رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

موزا محمد الكواري

باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي

مساحة إعلانية

مقالات

360

موزا محمد الكواري

حين أصبح كل شيء محتوى

21 يوليو 2026 , 12:29ص

لم يتغيّر العالم لأن الكاميرات أصبحت أصغر، ولا لأن الهواتف أصبحت أذكى، بل لأن الإنسان نفسه بدأ ينظر إلى الحياة بعينٍ مختلفة. لم يعد يسأل: كيف أعيش هذه اللحظة؟ بل أصبح يسأل: كيف سأعرض هذه اللحظة؟

هناك فرقٌ كبير بين أن توثّق حياتك، وبين أن تعيشها من أجل التوثيق. الأول يحفظ الذكريات، أما الثاني فيُعيد تشكيل الحياة لتناسب عين المتلقي، لا نبض صاحبها.

لم تعد المناسبة تبدأ بوصول الضيوف، بل بترتيب زاوية التصوير. ولم يعد السفر رحلة لاكتشاف العالم، بل أصبح سباقاً لإنتاج صورٍ أكثر من إنتاج الذكريات. حتى فنجان القهوة لم يعد مجرد استراحة، بل أصبح مشهداً يحتاج إلى إضاءة، وزاوية، وتعليق، وتوقيت للنشر.

ليس في مشاركة التفاصيل ما يُلام، فالإنسان بطبيعته يحب أن يروي قصته. لكن السؤال الحقيقي هو: هل ما زلنا نعيش القصة أولاً، أم أصبحنا نكتبها قبل أن نعيشها؟

لقد صنعت منصات التواصل واقعاً جديداً، لم يعد النجاح فيه مرتبطاً بما نُنجزه، بل بما نُظهره. وأصبح الإنجاز الذي لا يُنشر، عند البعض، يبدو وكأنه لم يحدث أصلاً. حتى الأعمال الإنسانية لم تسلم من هذا التحول؛ فبات السؤال أحياناً: كم شخصاً ساعدت؟ أقل حضوراً من سؤال: كم شخصاً شاهد أنك ساعدت؟

وهنا لا تكمن المشكلة في التقنية، ولا في المنصات، فهي أدوات لا أكثر. المشكلة تبدأ عندما تتحول قيمة الإنسان إلى انعكاسٍ لما تعرضه الشاشة، لا لما يحمله من قيم. عندما يصبح الوجود الرقمي أكثر أهمية من الوجود الحقيقي، ويصبح التصفيق الإلكتروني بديلاً عن الرضا الداخلي.

الأخطر من ذلك أن ثقافة “المحتوى” لم تغيّر سلوكنا فقط، بل غيّرت مشاعرنا أيضاً. أصبحنا نلتقط الصورة قبل أن نعيش الدهشة، ونبحث عن العبارة المناسبة قبل أن نستوعب الحدث، ونفكر في ردود الأفعال قبل أن نسأل أنفسنا: ماذا أشعر حقاً؟

حتى الحزن لم يعد بعيداً عن هذا التحول. أصبحت بعض لحظات الفقد تُقدَّم للجمهور قبل أن تُمنح للنفس فرصة لتستوعبها. وأصبح الفرح أحياناً يُقاس بعدد المشاهدات أكثر من عدد الابتسامات الصادقة.

وسط هذا المشهد، ينشأ جيلٌ قد يظن أن الحياة تُقاس بحجم التفاعل، وأن القيمة تأتي من الخوارزميات، وأن الصمت يعني الغياب. بينما الحقيقة أن أعظم الإنجازات في التاريخ لم تكن تُبنى أمام الكاميرات، وأن أعمق العلاقات لم تكن بحاجة إلى جمهور، وأن أكثر لحظات الإنسان صدقاً غالباً لم يرها أحد.

لسنا بحاجة إلى أن نهجر التقنية، ولا أن نُعلن الحرب على وسائل التواصل، فهي جزء من واقعنا، وقد منحتنا فرصاً هائلة للتعلم والتواصل وصناعة الأثر. لكننا بحاجة إلى أن نستعيد حقنا في أن نعيش بعض اللحظات كاملة، دون أن نبحث لها عن عنوان، أو فلتر، أو توقيت نشر.

فليس كل ما يستحق أن يُعاش، يستحق أن يُنشر.

وربما سيأتي يوم يكتشف فيه الإنسان أن أجمل ذكرياته لم تكن تلك التي حصدت آلاف الإعجابات، بل تلك التي لم يعلم بها أحد، لأنها كانت صادقة بما يكفي لتبقى في القلب… لا على الشاشة.

مساحة إعلانية