رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

فاطمة العتوم

كاتبة قطرية - مستشار الصحة البيئية / تميز مؤسسي
falotoum@hotmail.com
@faalotoum

مساحة إعلانية

مقالات

114

فاطمة العتوم

أضعنا عيالنا

21 سبتمبر 2026 , 12:00ص

قرأتُ للأستاذ عبدالرحمن الشمري مقاله «ضاعوا عيالنا»، فقرأتُه مرّتين: مرةً بعين الناقد، ومرةً بقلب والد. وقد عوّدنا كاتبنا الكريم أن يطرق ما تخفق له قلوب الأسر، وأن يكتب في الصحيفة ما يتهامس به الناس في المجالس، فله التقدير والإجلال. غير أنني أرى العنوان يحتاج مراجعةً رفيقة: فليس أبناؤنا من ضاعوا، بل نحن الذين أضعناهم؛ هم في بيوتنا، ينامون في غرفنا، ويأكلون على موائدنا، لكنهم صاروا غرباء لأننا تنازلنا عن دورنا وتركنا الحصن بلا حارس.

والقرآن يخاطب الأسرة كلها لا طرفًا واحدًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، فالوقاية مسؤولية مشتركة. وقال ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته... والرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها ومسؤولةٌ عن رعيتها». فالأسرة منظومة متكاملة، إذا غاب أحد طرفيها اختل الحصن. الأم ليست شريكةً في الحمل فحسب، بل شريكةٌ في الحساب؛ هي المدرسة الأولى التي تتشكل على يديها لغةُ الطفل وذوقه ووجدانه. والأب ليس ممولًا فقط، بل القائم على البيت وقدوته. لكننا جميعًا قصّرنا: انشغلنا بالبيت والعمل والهاتف، وظننا أن الطعام النظيف والملابس المرتبة تربية، ثم فوجئنا بأبنائنا يتحدثون لغةً لا نفهمها، ويضحكون لشيء لا نعرفه، ويخافون من أشياء لا نراها. كنا نظن أن التربية حنانٌ فقط، فإذا بها حنانٌ ووعيٌ وحراسةٌ ومتابعةٌ وحوارٌ لا ينقطع. والأشد إيلامًا أننا نكتشف حجم الفجوة متأخرين، حين يصبح الابن مراهقًا يغلق بابه، ويضع سماعاته، ويصبح الصمت بيننا أثقل من أي كلام.

إن الشاشة ليست العدو الأول، بل الفراغ الذي ملأته. أضعنا الوقت فسرقته الشاشات، وأضعنا الحوار فجاءت التطبيقات تتحدث إليهم، وأضعنا القدوة فصار المؤثرون قدوتهم، وأضعنا المجلس العائلي فاستبدلوه بغرف مغلقة. ولقمان عليه السلام لم يوصِ ابنه بحجبٍ ولا بجدار، بل غرس في قلبه مراقبة الله: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾، فمن استشعر أن الله يراه في خلوته لم يحتج إلى رقيبٍ يطارد خطواته، ولا إلى قانونٍ يحرس قلبه. وتلك هي الحصانة التي لا تُخترق، لأنها تسكن الداخل لا الجدار.

وقد رسم النبي ﷺ منهجًا لا يُشقّ له غبار؛ ربّى بالتدريج لا بالبطش حين قال: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع»، فجعل للتربية مراحلَ وأزمنة، لا قراراتٍ مفاجئة تُفرض على طفلٍ لم يُهيَّأ لها. وكان يلاعب الحسن والحسين، ويقبّل إبراهيم، ويصلي حاملًا أمامة؛ فالتربية عنده مصاحبةٌ لا مخاصمة، وملاطفةٌ لا مؤاخذة. وقال الغزالي في «الإحياء»: الولد أمانةٌ في يد والديه، وقلبه جوهرةٌ نفيسة إن عُوّد الخير نشأ عليه. وقال ابن القيم: «وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قِبل الآباء وإهمالهم لهم». وقال ابن خلدون: التربية عادةٌ ومحاكاة، فالابن يقلّد قبل أن يسمع، ويحاكي قبل أن يطيع.

وأعظم وسيلة أن يرى الابن أباه قدوة، يضع هاتفه ويذهب للصلاة بصحبة أبنائه، وترى البنت أمها محتشمة، تختم وردها وتستحي من نظرة محرّمة، فيتعلمان دون وعظ. نعم، نحتاج ضوابط تشريعية تعين الأسرة، لكن الحجب لا يزرع ضميرًا، والقانون لا يمنح ابنك وقتًا. الدولة تحمي الباب، والأسرة كلها تحمي القلب. وسلاحها الذي لا يُغلب: الدعاء؛ فقد دعا إبراهيم: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾، وكان ﷺ يعوّذ الحسن والحسين بكلمات الله التامة.

أعظم ما أضعنا به أبناءنا أننا أخذناهم من حِجر القرآن إلى مدارس لا تعرف الله، ولا تُدرّس كتابه، ولا تُربّي على سنة نبيه ﷺ. ظننا أن الشهادة الأجنبية شرف، واللسان الأجنبي رفعة، فإذا بنا نسلّم أبناءنا لمن يغسل عقولهم بلغة لا نفهمها، ويغرس فيهم قيمًا لا نؤمن بها، ويفصلهم عن دينهم وأمتهم. ثم نبكي بعد ذلك ونسأل: لماذا صار أبناؤنا غرباء؟ والجواب واضح: لأننا أضعناهم حين أخذناهم من منهج القرآن، ووضعناهم في مدارس أجنبية تعلّمهم كل شيء إلا دينهم.

فمن عاد إلى الله عاد إليه أبناؤه؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾. أضعنا عيالنا حين نسينا أنهم أمانة، والله سائلنا عنهم.

مساحة إعلانية