رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قبل عام من الآن، وبالتحديد بتاريخ 21/9/2014م، كتبت مقالة تحت عنوان "وزارة التنمية الإدارية"، وتحدثت فيها حول انطباعي الخاص بعد الحصول على أول دورة في مقرهم الجديد في برج الوزارة، وما لمسته من تطور وقفزة نوعية تمت مع الانتقال، الذي صاحبته خدمات مريحة تتيح استغلال أقصى قدرات المدرب الذهنية، وتؤثر في استعداد المتدربين إيجاباً، والمقالة موجودة على موقع "بوابة الشرق" لمن يريد العودة إليها، وقد لاقت الكثير من التفاعل، فهناك من أثنى وأكّد كل ما ذُكِر، وهناك من ألمح لي بأنني أبالغ، والأخير قلت له لا تحكم إلا بعد أن ترى، فبعد حصولك على دورة هناك سيكون حكمك عادلاً، وسوف تتكلم عن واقع تجربة، فليس من رأى كمن سمع، وبالفعل التحق الأخ الكريم بعد مدة بدورة هناك، وبعد أن أنهى دورته قال لي مباشرة: أحسنت والله، إنك لم تبالغ في كلامك، بل أحسست بأنك مقصِّر لأنك لم تعطِهم حقهم كاملاً، فقلت له لسنا في حال المجاملة في مثل هذه الأمور، ونحن في مرحلة يجب أن نكون فيها شركاء في النهوض بكل مؤسسات الدولة وفي شتى المجالات، والحمدلله أنك تأكدت مما ذكرته، فالناس قد تجامل أي عمل أو جهد لأي شخص أمامه ولمدة معيّنة، لكن المؤكد أن ذلك لن يستمر طويلاً، لأن الأمور حتماً ستتكشف في أقرب وقت وأسرع فرصة، ففي النهاية لا يصح إلا الصحيح.
وفي الأسبوع الماضي التحقت بدورة في معهد الإدارة العامة، ومن محاسن الصدف أن تكون بعد عام بالكمال والتمام من أول دورة حصلت عليها هناك، وقبل التحاقي بالدورة حدثت نفسي بأن الوصول إلى القمة ليس بالمهمة الصعبة إذا توافرت عناصر النجاح والتقدم، لكن الصعوبة الكبيرة تكمن في المحافظة على النجاح والاستمرارية في ذلك، نعم... هذا هو التحدي الأكبر، وكنت أتساءل: هل ما زالت الخدمة ذات خمس نجوم؟! هل العناية باختيار المدرب ما زالت كما هي دون مجاملات لبعض المدربين وأصحاب النفوذ؟! هل الأوقات المختارة بعناية ما زالت كما هي؟! هل ازداد عدد موظفي المعهد وبالتالي اضطروا إلى توسعة الأماكن ووضع المكاتب لهم على حساب قاعات التدريب؟! هل الوقت ما زال مقدساً لديهم فيأتي الموظف في كل طابق للتذكير بموعد الاستراحة أو موعد الانصراف حتى لا يُتجاوز الوقت المحدد للدروة؟! هل الأدوات المساعدة والخدمات المقدمة والحديثة ما زالت على الوضع نفسه؟! هل المواقف المخصصة للمتدربين ما زالت متاحة لهم، أم أنها خصصت للأعداد الكبيرة التي انضمت إليهم ولم تعد تتسع؟! هل الكافتيريا ما زالت تعمل بالهمّة نفسها والنشاط والنظافة والتنظيم ذاته؟! هل المصلّى ما زال قائماً؟! هل ما زال المسؤولون يتفقدون المتدربين في القاعات ويطلبون منهم إبداء آرائهم وأي ملاحظات حول أي مشكلة يواجهونها أو يلحظونها؟! هل.... وهل.... الكثير من الأسئلة كانت تدور في ذهني، حتى في صباح ذلك اليوم وأنا ذاهب للالتحاق بالدورة، وعندما وصلت وتجولت في المعهد وجدت الأمور كما هي، بل إنها تطورت إلى الأفضل ولله الحمد، مما أثلج صدري وأفرحني، ففي اليوم الأول شرّفنا السيد هادي بن سعيد الخيارين المدير العام لمعهد الإدارة العامة كعادته مرحباً بالمتدربين، ومشدداً على الاستفادة القصوى من الدورة والمدرب، طالباً منا إبداء أي ملاحظات نراها منذ التحاقنا بالدورة حتى نهايتها، وهذه الرسالة والمضمون عامل محفِّز لكل ملتحق بأي دورة في المعهد، بل إنني وجدت أثرها في المدرّب قبل المتدربين، وسمعت شهادات حول المعهد وما يُحققه من إنجازات، وهذا كله لم يكن وليد الصدفة، بل بالعمل والجد والمثابرة، ونحن نتحدث عما لمسناه ووجدناه، وهناك أشياء لا بدّ من الإشارة إليها، منها أن المدرِّب كان شاباً يافعاً يتمتع بالحيوية والنشاط، ولم يكن يحمل لقب دكتور، ذلك اللقب الذي يُنظر إليه بعين الرضا والتقدير بغض النظر عن القدرات، وكان المدرب متميزاً في تقديمه، وهذا ما لفت انتباهي وانتباه معظم المتدربين منذ الوهلة الأولى، ولم نكن نعرفه من قبل، بل إنني لم أرَه أو حتى أسمع عنه قبل هذه الدورة، وكان وقت الدورة يمرُّ علينا كلمح البصر، فلا نشعر إلا وهو يقول جاء وقت الاستراحة، وعند انتهاء وقت الدورة يفاجئنا بالقول: في أمان الله، أراكم غداً إن شاء الله، فنفاجأ ونتأكد من الوقت، فقد كان يتعامل معنا بروح الاستفادة، وكانت الدورة ممتعة بما تضمه من معلومات ومهارات وألعاب تدريبية تضم الكثير من الرسائل، وقد تميز المدرب في تقديمها، وهو الأستاذ علي الرشيدي من سلطنة عُمان الشقيقة، وهذا يدلّ على أن المدربين يُختارون بعناية كبيرة بعيداً عن الشهرة والألقاب والمجاملات.
ومن الأمور المهمّة الجديدة في المعهد وجود حقيبة تدريبية شاملة يجدها المتدرب في انتظاره على الطاولة المخصصة له، والأهم من ذلك تغيير موعد حضور الدورات بالنسبة إلى المتدربات وموعد انصرافهن، فالدورات المخصصة لهن تبدأ الساعة التاسعة صباحاً وتنتهي عند الواحدة ظهراً، أما الدورات المخصصة للرجال فتبدأ في الساعة الثامنة صباحاً وتنتهي في الثانية عشرة ظهراً، مما ساهم في تخفيف حدة الزحام عند الحضور والانصراف، وقد طُبّق هذا النظام منذ خمسة شهور تقريباً.
والدوارات التي ينظمها المعهد كثيرة ومتنوعة، فيقام خلال العام الواحد 700 دورة تقريباً، وخصص من البرج 10 أدوار للدورات، كل دور يحتوي على 4 قاعات تدريبية.
وهناك أمور كثيرة لا يتسع المجال للتطرق إليها أو أنني ذكرتها في مقالي السابق، لكن ما يلفت النظر أن التطور في المعهد مستمر، وهي مهمّة صعبة تتطلب جهوداً كبيرة، فنتمنى للقائمين على المعهد التوفيق والسداد.
وحتى لا نترك واجب النقد البناء، ويعتقد البعض أننا نبالغ في ذكر الإيجابيات ونترك السلبيات، أود أن أشير إلى مشكلة واجهتها ويواجهها كل من في وزارة التنمية الإدارية من موظفين ومتدربين، وهي أزمة المصاعد، فعلى الرغم من وجود أربعة مصاعد إلا أنها لا تكفي للأعداد الكبيرة التي تتوافد على البرج، مما يستهلك أوقاتاً طويلة من الموظفين والمتدربين، وللأمانة هي مشكلة يُعاني منها جميع موظفي القطاع الحكومي في جميع وزارات الدولة، خاصة تلك التي تقع في الأبراج.
ooredoo..؟
كلما تذكرناها، تذكرنا الزمن الجميل الذي سايرناه برفقتها، من كيوتل، وصولا إلى أوريدو، نحنّ إليها ونفضلها ونسعى ألا... اقرأ المزيد
1991
| 19 مارس 2017
وداعاً أعناب
فعلاً كان الخبر محزناً للكثير من المتابعين لمجلة أعناب الثقافية الفصلية، التي كانت تصدر عن الشرق كل ثلاثة... اقرأ المزيد
766
| 12 مارس 2017
جائزة التميّز العلمي للاختصاصي الاجتماعي
شرّف حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله، صباح الأربعاء الماضي،... اقرأ المزيد
679
| 05 مارس 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2232
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1122
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
621
| 12 أكتوبر 2026