رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
على لسان صحفي إسرائيلي قرأنا هذه الأيام تقريرا خصصه كاتبه للعلاقات بين اليمين الإسرائيلي المتطرف متمثلا في حكومة نتنياهو الحالية وبين أحزاب اليمين المتطرف والعنصري الأوروبي! طبعا يعرف الرأي العام العالمي أن أوروبا تجتاز مرحلة استثنائية من مسارها السياسي والأيديولوجي بسبب بلوغ أحزاب فاشية سدة الحكم ولو ضمن ائتلافات هشة لكنها تجر وراءها تاريخا أسود من آثار الهولوكوست (أي إبادة اليهود) ومن الواضح أن الثعلب الإسرائيلي نتنياهو أدرك أن هذه الأحزاب تريد التكفير عن ذنوب معاداة السامية وتتحول الى قوة مساندة للاحتلال ويريد طبعا ابتزازها عبر هذا التحول وفي هذا الصدد كتب الصحفي الإسرائيلي (يوسي ميتسري) وهو مراسل الشؤون الدولية في قناة 13 الإسرائيلية هذا الأسبوع تحليلا لافتا حول ما سماه «ظاهرة تدعيم العلاقات بين اليمين الإسرائيلي المتطرف ونظيره في أوروبا» وهو يعتبر هذه الظاهرة غير طبيعية بالنظر الى تاريخ اليمين الفاشي الأوروبي الذي ارتكب الهولوكوست ضد اليهود أثناء الحرب العالمية الثانية! وهذا ما استدعى البعض للتحذير من تلك العلاقات. يكتب الصحفي: « أرى أن «الموجة اليمينية المتطرفة التي تعصف بأوروبا في السنوات الأخيرة تشهد تقاربا مع إسرائيل، بصورة لافتة سواء مع مارين لوبان من حزب «الاتحاد الوطني» في فرنسا وفي إيطاليا حيث شغلت السيدة ميلوني منصب رئيس حكومتها لأول مرة وفي اليونان يكتسب اليمين المتطرف زخما وفي إسبانيا يواصل اليمين صعوده السياسي وكذلك ينطبق الأمر على ألمانيا والمجر وبولندا حيث انتصر اليمين العنصري منذ زمن طويل».
وأضاف في مقال ترجمته «عربي21» أن «هذا التقارب بين اليمين الإسرائيلي والأوروبي يكتسب غرابة لأن الأخير معاد للسامية، وجذورهم معروفة في كراهية اليهود ولعل مطاردة رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان للملياردير اليهودي المجري جورج سوروس مصحوبة بصور وإشارات لمعاداة السامية الأوروبية الكلاسيكية وكذلك إنكار حدث مهم في تاريخ الشعب اليهودي وهي الهولوكوست ولعلنا نذكر تصادم رئيس الوزراء السابق يائير لابيد مع نظرائه البولنديين حول تغيير قانون الهولوكوست، «. وأشار الكاتب إلى أن «اليمين الأوروبي لا يخفي تمجيده من بين أمور أخرى لمعاداة السامية وقتلة اليهود، صحيح أن الحكومة الإسرائيلية ليست ممنوعة من التعاون معهم أصلا لأن العالم الجيوسياسي يتطلب الحاجة لاتخاذ قرار بارد بما يعزز المصالح السياسية ومن الأمثلة على ذلك «تحالف فيسيغراد» بين المجر وبولندا وسلوفاكيا والتشيك، وقد عرف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كيفية الاستفادة من هذا التحالف لمنع التحركات السياسية ضد إسرائيل ويستخلص الكاتب من هذا التعميق للعلاقات فيكتب: «»العلاقة الحميمة مع الدول الأربع الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي لا تحدث كل يوم، لكن هذا لا يعني أن المسؤولين الإسرائيليين مطالبون بالموافقة على أي تعاون مع الأحزاب اليمينية المتطرفة فقط بسبب توافقهما حول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، أو أن لديهما عدوا مشتركا، لاسيما- الفلسطينيين والمهاجرين المسلمين، ولسان حالهم يقول «لنتّحد معا يدا واحدة نحن أعداء المسلمين مهاجرين الى بلدانكم أو مقاومين لشعبنا الاسرائيلي» نلاحظ هما أن العدو المشترك لإسرائيل واليمين الأوروبي هو المسلم متمثلا في المهاجر من دول جنوب البحر الأبيض أو المقاوم الفلسطيني للاحتلال في الضفة والقطاع وخاصة جنين مع العلم أن هذين الملفين هما اليوم على طاولة كل حوار عالمي وكل مؤتمر دولي ! علق الكاتب الفلسطيني عدنان أبو عامر في مقال على (عربي 21) قائلا: «تقف اليوم دولة الاحتلال على مفترق طرق مركزي للغاية في اللعبة الجيوسياسية، لا سيما مع أوضاع الفوضى الداخلية، والدعم الدولي المتراجع، خاصة من البيت الأبيض، وأن الجمع بين تحالف اليمين الأوروبي والإسرائيلي الساعي للحصول على الشرعية الغربية، في نفس الوقت الذي تعبر فيه الإدارة الأمريكية عن إحباطها بشكل علني من الاحتلال، سيعني في النهاية أننا أمام عزلة إسرائيلية دولية متزايدة مع مرور الوقت. ويضيف: «يتركز التقارب اليميني الأوروبي الإسرائيلي على تجاهل احتلال الأراضي الفلسطينية، وحرمان الاتحاد الأوروبي من الإجماع اللازم لتمرير قرارات قد تضر بالاحتلال والتمييز ضد الفلسطينيين، ومن الواضح أن الترحيب الإسرائيلي بفوز اليمين في دول أوروبا يهدف لإقامة علاقات سياسية قوية معها تعيد دولة الاحتلال إلى القارة الأوروبية كحليف لا سيما أن هذه الأحزاب اليمينية الأوروبية تحاول التخلص من ماضيها الفاشي، ومن وجهة نظرها، فإن الدعم غير المشروط لإسرائيل جزء من الإجراءات لإزالة ما توصف بـ»رائحتها الكريهة التاريخية»! أمام هذا الواقع المعادي للعرب وللمسلمين هل من الحكمة أن نظل متفرجين ولا نتحرك (لا على الصعيد الفلسطيني فقط بل على صعيد الأمة جمعاء) لأن المستهدف منذ 75 عاما ليس فلسطين بالاستيطان والاحتلال وحدها بل الأمة الإسلامية بغاية إلغاء وجودها من خريطة (وذاكرة) العالم وهنا أتساءل:»ماذا فعلنا نحن من أجل توحيد مواقفنا وتوحيد ردود فعلنا وبالتالي فرض حماية مصالحنا في عالم لا يرحم الضعيف ولا يسمع للمظلوم ونحن أمة قوية بطاقاتها وكفاءاتها وإمكانية تغيير تحالفاتها؟»
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة نهاية الأسبوع. ستري عائلة خليجية صغيرة تتمشى. الأب والأم يمشيان في الأمام بكامل أناقتهما، وخلفهما بمسافة مترين تمشي «المربية» وهي تحمل الطفل، وتدفع العربة، وتحمل حقيبة الحفاضات. وإذا بكى الطفل، لمن يمد يده؟ إلى المربية. وإذا نطق كلماته الأولى، بأي لغة (أو لهجة مكسرة) يتحدث؟ بلغة المربية. هذا المشهد، رغم تكراره حتى أصبح مألوفاً، هو «جرح» غائر في كرامة الأسرة الخليجية. نحن، وبدافع الحاجة والرفاهية وانشغالنا في وظائفنا، لم نستقدم عمالة لتساعدنا في «أعمال المنزل» فحسب، بل ارتكبنا خطأً استراتيجياً فادحاً: لقد قمنا بـ «تعهيد» (Outsourcing) مهمة التربية. لقد سلمنا «مفاتيح» عقول وقلوب أطفالنا لأشخاص غرباء. المشكلة ليست في وجود المساعدة، فالدين والواقع يبيحان ذلك. المشكلة تكمن في «تداخل الأدوار»..... «الدريول» (السائق) لم يعد مجرد سائق يوصل الأبناء، بل أصبح هو «الأب البديل» في السيارة، يسمع أحاديثهم، ويختار موسيقاهم، وربما يغطّي على أخطائهم. و»المربية» لم تعد منظفة، بل أصبحت «الأم البديلة» التي تطعم، وتناغي، وتمسح الدمعة، وتلقن القيم (أو غيابها). نحن نشتكي اليوم من أن أبناءنا «تغيروا»، وأن لغتهم العربية ركيكة، وأن «السنع» عندهم ضعيف. ولكن، كيف نلومهم ومعلمهم الأول في سنوات التأسيس (من 0 إلى 7 سنوات) لا يملك أياً من هذه القيم؟ كيف نطلب من طفل أن يكون «ابن قبيلة» أو «ابن عائلة» وهو يتربى على يد ثقافة مختلفة تماماً في الدين واللغة والعادات؟ إن «السيادة» لا تكون فقط على الحدود الجغرافية للدولة، بل تبدأ من «السيادة على المنزل». هناك مناطق «محرمة» لا يجب أن يدخلها الغريب مهما كنا مشغولين. أن تروي قصة قبل النوم، هذا «مفتاح» لا يُسلم للمربية. أن توصل ابنتك المراهقة وتستمع لثرثرتها في السيارة، هذه «فرصة ذهبية» لا تتركها للسائق. وإذا كنا نتفق جميعاً على أن القيم هي أول الهرم التربوي، فلا خلاف على أن القرآن الكريم يتربع على قمة هذا الهرم بلا منازع. وهنا، يجب أن نتوقف للمصارحة: هل يكفي أن نوكل مهمة ربط أبنائنا بكتاب الله إلى «المحفّظ» أو «المحفّظة» فقط؟ نحن لا ندعو -بالتأكيد- لترك حلقات التحفيظ، ولكن العقد لا يكتمل في صدور أبنائنا إلا إذا وضعنا نحن لمساته. كيف تهون علينا أنفسنا أن يسبقنا غريبٌ إلى تعليم فلذة أكبادنا «سورة الفاتحة»؟ هذه السورة هي «أم الكتاب»، وهي الأساس في حياة كل مسلم، ولا تجوز الصلاة إلا بها. ألا تطمع أن يكون لك أنت «أجر» كل مرة يقرأها ابنك طوال حياته؟ ألا تغار أن يكون هذا الحبل السري الروحي موصولاً بغيرك؟ لن يكتمل «عقد القرآن» في صدور أبنائنا ما لم نضع نحن، الآباء والأمهات، لبناته الأولى. فلتكن أصواتنا هي أول ما يتردد في آذانهم بآيات الله، ليكبروا وهم يحملون «القرآن» في صدورهم، و»صوت الوالدين» في ذاكرتهم. الرفاهية الحقيقية ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تملك الوقت والجهد لتخدم أهل بيتك، وتصنع ذكرياتهم. الطفل لن يتذكر نظافة الأرضية التي مسحتها الخادمة، لكنه سيتذكر طوال عمره «لمسة يدك» وأنت تمسح على رأسه، وصوتك وأنت تعلمه «المرجلة» أو «الحياء» أو «الفاتحة». دعونا نستعيد «مفاتيح» بيوتنا. لتبقَ المساعدة للمساعدة في «شؤون البيت» (التنظيف، الغسيل)، أما «شؤون القلب» و»شؤون العقل» و»شؤون الروح»، فهذه مملكتكم الخاصة التي لا تقبل الشراكة. لا تجعلوا أطفالكم «أيتاماً» والوالدان على قيد الحياة.
1887
| 12 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة، إذ إن تحديد موقعه الوظيفي داخل البنية المجتمعية يسبق بالضرورة أي حديث عن أشكاله التنظيمية أو مظاهره الظاهرة. فإدراجه ضمن منطق الفعالية الزمنية المحدودة يُفرغه من قيمته، بينما يقتضي الفهم الرشيد التعامل معه كأداة توجيهية لإعادة بناء الثقافة الرياضية على أسس واعية ومستدامة. على مستوى الفرد، لا يمكن اختزال دور اليوم الرياضي في المشاركة الشكلية أو الامتثال المؤقت. بل يفترض أن يشكّل لحظة وعي نقدي تُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والمسؤولية الذاتية. فالنشاط البدني، في هذا الإطار، لا يُنظر إليه كخيار ترفيهي، بل كواجب مرتبط بالصحة العامة، والانضباط الشخصي، والقدرة على الإنتاج والاستمرار. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لليوم الرياضي تتجلى في قدرة الفرد على تحويله من تجربة عابرة إلى التزام سلوكي طويل الأمد، وإلا تحوّل إلى ممارسة رمزية فاقدة للأثر. أما الأندية الرياضية، فيقع على عاتقها دور بنيوي يتجاوز التنظيم اللوجستي إلى الدور التنويري. فهي مطالبة بأن تكون وسيطًا معرفيًا يربط بين الممارسة الرياضية وبناء الشخصية، وبين التدريب والوعي، لا أن تكتفي بتوفير النشاط دون تنظيم فكري. كما ينبغي أن تتحمل الأندية مسؤولية استيعاب المجتمع خارج دائرة النخبة، عبر برامج مستمرة تستهدف الفئات غير النشطة، وتحوّل اليوم الرياضي إلى بوابة انخراط لا إلى ذروة موسمية. كلمة أخيرة: إن اليوم الرياضي يستمد قيمته من كونه لحظة تأسيس وعي لا لحظة استهلاك نشاط، ومن قدرته على إعادة توجيه الأدوار الفردية والمؤسسية نحو ممارسة رياضية واعية، مستمرة، ومتصلة بأهداف المجتمع الكبرى، لا من مظاهره الآنية أو زخمه المؤقت.
1653
| 10 فبراير 2026
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
1488
| 15 فبراير 2026