رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ انطلاق ثورات الربيع العربي، والتي بدأت رحلتها الثائرة من تونس مرورا بمصر وليبيا واليمن وسوريا، وتدخل الآن الربع الأخير من عامها الثاني، ورغم أن كلاً من تونس ومصر وليبيا قد نجحت في تكوين حكوماتها الجديدة المنتخبة، واليمن التي لا تزال في طور حكومتها الانتقالية، فإن موجات التظاهرات والاحتجاجات مستمرة، ولا يزال الشعب السوري يناضل من أجل الحرية.
لقد نجحت غالبية دول الربيع العربي في إسقاط أنظمتها الاستبدادية الحاكمة واستئصال قياداتها الخبيثة من أجساد أوطانها التي بدأت يدب في أوصالها رويدا رويدا شيء من العافية، ولكن بدلا من أمطار السلام والاستقرار اللذين كانا من المفترض أن يسودا الأجواء الاجتماعية لتلك الدول، ظهر تزايد الحسد والحقد والكراهية والسب والشتم وعدم التقدير والاحترام بين أفراد المجتمع، لمجرد اختلافات طبيعية في وجهات النظر السياسية أو الاجتماعية، أو حتى لتباينات في الآراء الفكرية أو الدينية. وقد يعود أحد أسباب هذه التجاوزات السلوكية إلى حقيقة أن ثورات الربيع العربي قد كسرت حاجز الخوف القديم البالي، والذي ولى إلى غير رجعة بذهاب سلطة الحاكم المستبد التي كانت ترهب الشعب وتتفنن في ترهيبه من خلال أجهزتها الأمنية القمعية، وقد استغرقت تلك الشعوب في نومها المتوجس وحينما استفاقت مع فجر الثورات لم تجد سلطة بديلة، حيث إن ثورات الربيع العربي لم تعرف قائدا فردا أو قيادة جماعية، فلقد كان الشعب هو القائد الأوحد، فجأة، أتيح لتلك الشعوب العربية هامشا كبيرا من الحرية للتعبير عن غضبهم وسخطهم، تستطيع أن تقول فيه ما تشاء وتفعل ما تشاء وتعبر فيه عما تشاء من آراء، دون خوف أو وجل من سجن أو تشريد أو ربما حتى اغتيالات من قبل قوات أمن الأنظمة الحاكمة.
وبذهاب تلك الأنظمة السابقة إلى مزبلة التاريخ، حدث فراغ في المجتمع بسبب عدم صياغة دستور جديد يواكب منحى الحياة السياسية الجديدة التي بناها الشعب على آمال الحرية والتطلع نحو الديمقراطية، وبما أن عملية بلورة دستور جديد ستأخذ وقتاً حتى يتم تعزيز فرض سيادة وحكم القانون، فإنه سيكون من الصعوبة إخضاع شعوب تلك الدول إلى القوانين القديمة، باعتبار أنهم يرون أن مجرد خضوعهم لها يعتبر عودة عن الديمقراطية إلى عهود الأنظمة الاستبدادية. ومع ذلك، فإن هذه الحرية الجديدة التي حصلت عليها تلك الشعوب مقابل تضحيات جسام وثمن غالٍ، قد أتاحت الفرصة لبعض الجماعات التي لديها أجندات خاصة بها للاستفادة من أجواء فوضى ما بعد الثورات، وتجيير هذا الوضع الاستثنائي الممنهج لمصلحتهم الخاصة، ولهذا السبب فإننا وللأسف الشديد ما زلنا نشهد التناحر الطائفي أو الفئوي الذي لن يؤدي سوى لخلق المزيد من الفوضى التي حتما ستهدد استقرار دول الربيع العربي، ولا ننسى الأدوار التي لعبها عدد من وسائل الإعلام في تعميق حدة الشقاق في المجتمع.
كما أن هناك سببا آخر للفوضى الخلاقة التي حدثت في أعقاب الربيع العربي، وهو أن كل فئة من الناس لديها تصور مختلف لمعنى الحرية، ظن الكثيرون أن هذه الحرية إنما هي أحد صكوك الغفران التي تسمح لهم بأن يفعلوا ما يشاءون دون التفكير في العواقب، ناسين أو متناسين أن الحرية الكبرى لا تأتي إلا مترافقة مع مسؤولية أكبر، كما أن المسؤولية مبدأ وشرط للحرية.
كذلك فإننا نجد أن غالبية قيادات ثورات الربيع العربي هم من شريحة الشباب الذين تشبعوا بمبادئ وأفكار حديثة وضعتهم في موقف تحد واضح لكل ما هو قديم، وتمردوا على كل ما يمكن أن يندرج في سياق الإطار التقليدي القديم، فالمثل والقيم الأخلاقية العربية والإسلامية التي كانت تستحوذ في السابق على كامل التقدير والاحترام، أصبحت مفقودة الآن وضاعت في خضم تناقضات ثورات الربيع العربي. ولكن يجب أن يعي الجميع حقيقة أن القيام بثورات تستهدف الإطاحة بالنظم السياسية القديمة، لا يعني إطلاقا أن نلقي جانبا بقيمنا الأخلاقية التي نشأنا عليها ونشأ عليها آباؤنا وأجدادنا، فلربما ينسى الناس حقيقة أنه من دون هذه القيم العربية والإسلامية، تنهار الأسس والدعائم القوية لأي دولة، لأن هذه القيم الفاضلة هي التي تجعل خيوط النسيج الاجتماعي أكثر تماسكا، وتقوم بشحذ همم الشعوب وتوجيهها معنويا نحو آفاق المستقبل تحقيقا لغاياته وأهدافه العليا.
فخلال حقبة الثورة الفرنسية، كانت قيم الحرية والمساواة والإخاء، هي الأسس القوية التي بني عليها الدستور الفرنسي الثوري، وقد قامت الثورة الفرنسية بتحرير الشعب من شباك النمط القديم الذي كان يقيدهم، وأصبحت هذه القيم هي النمط الجديد الذي ظل ينتهجه المجتمع الثوري الفرنسي ويسير بموجبه، وهي الضمانات الحقيقية لحرية المواطنين في فرنسا ومن انتهج نهجها، ويذكر الفيلسوف جان جاك روسو في كتابه الشهير (العقد الاجتماعي): "يولد الإنسان حرا ولكننا نجده مكبلا بالأغلال أينما كان"، مما يشير إلى أن دستور الدولة هو خير مثال على العقد الذي يلزم كافة أفراد المجتمع على العمل به.
كذلك يتضمن إعلان الاستقلال الأمريكي واحدة من أكثر الجمل تأثيرا في ثقافة العالم وحقوق الإنسان، وهي أنه "لا يجوز لأي شخص أن يؤذي شخصا آخر في حياته أو صحته أو حريته أو حقه في التملك"، وأن "كل البشر سواء في الحرية والاستقلال، ولهم حقوق فطرية لا يمكن لأحد أن يحرم الأجيال القادمة، أو يجردهم منها لحظة دخولهم إلى المجتمع"، وأن "كل البشر خلقوا متساوين، وأن خالقهم وهبهم حقوقا معينة، غير قابلة للانتزاع، منها الحرية والحياة والحق في السعي لتحقيق السعادة"، لتصبح هذه العبارة الأخيرة إحدى أكثر العبارات التي اعتمد عليها، ليس فقط الدستور الأمريكي فيما بعد، ولكن مواثيق حقوق الإنسان في العالم، وبالإضافة إلى ذلك، فإن إحدى أهم القيم الأساسية في الدستور الأمريكي، بجانب القيم الأخرى السابق ذكرها، كالحق في الحرية والحياة والحق في السعي لتحقيق السعادة، هي قيمة "الصالح العام"، الأمر الذي يتطلب من كافة أفراد المجتمع الالتزام التام بمراعاة مصلحة المجتمع قبل المصلحة الذاتية للفرد. وبالتالي يجب أن يمثل دستور أي دولة القيم التي تعتز وتفخر بها، فالفوضى التي جاءت مع الربيع العربي مثلت خرقا بينا لقيم معترف بها من قبل كافة الشعوب العربية، مثل احترام الآداب العامة، وتمكن رؤية مثال واضح لمدى انهيار قيم المجتمع العربي من خلال الإعلام في بعض دول الربيع العربي.
نحن بحاجة للحفاظ على القيم الأخلاقية العربية والإسلامية، وهذا هو ما ينبغي التأكيد والتركيز عليه في الدساتير الجديدة التي تتم صياغتها حاليا لدول الربيع العربي، ويجب ألا تقتصر صياغة هذه الدساتير الجديدة فقط على تضمين قيم الحرية والعدالة والكرامة التي جاءت بها ثورات الربيع العربي، بل ينبغي لها أن تشمل أيضا قيما أخلاقية عربية، يمكن أن تواجه بها هذه الدول التحديات الجديدة والأخطار المحدقة بمستقبل العالم العربي.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5484
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4911
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3024
| 24 سبتمبر 2026