رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كل عام وأنتم بخير أعزائي القراء بمناسبة عيد الفطر المبارك. في أروقة الحياة اليومية، وفي عمق الصراعات الصغيرة بين الأفراد، تبرز مغالطة "الدفاع عن النفس" كأحد أخطر أدوات التلاعب النفسي. إنها اللحظة التي يقرر فيها الفرد أن يمارس التنمر الصريح، ثم يغلفه برداء المظلومية، مدعياً أنه مجرد "رد فعل" لحماية كيانه. هنا، لا يعود الدفاع عن النفس درعاً قانونياً، بل يصبح خنجراً مسموماً يُغرس في صدر الآخر تحت مسمى "الحق في الوجود".
تبدأ هذه المغالطة من عقدة الاستهداف. لا يولد "المتنمر " من فراغ، بل تبدأ حكايته من نعومة أظفاره في أروقة المدارس. هناك، يكتشف بعض الأطفال "الخلطة السحرية" للسيطرة: ارتكاب فعل عدواني، ثم الصراخ أولاً كضحية، بمبدأ" ضربني وبكى وسبقني واشتكى".
إن الأفراد الذين يتبنون هذا الفكر يعيشون حالة من "البارانويا" المزمنة؛ فهم يرون في نقد تصرفاتهم "عداءً شخصياً"، على هذا المستوى، فيتحول "التنمر" إلى إستراتيجية ذكية. المعتدي هنا لا يهاجم بوضوح، بل يهاجم "دفاعاً عن كرامة متخيلة". إذا انتقدت سلوكاً ظالماً لشخص يستغل خلفيته العرقية أو الدينية، فإنه يسارع لوصمك بالعنصرية. هو يعلم يقيناً أن المجتمع الحديث الغربي يرتعد من تهم مثل "معاداة السامية" أو "العنصرية العرقية"، فيستغل هذه الحساسية الأخلاقية ليحول ضحيته إلى متهم. هذا النوع من "التنمر الأخلاقي" هو أقذع أنواع الظلم، لأنه يسرق من الضحية الحقيقية لسانها وقدرتها على الاحتجاج أو التظلم.
إن النضج الإنساني يبدأ حين يدرك الفرد أن دفاعه عن نفسه لا يمنحه الحق في دهس كرامة الآخرين. إن استدعاء التهم المعلبة مثل في النزاعات الفردية لتبرير سوء الخلق، هو إهانة للقضايا العادلة نفسها. الدفاع الحقيقي عن النفس يكون بالترفع عن الدنايا، لا بالتحول إلى نسخة مشوهة من "العدو" الذي ندعي محاربته.
في عالم السياسة والصراع الدولي، لم تعد الحروب تُخاض بالرصاص وحده، بل بمنظومة "المصطلحات" التي يُعاد تدويرها لتبرير التجاوزات. تبرز هنا مغالطة فجة نراها تتكرر في خطابات القوى الإقليمية والدولية؛ وهي استخدام "الدفاع عن النفس" ليس كدرع، بل كغطاء لممارسة التنمر السياسي والعنصرية الممنهجة. هذه المغالطة تقوم على قلب الطاولة: المعتدي يرتدي ثوب الضحية، والضحية تُصم بـ "العداء" المسبق لتجريدها من حق المقاومة.
تبدأ القصة من "فكرة التنمر" على مستوى الدولة. فالدولة المتنمرة هي التي تمتلك القوة الغاشمة وتحاول فرض أجندتها عبر وصم كل من يعارضها بأنه تهديد لوجودها. هنا يتحول "الدفاع عن النفس" من رد فعل قانوني على اعتداء مادي، إلى إستراتيجية استباقية لقمع الآخر. هذا التنمر يتغذى على ازدواجية المعايير، تحرمه على غيرها تحت ذريعة "الأمن القومي".
تتجلى هذه المغالطة بوضوح عند استدعاء تهمة "معاداة السامية" في غير سياقها التاريخي أو الأخلاقي. نجد أن "العدو" الصهيوني غالباً ما يوظف هذا المصطلح ليكون جداراً نارياً يحجب أي نقد لسياسات الاستيطان أو التنكيل بالشعب الفلسطيني. وعلى الجانب الآخر من المشهد الإقليمي، نجد "عداء الفرس" (أو الفوبيا الفارسية) الذي يُستخدم أحياناً كأداة عنصرية مضادة. ففي الصراع مع المشروع الإيراني، يسقط البعض في فخ العنصرية الطائفية المبطنة بغلاف العرقية بدلاً من نقد التمدد السياسي. هذا العداء العنصري يمنح النظام في طهران "الذريعة الذهبية" لتقديم نفسه كمدافع عن كيان طائفته وقوميته على أنه مستهدف، مما يخلط الأوراق بين حق الشعوب في رفض التدخلات السياسية وبين الانزلاق إلى خطاب الكراهية العرقي. في كلتا الحالتين، يستفيد "العدو" من عنصرية خصمه ليثبت سردية "الدفاع عن النفس" أمام شعبه والعالم. وبين هذا وذاك، تبرز محاولات محمومة لجر دول الخليج العربي إلى "حرب بالوكالة" من قبل الدول الكبرى المهيمنة في هذا العالم. ليصبح صراعا إقليميا شاملا، حربٌ صُممت لتكون وقوداً لمصالح الآخرين، في حربٌ "لا ناقة للخليج فيها ولا جمل".
ثمة خطأ إستراتيجي قاتل يرتكب؛ وهو الاعتقاد بأن صمت الطرف الآخر هو صمت العاجز. هنا تبرز الحكمة العربية الخالدة: "اتقِ شر الحليم إذا غضب". إن هذه الغضبة ليست مجرد انفعال عابر، بل هي "لحظة الحقيقة" التي تنهار عندها كل التبريرات الواهية بـ "الدفاع عن النفس".
ختاماً. إن دول الخليج، التي طالما مدت يد البناء والحوار، تجد نفسها الآن محاصرة بخطاب "الضحية المعتدية". فعندما تدافع هذه الدول عن أمنها القومي ضد تمدد الأطماع الخارجية، يسارع الطرف الآخر لرفع قميص "العنصرية العرقية" أو "الاستهداف الطائفي"، مدعياً أنه في حالة "دفاع عن النفس". هذا النوع من الاستقواء بالمصطلحات يهدف إلى "تحجيم" الدور الخليجي وإحراجه دولياً. ختاماً، إن الرسالة الموجهة لكل من يتستر خلف مغالطة "الدفاع عن النفس" للنيل من دول الخليج هي: لا تراهنوا على نفاد الصبر، فخلف هذا الهدوء الخليجي تكمن إرادة صلبة تعرف كيف تفرق بين "الجوار الأخوي" وبين "التنمر المغلف بالشعارات".
الجبهة الخليجية الموحدة
أكملنا شهرا منذ أن جُرّت إيران لحرب أودت بدول الخليج لأن تكون طرفا رئيسيا بها رغم أنها كانت... اقرأ المزيد
99
| 23 مارس 2026
صلاة تحت صوت الصواريخ!
أتى العيد هذه المرّة مثقلاً بشيء لا يُرى، كأن الهواء نفسه تعلّم أن يحمل الارتباك، وكأن الفرح اضطرّ... اقرأ المزيد
231
| 23 مارس 2026
الرأي قبل شجاعة الشجعان
تتجسد السياسة الخارجية لدول الخليج العربية في التزامها بضبط النفس لمواجهة العواصف الجيوسياسية التي تضرب المنطقة، في بيت... اقرأ المزيد
138
| 23 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود من الطبيعة الجغرافية التي هي مسرح العمليات فنحن نتحدث عن إيران كمساحة تبلغ حوالي 1.7 مليون كم2 تنتشر فيها القوات والقدرات الايرانية محصنة بسلاسل جبلية يصعب اختراقها ولذلك فإن القوتين المحاربتين لإيران في حاجة لتغطية كل هذه المساحة واختراق القمم الجبلية. وهذا سيكون من الصعب خاصة عند الحديث عن آلاف المواقع التي تحتاج تغطيتها وقد تعود عدة مرات لمثل هذه المواقع لكي تتأكد انه تم تدميرها وفي الكثير من هذه المواقع يصعب الوصول لها إما لأسباب طبيعية أو التمويه من قبل القوات الإيرانية، في المقابل مساحة فلسطين تعتبر صغيرة والقدرات الإسرائيلية متكدسة ومكشوفة فيسهل لإيران الوصول لكل هذه الأهداف بشكل ميسر إما لقلة عدد الاهداف او لتواجدها قريبة من بعضها او لكون إيران تستخدم الصواريخ الدقيقة للوصول لها. في الجانب الآخر وخاصة استخدام سلاح الطيران والذي تعتمده اسرائيل وامريكا سيكون شاقا عليهم مثل هذه الحركة لمسافة آلاف الكيلومترات فيستنزف الكثير من الوقود ويستنزف الكثير من طاقة الطواقم او يكون مكلفا باستخدام حاملات الطائرات وتكون معرضة للهجمات. ويرفع المخاطر عليهم بسبب تقادم مثل هذه الطائرات، إذن مسافات خطوط الامداد تبدو في صالح الطرف الايراني وايران هي المصنعة لصواريخها ومنصات انطلاقها، فبالامكان تسمية هذا انه "مسافة السكة" لايران بينما يعاني الطرف الاخر من تعقيدات خطوط الامداد التي تزيد عن احد عشر الف كم. واذا اضفنا الى هذه المسافة مساحة ايران تبرز مدى الصعوبة في السيطرة على الأحداث في الارض بالنسبة لسلاحي الطيران، اذن اذا كانت المساحة في صالح ايران وخطوط الإمداد في صالح ايران والمخزون أيضا في صالح ايران فبعد ان انهكت اسرائيل وامريكا في حرب غزة واوكرانيا وعلى مدى سنتين أو أكثر فإن مخزونهما من الذخيرة ومستوى استنزافهما بلغ درجات قصوى ولذلك فاعتمادهما استراتيجية الصدمة والترهيب قد تكون مفيدة في حال كانت فترة المواجهات قصيرة. اما اذا امتدت فترات اطول فإنها قد تعرضهما اما لزيادة الانهاك بالنسبة للطواقم والتهالك بالنسبة للطائرات والاجهزة والحالة الثالثة نفاد مخزون الذخيرة وهذه ثلاثة عوامل جد خطيرة بالاضافة إلى عاملين اخرين يخدمان ايران وهما التكاليف المنخفظة مقارنة بانتاج الذخيرة الامريكية التي تبلغ اكثر من خمسين ضعفا مقارنة بانتاج الذخيرة الايراني وعمليات الانتاج الايراني المستمرة وهو انتاج حربي في مقابل الشركات الامريكية والتي تحتاج خطوط انتاجها فترات زمنية طويلة للانشاء والانتاج. فإذا أضفنا لكل هذه العوامل الجبهة الداخلية بالنسبة لايران تبدو صلبة وأما الجبهات الداخلية بالنسبة للولايات المتحدة فإن الشعب الأمريكي يرفض مثل هذه الحرب وقد تؤدي بالادارة الامريكية لفقدان الانتخابات النصفية وما بعدها أيضا فقدان الكونغرس وكذلك الحال بالنسبة لاسرائيل فالجبهة الداخلية متشظية ومنهكة وتتجاذبها الايديولوجيات من العلمانية الى الليبرالية والمذاهب المختلفة من الحسيدية الى الحريدية. فاذا نظرنا وجدنا أن العامل الزمني يخدم ايران، فمع مرور الزمن تتراجع مكانة وقدرات أمريكا واسرائيل فلا هما قادران على فك حصار مضيق هرمز ولا قادران على الدفاع عن نفسيهما امام صواريخ ايران الفرط صوتية ومسيراتها، وبما ان أمريكا واسرائيل هما من بدأتا هذه الحرب بظروف غير مواتية لكلتيهما اصبح الرأي العام العالمي داعما لإيران بما انه اعتدي عليها من قبل امريكا واسرائيل، والأخطر ان ايران تملك ايضا ورقة الطاقة خاصة لموقعها الجغرافي على مضيق هرمز. وهذا سيجعل من الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي جد صعبة فأي زيادة في أسعار الطاقة سيكون لها تداعيات بالغة على الاقتصاد وعلى الإدارة الامريكية.
20724
| 16 مارس 2026
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: "ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه. فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به". ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه. لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل. في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين. هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب. الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران. من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس. أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم. الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين. الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.
2295
| 22 مارس 2026
* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل، نسأل الله أن يبلغنا ليلة القدر، وأن يجعلنا من عتقائه من النار، وأن يتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال. وفي ظل ما يمر به العالم من ظروف صعبة وأحداث مؤلمة، نسأل الله أن يرفع الغمة، وأن يعم الأمن والسلام على بلادنا وسائر بلاد المسلمين. * في هذه الأيام المباركة، تتجه القلوب إلى بيوت الله بحثًا عن السكينة والخشوع، خاصة في المساجد التي يرتبط بها المصلون روحانيًا، ومن بينها المساجد التي يؤم فيها الشيخ عبدالرشيد صوفي، لما لصوته من أثر بالغ في نفوس المصلين، وما يحمله من خشوع يجعل الكثيرين يحرصون على الصلاة خلفه منذ سنوات. * هذا الإقبال الكبير، بطبيعته، يتطلب جاهزية عالية في إدارة المسجد، من حيث تنظيم الدخول والخروج للمواقف، وتوفير المساحات الكافية، وتهيئة المرافق، وحسن التعامل مع المصلين والمصليات، إلا أن الواقع في بعض الحالات لا يعكس هذا المستوى من الجاهزية. * فمن غير المقبول أن يتم التحكم في المرافق الأساسية، وإغلاق دورات المياه، أو تخصيصها لفئة معينة دون غيرها، بما يسبب معاناة للمصليات، ويخلق حالة من الازدحام والتوتر، بل ويدفع بعضهن للخروج إلى المرافق الخارجية للوضوء. كما أن غياب التنظيم الواضح، وترك بعض الجوانب لاجتهادات فردية دون صفة رسمية، قد يؤدي إلى ممارسات لا تتناسب مع حرمة المكان، سواء في أسلوب التعامل أو في آلية إدارة المصلى. * إن بيوت الله يجب أن تظل مفتوحة، رحبة، قائمة على الرفق، كما أرشدنا النبي ﷺ، لا أن تتحول- تحت أي ظرف- إلى بيئة يشعر فيها المصلون بالتضييق أو التمييز أو التوتر. * كما أن ما يُثار حول وجود تدخلات غير رسمية في بعض المساجد، أو التعامل معها وكأنها نطاق خاص، يطرح تساؤلات مشروعة حول ضرورة تعزيز الإشراف المؤسسي، وتأكيد أن المسجد وقف لله، يخضع لتنظيم الجهات المختصة، ولا يُدار وفق اعتبارات شخصية أو علاقات. * إن طرح هذه الملاحظات لا يأتي من باب النقد المجرد، بل من حرص صادق على بيوت الله، وعلى أن تبقى، كما ينبغي، مكانًا للسكينة، والرحمة، والخشوع. * ومع ختام هذا الشهر الكريم، فإن الأمل كبير بإذن الله في أن تؤخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار، وأن يتم التعامل معها بجدية، والاستعداد بشكل أفضل للمواسم القادمة، بما يضمن تهيئة بيئة إيمانية متكاملة، تليق بروحانية رمضان، وبمكانة المساجد، وبحرص المصلين على العبادة فيها. فالمساجد ليست مجرد مباني بل هي روح تُبنى، وقيمة تُصان، وأمانة يجب أن تُحفظ. * آخر جرة قلم حين يحرص الناس على الصلاة خلف إمام بخشوع الشيخ عبدالرشيد صوفي والحرص على الحضور من مناطق بعيدة، والتواجد طوال الشهر، فذلك دليل حياة في القلوب، لا يُقابل بإغلاق باب، ولا بتضييق مرفق، ولا بسوء إدارة. بيوت الله لا تُدار بالمفاتيح، بل بالمسؤولية. ولا تُحفظ بالمنع، بل بالرحمة. فإن لم تُصن روحانية المسجد، فماذا نصون؟ نسأل الله أن يتقبل، وأن يبلغنا وإياكم رمضان أعوامًا عديدة، في أمن وسكينة وطمأنينة. وأن يبلغنا ليلة القدر وما تنزل فيها من كل أمر حكيم.
1245
| 18 مارس 2026