رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
التماس مع ميدان التحرير في هذه المرحلة الحرجة للثورة المصرية يحيل الأفكار والرؤى إلى واقع، يخصبها، ويفرض ثأر الدم والعرض عليها أن تكون أقرب إلى الحقيقة من أن تكون مجرد قراءة للواقع عن بعد أو أحلام أو كوابيس، وتغني عن التشبيه والأمثلة، هناك في التحرير يكتب تاريخ جديد للشعب المصري، ترتفع هامات وتسقط الأقنعة، ليبين لكل الأطراف حقيقة من يقتل الثورة ويحولها إلى مغنم، ومن يخادع الشعب ويحولها إلى استفتاءات وانتخابات، وهؤلاء الذين استدرجوا إلى المجلس الاستشاري لم يجدوا غير ربيب السادات ليعمدوه رئيسا لهم، ليخرج على الناس قائلا: لقد صبر المجلس العسكري على الشباب (البلطجية) ووجب وقفهم بكل حزم، فتخرج موجات القتل للشباب فجرا وأنا أكتب المقال بعد مغادرة الميدان بساعة واحدة.
المشاهد التي نقلت على الشاشات والصور لليلة الجمعة 16 السبت 17 ديسمبر كانت توحي أن من أصدر الأوامر لا يمكن أن يكون مصريا، وأوامره كانت لصفوة الجيش المصري، رجال المظلات!! من فعلها؟، من استحل سحل المصريين فوق الإسفلت؟ من استحل قتل الشيخ الأزهري برصاصة من طبنجة في القلب؟ من سحل السيدة المصرية وعراها على الإسفلت؟ من أصدر أوامر القتل ليستشهد 10 بين مهندس وطبيب وطالب وشيخ من الأزهر؟ من حرق المركز القومي للوثائق ومنع إطفاءه وحال دون أن ينقذ الشباب محتوياته وجلس كما نيرون يغني "سأحرق روما" غير واع أن نيرون ذهب وبقيت روما، وأن كافة الغزاة قد ذهبوا وبقيت مصر؟ من حشد مدنيين فوق سطح ملحق المجلس النيابي ووفر لهم كسر الرخام ليقذفوا به الشباب؟ ويقذفوا كرات النار ببهجة عارمة ويستخدمون الألعاب النارية ليقذفوا بها حتى حرقوا التاريخ والأخلاق معا؟ هل أدرك المجلس العسكري ومن أصدر الأوامر بكل هذا معنى مظاهرة الآلاف من طب عين شمس والأطباء تخليدا لشهيدهم؟ هل أدركوا معنى جنازة الشيخ الأزهري؟ هل أدركوا أنهم يفسدون في الأرض وجزاء ذلك أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف؟ وهل أدرك المتلهون بصناديق الانتخابات أن مستقبل مصر يسطر بعيدا عنهم وأنهم ليسوا أكثر من اصطفاف خارج الثورة؟
كان تعليق "أيمن" من ثلاث ليال بأنهم لن يتوقفوا حتى تتم تصفية الكل وبدون رادع، فتصفية الشباب هي تفريغ للثورة من عصبها، وأكمل ساعتها قائلا: سيهاجموننا الليلة؟ وهو ما حدث، كان ذلك سببا كي أعود إلى الصديق "منير" أسأله أن التقي "أيمن" كي أسأله كيف يري الصورة الليلة، وما الذي يتوقعه مستقبلا؟
قبل أن نلتقي استمر الحديث مع "منير" متصلا فهو حوار لم ينقطع منذ أن خرج من محاكمة عسكرية بحكم سنة مع الإيقاف، كان رأي منير منذ ليلتين أن النهاية مفتوحة، وأن أهل الميدان انتقل موقفهم من رفض حكومة الجنزوري والمطالبة بحكومة إنقاذ وطني، إلى المطالبة بالثأر.. دم الشباب وعرض السيدات، فالأمر ليس مجرد القتل والسحل، بل أيضاً الاتهامات في الأعراض، ويتولاها الإعلام بالنشر والتلميح، وأخبرني أن حشودا من 40 لوري للأمن المركزي وصلت، وجميعهم في زي مدني وهو ما يؤكد أن الليلة (الأحد الاثنين) سيحدث هجوم جديد، ووصلته مكالمة تليفونية تخبره أنه تم رصد نقل أنابيب بوتاجاز في الخطوط الخلفية للقوات خلف الجدار العازل، وهو جدار بناه الجيش في مدخل شارع القصر العيني، كما بني جدار مماثل على مدخل شارع محمد محمود من ناحية التحرير.
تواصل الحديث السريع حتى نجحنا في الاتصال بأيمن، التقينا، ليقول نحن كفيلون بهم، ولكن مشكلاتنا الإعلام، التواصل مع الشعب، والنخبة الذين يكمنون إلى أن يصل الموقف إلى ذروته ويتدخلون ليجنوا الثمار، وليضيف منير أن "الأفندية" ـ كما يسمي أهل التحرير نخبة الشاشات التلفزيونية ـ حاولوا إسكات الشباب ليتفاوضوا فنالوا من الشباب هتافات أحالتهم إلى اتباع للنظام وجردتهم مما يدعون.
أيمن يدرك أهمية التواجد وأهمية الجذوة المشتعلة، منير يدركها، الكل يدرك حقيقة أن الثورة في خطر، يرصدون موقف الإخوان والسلفيين، يحللونه، نخرج بقناعة أن كل دقيقة تمر من عمر الصمود هي اقتراب من لحظة النصر بشرط الإعداد الجيد للقادم من مواقف، واستقر الكل على أنهم يملكون مخططا ويستفزون الشباب ليوجهوا له الضربات المتتالية لإجهاض أي محاولة للتعبير أو الاعتصام ورفع المطالب الأساسية للثورة، كان واجبا أن أرحل، ولم يكن ممكنا أن أطلب منهما الرحيل، ولكن كان مطلبي، حافظوا على أنفسكم.
الآن الكل يواجه الحقيقة كاملة، قائد المنطقة المركزية ورئيس العمليات وقائد الشرطة العسكرية جميعهم وراء الأوامر الصادرة بالتعامل مع المعتصمين، وأسلوب التعامل، وهذه الجريمة لا تسقط بالتقادم، والمطالبة بمحاسبتهم وتقديمهم للمحاكمة صارت مطلبا لأهل التحرير.
ويتداعي تساؤل آخر هل بإمكان هؤلاء الثلاثة أن يصدروا أوامرهم دون موافقة ومباركة المجلس العسكري؟
وتداعي سؤال آخر، هل هناك بالمجلس العسكري انقسام؟ وهناك من يزرع الفتنة بين الشعب ورجال الجيش؟
وسؤال ثالث كيف بجيش مصر أن يقبل تغيير عقيدته القتالية؟ وبدلا من أن يراجع أفعال الأشهر الماضية منذ الثورة حتى اليوم أن يقبل بتحويل مهمته إلى قتل الشعب الذي هو الوطن؟ فما هي عقيدته القتالية ومن هو العدو؟
وتأبى يد الله إلا أن تضيف خزيا فوق أفعالهم، فينفجر خط أنابيب الغاز للمرة العاشرة في نفس اليوم.
امتلك المجلس العسكري ناصية الأمر سواء بالتشكيل المدجن للمجلس الاستشاري، أو بنتائج الانتخابات التي نجح فيها مناصريه من الأحزاب الدينية، كما جاء من متحف الوزراء برئيس لا علاقة له بالثورة أو أهدافها، وهو من أتباع النظام البائد، بل تحيطه اتهامات توشكى الذي لم يحقق عائده، وأكبر منصب كان يجب وضعه فيه هو مسؤولية أن يحقق نتائج توشكى أو يحاكم بتهمة تبديد المال العام.
أخذ المجلس العسكري جميع أدواته إلى السقوط، وأضاف غير المطالبة برحيله، بضرورة محاكمة ثلاثة من رجاله بتهمة القتل العمد، فلمصلحة من يفعل كل هذا؟
ما الذي يهدف إليه المجلس العسكري؟
لقد أصابوا من أصابوا فجر الاثنين واعتقلوا من اعتقلوا، ولكن الشباب دفعهم إلى خارج الميدان، واستعادوا الميدان مع طلعة النهار، فلماذا عمليات الإجهاض هذه؟ لمصلحة من؟
هل يحاول البقاء في السلطة؟ كيف وهو يزرع الثأر مع الشعب؟
هل يحاول تمكين رئيس وزرائه من دخول مجلس الوزراء؟ وكيف سيستقر وسابقه جاء من التحرير ورفضه الشعب بعد ذلك لأن المجلس العسكري كبل يداه.
لقد تجدد الثأر مع وزارة داخلية الجنزوري وليس أمامه سوى أن يحمل كفنه على يديه ويرحل؟ فالثأر معه يفتح باب القتل المتبادل؟ فهل تطيق مصر هذا الأمر لجريمة اقترفها ثلاثة من رجال الجيش المصري دون أن يقدموا للمحاكمة؟
الموقف الآن في أدق لحظاته، الكل اكتسب عداء الشعب، وجرت محاولة لتقسيم الشعب إلى مع المجلس وضده، وانتقلت إلى تشويه الشباب، لينقسم الشعب إلى مع الشباب وضده، ومازال موقفكم من البلطجية هو الاستخدام، وليس أدل من ذلك إلا ما جرى بعد الساعة الواحدة من فجر الاثنين عندما مرت عناصر تابعة للقوات المسلحة تطلب من المقاهي والمحلات الإغلاق لأن البلطجية قادمون؟ وهل لدى المجلس استطلاع مبكر رصد دخول البلطجية إلى ساحة القتال؟
لقد نقلت أفعالكم الشباب إلى تصعيد جديد في المطالب، فمطلبهم أصبح إعدام مبارك ومن معه، وتطهير مبنى الإذاعة والتلفزيون ممن فيه. وتطهير الجيش قبل عودته إلى ثكناته بمحاكمة قتلة الشباب، ومحاكمة كل من قتل أو عذب أو انتهك عرضا، لقد انتقل رجال المنطقة المركزية من كشف العذرية إلى تعرية النساء سحلا فوق الإسفلت، فهل تعتقدون أن هذا سيمر دون حساب، حتى لو خرج كل شيوخ الأزهر الذين أكلوا لحم الشهداء بتأييدهم لكم وهجومهم على شباب، حتى لو خرجوا جميعهم معكم، فسيخرج الشعب يوما عليكم وعليهم.
إن بقاء الجنزوري في مكانه هو المفجر للعصيان المدني، وليس من إدانة له أكثر من كونه يدير أمره من خلف جدار عازل بينه وبين الشعب.
وبقاء مجلسكم الاستشاري هو إعدام للثقة أنكم تريدون الوصول إلى بر السلامة لوطن أراد شعبه الحرية وسينالها.
وخديعة الصناديق انكشفت، وسيتحول مجلس الشعب إلى نصب الشيطان ليرجمه الشعب.
وها هو الشباب قد أحس بحاجته إلى التنظيم والحشد والقيادة، رغم كل من اندسوا بينه بناء على رغبتكم وتحت إمرتكم ليبولوا في رأسه، فالشباب يدرك متى يسمع، وفي أي لحظة يغلق أذنه عن لغو القول.
أمامكم خطوة واجبة، وهي المحاكمة السريعة لمن قتل وعذب وسحل، وعلنية، وأحكام تتناسب وعمق الجرح.
لقد أعادت الثورة لكم كرامة العسكرية المصرية عندما التف الشعب من حولكم، ولكنكم أبيتم إلا أن تأخذوا موقفا مغايرا لإرادة الشعب، ستحاسبون عليه أمام الشعب وأمام التاريخ.
أليس هناك رجل رشيد يعيد الأمر إلى نصابة، لتتشكل حكومة الإنقاذ الوطني كما طالب بها الشباب، ويأخذ على يد من قتل وعذب وسحل وعري الأعراض، ويعيد إليكم شموخ رجال مصر والعسكرية المصرية؟
إن مصر تدخر جيشها ليوم آت لا ريب فيه في مواجهة الصهيونية العالمية، فلمصلحة من تغيرون عقيدة الجيش القتالية، ولمصلحة من تزرعون الفتنة بين الشعب وجيشه.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
883
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
637
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
540
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8907
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4830
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3555
| 23 سبتمبر 2026