رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد سنوات من انتظار معركة الموصل، بدأت المعركة فجر يوم الإثنين 17 أكتوبر 2016 بإعلان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ساعة الصفر لبدء المعركة، في خضم خلاف دولي وإقليمي ومحلي على الغاية منها، ومن يشارك فيها ومن لا يحق له المشاركة فيها، ومن ينبغي أن يبعد عنها، في ظل أبعاد السؤال عن المسؤول عما جرى فيها، وعمن أوصلها إلى هذا الحد من الخطر والدمار والقتل والتشريد، ومن سوف يتحمل ذلك أيضاً، وأخير في ظل تهرب من المسؤولية عمن سيتحمل المسؤولية عن الجرائم والأخطاء التي سوف ترتكب بعد عملية تحرير الموصل، بل إن المخاوف مما يقع بعد عملية التحرير أكبر ، لأنه سوف يكشف أهداف تسليم الموصل لداعش قبل عامين على حقيقته، وسوف يكشف الجهة الحقيقية التي خططت لتسليم الموصل لداعش، بل تسليم أرض واسعة من العراق وسوريا لهذا التنظيم "داعش" باسم "الدولة الإسلامية" أو دولة "الخلافة"، وما تسببت به من حالة من عدم استقرار اجتماعي وسياسي واقتصادي وعسكري في المنطقة، والتي خدمت المشاريع الإيرانية التوسعية، والمشاريع الأمريكية في تقسيم دول المنطقة.
وفي رد الفعل الدولي الأول قال وزير الدفاع الأمريكي أشتون كارتر: "إن العملية العسكرية التي تم إطلاقها لاستعادة مدينة الموصل من أيدي تنظيم داعش تشكل "لحظة حاسمة" في المعركة ضد الجماعة الجهادية"، وقال كارتر: "هذه لحظة حاسمة في حملتنا لإلحاق هزيمة دائمة بتنظيم داعش"، وقال السفير الأمريكي في بغداد: "إن عملية تحرير الموصل لن تكون معركة سهلة"، وأعلنت قيادة التحالف الدولي لمحاربة داعش أن اجتماعا وزاريا سوف يعقد في باريس بتاريخ 25 أكتوبر 2016 لمتابعة معركة الموصل، أي بعد عشرة أيام من بدء المعركة، وفي ذلك إشارة إلى أن المدة المقررة لعملية تحرير الموصل هي عشرة أيام، وأن التحالف الذي سيقود هذه العملية قد قدر لها هذه المدة الزمنية، إذا سارت العملية وفق الخطة المرسومة، والإشارة الأخرى من الموقف الأمريكي أن المعركة تقودها أمريكا ولكنها لا تريد أن تظهر في الواجهة خشية عواقبها الوحشية، وحيث إن أمريكا قد صرحت من قبل أن الحكومة العراقية المركزية هي التي لها حق تحديد الجهات التي تشارك في العمليات العسكرية، فهذا يعني أن أمريكا متفقة مع الحكومة الإيرانية أن تكون خلف الأضواء، لأن الحكومة العراقية لا تتخذ قرارًا دون أخذ الأوامر من طهران وقيادة الحرس الثوري الإيراني، وهذا ما يفسر رفض الحكومة العراقية برئاسة حيدر العبادي مشاركة تركيا في عملية الموصل، بل ومطالبتها المتكررة في الأيام الأخيرة بضرورة مغادرة القوات التركية من معسكر بعشيقة الواقع شمال الموصل.
لذا فإن الموقف الرسمي العراقي من تركيا هو كاشف عن الخطة الموضوعة للموصل، فرفض العبادي لمشاركة أو تواجد قوات تركية في العراق، هي شبهة واضحة على أمر ما تم إعداده وتخشى الحكومة العراقية أن يفسده التواجد التركي، وهذا لن يكون إلا المعارك الطائفية، فالحكومة العراقية لا تريد تواجد دولة رافضة للتطهير الطائفي المحتمل في الموصل، وهذه المخاوف دليل على التدخل الإيراني السافر في الشأن العراقي أولاً، حيث صرح مستشار خامنئي فيروزأبادي اليوم: "إن التدخل الإيراني في سوريا والعرق هو تطبيق لمبادئ الثورة الإسلامية"، وكأن الخطة العسكرية الموضوعة ليست لتحرير الموصل من داعش فقط، وإنما إحلال التنظيمات الإيرانية الطائفية مكانها في الموصل، أو على أطرافها ومراكز القوة فيها، أي أن الهدف ليس تحرير الموصل من داعش فقط، وإنما قمع المعارضة العراقية التي ترفض الهيمنة الإيرانية في الموصل، وقد حاولت الحكومة الإيرانية قمع المعارضة العراقية منذ استلامها للعراق من الاحتلال الأمريكي منذ عام 2011، ولكن الحرس الثوري الإيراني عجز عن ضبط الوضع العسكري في الموصل وغيرها، بل عجز عن السيطرة على المدن والتجمعات السكانية التي يغلب عليها المواطنون العراقيون السنة، حتى لو كانت مطالبهم سلمية ووطنية ومواطنية، وبالأخص بعد أن عاملتهم الحكومة العراقية معاملة المواطنين من الدرجة الثانية أو الرابعة.
إن الخطة التي تتفق عليها إيران وأمريكا هي إعادة تركيبة المدن التي يتواجد فيها رفض للحكومة العراقية التي تأتمر من أمريكا وإيران، وذلك بأن تصبح مدنًا مختلطة وغير محصورة على السكان السنة أولاً، وقتل وضرب كل القوى التي تعارض الحكومة المركزية التي يسيرها الحرس الثوري الإيراني ثانيا، وتغيير التركيبة السكانية فيها ثالثاً، ووضع قوات للحرس الثوري الإيراني ولو بأسماء عراقية وعربية في هذه المدن العراقية ومنها الموصل، والحجة هي قمع ومنع عودة تنظيم الدولة داعش، أي أن الهدف هو تمكين احتلال الحرس الثوري الإيراني للموصل، وجعلها تحت سيطرة الحرس الثوري الإيراني باسم الحكومة العراقية أمنيا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وعسكريا، وجعل الموصل حلقة وصل جغرافي بين طهران وسوريا، وفي نفس الوقت حرمان تركيا من أن يكون لها امتداد اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي مع شمال العراق ما أمكنهم ذلك.
هذه المخططات تدركها السياسة التركية، ولذلك فإنها تعتبر قضية الموصل مثل قضية حلب، وأن شمال العراق مثل شمال سوريا، وبالأخص أن الحدود التركية العراقية تبلغ 360كم، وأكثر من 950كم مع الأراضي السورية، أي ان تركيا لا يمكن أن تغفل عينها عما يجري في سوريا والعراق، وعمليات تحرير المدن العراقية السابقة في الفلوجة والرمادي وتكريت وغيرها تبعها جرائم طائفية من الحشد الشعبي الشيعي، وبالرغم من أن أمريكا قد تعهدت للحكومة التركية بعدم دخول الحشد الشعبي إلى الموصل، ولكن الثقة بالتعهدات الأمريكية غير مضمونة، كما حصل في مدينة منبخ العربية السنية في سوريا، حيث تعهدت أمريكا بعدم دخول قوات حزب الاتحاد الديمقراطي إليها، ولكن أمريكا أخلفت في وعدها، وهو ما أدى إلى أزمة ثقة في العلاقات التركية الأمريكية بهذا الخصوص.
إن الموقف التركي واضح وصريح برفض اندلاع حرب طائفية في الموصل، فالهدف الرئيسي للتواجد التركي هو تجاوز مخاوف محتملة من التطرف الطائفي فيما لو دخلت قوات الحشد الشعبي إلى الموصل، وقد رفعت قبل أيام شعارات الثأر، وهذه المخاوف عبرت عنها الدول العربية في بيان مجلس التعاون الخليجي، وقد أكدها وزير الخارجية السعودي السيد عادل الجبير بتحذيره من دخول الحشد الشعبي للموصل والتسبب بحمام دم فيها، وأكدها وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد في أنقرة أيضاً، فالأتراك والعرب يرفضون الحروب الطائفية التي تسعى إيران لفرضها على المنطقة بذهنية تاريخية مريضة، وتجد تشجيعا عليها من أمريكا لصناعة الفوضى الخلاقة، التي تؤدي إلى تقسيم دول المنطقة على أساس عرقي وطائفي وقومي عنصري، بدليل أن أمريكا مهدت الطريق لانسحاب تسعة آلاف (9000) مقاتل من داعش من الموصل إلى الرقة السورية بكامل معداتهم العسكرية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1407
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1119
| 19 مايو 2026
تابعت عبر تطبيق (تابع QMC) التابع للمؤسسة القطرية للإعلام عشر حلقات جميلة للفنان القطري القدير والمبدع السيد غانم السليطي. حيث طرح فيها بعض المشاكل الأسرية والاجتماعية بطريقة جميلة أوصل من خلالها رسائل إلى المشاهدين عن بعض المشاكل التي تصيب بعض الأسر وكيف يتم حلها أو تداركها من البداية قبل أن تشتعل شرارتها وتكبر فتحرق استقرار أسرة مطمئنة. وكان الفنان غانم السليطي قد تطرق لكثير من القضايا الاجتماعية والأسرية والإدارية والسياسية وغيرها في مسلسله الشهير فايز التوش والذي كان يعرض في رمضان بدايةً من 1984 م ولعدة أجزاء لعدة سنوات وقد نال المسلسل نجاحاً باهراً لجرأته في طرح القضايا المتنوعة بطابع كوميدي. وأعتقد أن الكثير من القضايا التي تطرق لها في ذلك الوقت قد تم حلها أو تم حل الكثير منها، منها على سبيل المثال حفريات الطرق التي كانت منتشرة وبصورة كبيرة في شوارع الدولة دون تدخل سريع لإصلاحها بسبب البيروقراطية الإدارية أو لعدم اهتمام المسؤولين بها وربما رمي كل جهة المسؤولية على جهة أخرى، ولكن تبقى الكثير من المواضيع شبه متكررة من ذاك الوقت إلى وقتنا الحالي مع التطور الكبير في استخدام التكنولوجيا ودخول الحاسوب في كل الجهات الرسمية، على سبيل المثال تأخر مواعيد مقابلة الأطباء في المستشفيات الحكومية، العلاج بالخارج وازدواجية المعايير بمن يتم الموافقة عليهم ومن لا يستحقون (والواسطة في هذا الشأن)!!، تأخر بعض المعاملات وطلب بعض الشهادات المعينة في بعض الجهات لعدة أيام مع العلم بأنها سهلة ويسيرة ولكن تبقى الإجراءات عائقاً لها والروتين الحكومي البائس هو المسيطر، كذلك تطرق في مسلسله لسلطة بعض المسؤولين الذين يعتبرون الوظيفة والمنصب الذي يشغلونه كأنه ملكية خاصة ويتعاملون مع الموظفين والمراجعين باستعلاء ولا يطورون طريقة العمل اليومي، وتحدث عن من يتاجرون بوظيفتهم ويستغلونها لمصالحهم الشخصية دون خوف ومراعاة لضميرهم وللقانون أو حتى الخوف من الله سبحانه وتعالى، وغيرها الكثير من القضايا التي كانت تشغل الرأي العام. فكم نحن بحاجة إلى قوانين تردع بعض المسؤولين وتسقطهم من كراسيهم التي يعتبرونها عروشاً للسلطة. وكم نحن بحاجة لإعادة تقييم أداء الإدارات والمديرين في كل الوزارات والهيئات حيث إن من المسؤولين من يجب أن يترقى لمناصب عليا بسبب جهدهم في خدمة المجتمع من خلال وظائفهم وبعضهم الآخر يجب أن يُزال من مكانه ويُطرد لأنه غير كُفْء لهذه الوظيفة. نقطة أخيرة: أبدعت يا بو فيصل في طرحك لتلك القضايا ومحاولة البحث عن حلول فلك كل التحية والتقدير على حسك الوطني وحبك لدولتك، فإن تم إصلاح بعض الأمور فهذا من فضل الله ومن ثم سعيك للتغيير للأفضل. وإن بقيت بعض الأمور على حالها فليس العيب منك ولكن ينطبق قول الشاعر (قد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي) ولكن يبقى الأمل وتحدونا الأماني والتغيير للأفضل. ختاماً: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
960
| 16 مايو 2026