رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

192

د. أحمد المحمدي

‏وضع الندى في غير موضعه مضر

21 يوليو 2025 , 02:00ص

‏للشاعر المتنبي أبياتٌ خرجت من الحكمة، وسارت في قافلة الزمن كأنها آياتُ تجربة عاشها الإنسان مرارا، وسقط في فخّها مرارا!

‏ومن أبلغها، قوله:

‏وَوَضْعُ النَّدى في موضِعِ السَّيفِ بالعُلا

‏مُضِرٌّ، كوضعِ السَّيفِ في موضعِ النّدى

‏ليست هذه الأبيات من زخرف القول، ولا من ترفِ الأدب؛ بل هي قانون من قوانين الوجود الإنساني، تتكرّر في كل بيت، وتنبض في كل علاقة، وتعيد نفسها مع كل طيب يُؤذى، وحليم يهان، وكريم يطعن.

‏أبيات تعيد ترتيب القيم في مواضعها، وتوقظ الغافلين عن الفرق بين فضيلة الطيبة ورذيلة التفريط باسم الطيبة!

‏بين الحلم الواعي والضعف المتنكر في ثياب الكرم!

‏الطيبة في ذاتها فضيلة، لكنها تصبح خيانة للنبل إذا نزلت منزلة الذل، وسُكِت عنها حين يعلو صوت الباطل ‏أو ترجمت إلى صمت في حضرة الإهانة.

‏إن الطيب الحقيقي لا يفرّ من المواجهة، بل يؤجّلها حتى يستوفي الصبر حقّه، فإن باء الصبر بالفشل، نطق بما يجب أن يُقال، وفعل ما ينبغي أن يفعل؛ ذلك أن الكرم إذا نُثر في غير موضعه، أنبت شوكًا لا وردًا، والصفح إذا صُبّ على من لا يتأدّب؛ زاد في طغيانه، والصمت إذا أُهدي لمن يتغذى على الإهانة؛ ضاعف سُمّه.

‏إننا حين نُخفي الحزم خلف الكرم، ونخنق الغضب المشروع باسم اللين، نُربّي في الطرف الآخر صورةً مشوّهة للحق، نُوهمه أن الطيب لا يغضب، ولا يرد، ولا يضع حدودًا، وأن ابتسامته تصريحٌ للعبث، وكرمه إذنٌ للتطاول.

‏وهنا يبدأ الظلم في صورته الأخطر: ظلم النفس باسم الأخلاق!

‏والحق أن الله ما شرع الصبر ليُهان العبد، ولا الكرم ليُستهان بالمروءة، ولا الحلم ليكون حصان طروادة تتسلل منه الإهانات على مهل.

‏الطيبة لا تعني أن تصبح مضغة في أفواه المستهزئين، ولا أن يُغرز المزاح السوقي في شخصيتك كالسكاكين.

‏فليست المحبة أن تُلغى الحدود، ولا الأخوّة أن تُسحق الكرامة، ولا الدعابة أن تُستباح النفس الكريمة باسم: (نمزح فقط)!!

‏إن الطيب الذي لا يعرف متى يغضب، ليس طيبًا، بل غافل.

‏والكريم الذي لا يعرف متى يمنع، ليس كريمًا، بل مفرّط.

‏والصامت في وجه من يطعن، ليس حكيمًا، بل مستسلم.

‏والمتسامح الدائم مع من لا يستحق، خائن لقيمة التسامح ذاتها.

‏وإذا ظنّ الظانون أن الصمت ضعف، واللين ذل، والكرم تنازل، فإنهم لم يختبروا بعد وجه الطيب حين يثور، ولا صوت الحليم حين يغضب، ولا برق الكرامة إذا لمع.

‏إن السيف لا يُعيبه غمده؛ لكنه لا يُغمد إذا طُعنت الكرامة.

‏النفوس النبيلة بالفطرة تعرف أن الحياة لا تُدار بالعاطفة وحدها، بل بالبصيرة.

‏وأن الصبر لا يعني الهوان ‏وأن الصفح لا يعني التسليم ‏وأن الابتسامة لا تعني الإذعان

‏وأن من عرف موضع السيف والندى، فقد عرف رجولته، ووزن مروءته، وأقام ميزان الحق مع الخلق.

‏فإياك أن تُخطئ موضع الكلمة؛ فإنك إن وضعت الندى في غير أرضه، أنبت شوكًا في قلبك

‏وإن وضعت السيف في غير مقامه، قطعت ما كان يجب أن يُروى.

‏فما بين الندى والسيف؛ تُختبر الرجولة، وتُعرف النفوس، وتُوزن المواقف، وتُبنى الأمم.

مساحة إعلانية