئ التي تحفظ كرامة الإنسان وعدالة المجتمع. ومن يجامل الظالم وهو يعلم ظلمه، فإنه لا يظلم الآخرين فحسب، بل يظلم الصداقة نفسها، لأنها تتحول من رابطة فضيلة إلى ستار يحجب الحقيقة. ثم تأتي جريمة الكلمة؛ فكم من أسرة تفككت بسبب إشاعة، وكم من سمعة اغتيلت بكذبة، وكم من إنسان عاش سنوات يدفع ثمن اتهام لم يرتكبه. إن الرصاصة قد تقتل إنسانًا واحدًا، أما الكلمة الكاذبة فقد تقتل حياة كاملة، وتترك آثارها في أسرته ومجتمعه. لقد أدرك الفلاسفة أن القانون يحفظ النظام، لكنه لا يصنع الأخلاق، وأن المجتمع لا يستقيم بالقوانين وحدها، بل بالضمائر الحية. فكلما ارتفع منسوب الأخلاق، قلت الحاجة إلى العقوبات، وكلما مات الضمير، ازدادت القوانين وعجزت عن تحقيق العدالة الحقيقية. إننا بحاجة إلى محكمة لا تُبنى بالحجارة، ولا يجلس فيها قاضٍ، بل يسكنها الضمير الإنساني. في تلك المحكمة تُحاكم قسوة القلوب، وكسر الخواطر، ونكران الجميل، وخيانة الأمانة، والصمت عن الظلم، ومجاملة الظالمين، والكلمة الجارحة، وكل ما يهدم الإنسان دون أن تلتفت إليه مواد القانون. وفي النهاية، قد ينجو الإنسان من حكم الأرض، لكنه لن ينجو من حكم السماء، ولن يفلت من محكمة الضمير التي لا تسقط أحكامها بالتقادم. فالجرائم التي لا يعاقب عليها القانون هي، في حقيقتها، أخطر الجرائم؛ لأنها لا تسرق مالًا أو تنتهك جسدًا فحسب، بل تقتل القيم، وتُميت الرحمة، وتكسر الإنسان من داخله. وإذا مات الضمير، فلن يبقى للقانون إلا أن يُحصي الضحايا، بعد أن يكون قد فات أوان إنقاذهم. باحث وكاتب ومستشار أكاديمي
756
| 23 يوليو 2026
كل حضارة عظيمة بدأت بفكرة لم يكن لها نموذج سابق. لكن ماذا يحدث عندما يعيش الإنسان في زمن يرى فيه آلاف النماذج قبل أن يمنح فكرته فرصة لتولد؟ قد يبدو السؤال غريبًا، فالمعرفة كانت دائمًا طريقًا للتقدم، والتعلم من الآخرين هو أحد أسرار تطور الحضارات. لكن ما تغيّر في عصرنا ليس المعرفة، بل حجم ما نتعرض له من أفكار جاهزة كل يوم. لم يعد الإنسان يبحث عن فكرة، بل أصبحت الأفكار تبحث عنه أينما ذهب. وهنا يراودني سؤال لا يفارقني: هل يمكن أن يصبح فيض الإلهام نفسه عائقًا أمام الإبداع؟ كلما أصبحنا نرى آلاف الأفكار كل يوم، أصبح من الصعب أن نسمع فكرتنا نحن. الفكرة الجديدة لا تولد مكتملة، بل تبدأ هادئة، مترددة، وتحتاج إلى وقت حتى تنضج. لكنها اليوم تدخل في مقارنة غير عادلة منذ لحظتها الأولى، فتقيس نفسها بأعمال مكتملة استغرقت سنوات حتى وصلت إلى صورتها النهائية، فتتراجع قبل أن تمنح نفسها فرصة للحياة. أتساءل أحيانًا: لو أن بناة الأهرامات كانوا يستيقظون كل صباح أمام آلاف النماذج المعمارية الجاهزة، هل كانوا سيملكون الجرأة نفسها ليبتكروا ما لم يكن موجودًا؟ ليس المقصود إعادة قراءة التاريخ، بل إعادة قراءة حاضرنا. فكم فكرة لم تولد، لا لأنها ضعيفة، بل لأنها خافت أن تكون أقل من أفكار الآخرين؟ ربما لم يبنِ الإنسان أعظم منجزاته لأنه رأى كل ما بناه الآخرون، بل لأنه وقف أمام مساحة لم يملأها أحد قبله، فقرر أن يملأها بفكرته. الإبداع لا يبدأ بما نراه... بل بما لا نجده. لا أدعو إلى أن نغلق نوافذنا على العالم، فالحضارات لم تتقدم يومًا في عزلة، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن يكون إبداع الآخرين مصدر إلهام، وبين أن يصبح المعيار الذي نحاكم به أفكارنا قبل أن تولد. وربما يكون التحدي الحقيقي في عصر المعرفة ليس أن نصل إلى مزيد من الأفكار، بل أن نحافظ، وسط هذا الضجيج، على شجاعة أن نفكر بأصواتنا نحن.
654
| 23 يوليو 2026