رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

237

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

مغالطة الدفاع عن النفس

22 مارس 2026 , 02:00ص

كل عام وأنتم بخير أعزائي القراء بمناسبة عيد الفطر المبارك. في أروقة الحياة اليومية، وفي عمق الصراعات الصغيرة بين الأفراد، تبرز مغالطة "الدفاع عن النفس" كأحد أخطر أدوات التلاعب النفسي. إنها اللحظة التي يقرر فيها الفرد أن يمارس التنمر الصريح، ثم يغلفه برداء المظلومية، مدعياً أنه مجرد "رد فعل" لحماية كيانه. هنا، لا يعود الدفاع عن النفس درعاً قانونياً، بل يصبح خنجراً مسموماً يُغرس في صدر الآخر تحت مسمى "الحق في الوجود".

تبدأ هذه المغالطة من عقدة الاستهداف. لا يولد "المتنمر " من فراغ، بل تبدأ حكايته من نعومة أظفاره في أروقة المدارس. هناك، يكتشف بعض الأطفال "الخلطة السحرية" للسيطرة: ارتكاب فعل عدواني، ثم الصراخ أولاً كضحية، بمبدأ" ضربني وبكى وسبقني واشتكى".

إن الأفراد الذين يتبنون هذا الفكر يعيشون حالة من "البارانويا" المزمنة؛ فهم يرون في نقد تصرفاتهم "عداءً شخصياً"، على هذا المستوى، فيتحول "التنمر" إلى إستراتيجية ذكية. المعتدي هنا لا يهاجم بوضوح، بل يهاجم "دفاعاً عن كرامة متخيلة". إذا انتقدت سلوكاً ظالماً لشخص يستغل خلفيته العرقية أو الدينية، فإنه يسارع لوصمك بالعنصرية. هو يعلم يقيناً أن المجتمع الحديث الغربي يرتعد من تهم مثل "معاداة السامية" أو "العنصرية العرقية"، فيستغل هذه الحساسية الأخلاقية ليحول ضحيته إلى متهم. هذا النوع من "التنمر الأخلاقي" هو أقذع أنواع الظلم، لأنه يسرق من الضحية الحقيقية لسانها وقدرتها على الاحتجاج أو التظلم.

إن النضج الإنساني يبدأ حين يدرك الفرد أن دفاعه عن نفسه لا يمنحه الحق في دهس كرامة الآخرين. إن استدعاء التهم المعلبة مثل في النزاعات الفردية لتبرير سوء الخلق، هو إهانة للقضايا العادلة نفسها. الدفاع الحقيقي عن النفس يكون بالترفع عن الدنايا، لا بالتحول إلى نسخة مشوهة من "العدو" الذي ندعي محاربته.

في عالم السياسة والصراع الدولي، لم تعد الحروب تُخاض بالرصاص وحده، بل بمنظومة "المصطلحات" التي يُعاد تدويرها لتبرير التجاوزات. تبرز هنا مغالطة فجة نراها تتكرر في خطابات القوى الإقليمية والدولية؛ وهي استخدام "الدفاع عن النفس" ليس كدرع، بل كغطاء لممارسة التنمر السياسي والعنصرية الممنهجة. هذه المغالطة تقوم على قلب الطاولة: المعتدي يرتدي ثوب الضحية، والضحية تُصم بـ "العداء" المسبق لتجريدها من حق المقاومة.

تبدأ القصة من "فكرة التنمر" على مستوى الدولة. فالدولة المتنمرة هي التي تمتلك القوة الغاشمة وتحاول فرض أجندتها عبر وصم كل من يعارضها بأنه تهديد لوجودها. هنا يتحول "الدفاع عن النفس" من رد فعل قانوني على اعتداء مادي، إلى إستراتيجية استباقية لقمع الآخر. هذا التنمر يتغذى على ازدواجية المعايير، تحرمه على غيرها تحت ذريعة "الأمن القومي".

تتجلى هذه المغالطة بوضوح عند استدعاء تهمة "معاداة السامية" في غير سياقها التاريخي أو الأخلاقي. نجد أن "العدو" الصهيوني غالباً ما يوظف هذا المصطلح ليكون جداراً نارياً يحجب أي نقد لسياسات الاستيطان أو التنكيل بالشعب الفلسطيني. وعلى الجانب الآخر من المشهد الإقليمي، نجد "عداء الفرس" (أو الفوبيا الفارسية) الذي يُستخدم أحياناً كأداة عنصرية مضادة. ففي الصراع مع المشروع الإيراني، يسقط البعض في فخ العنصرية الطائفية المبطنة بغلاف العرقية بدلاً من نقد التمدد السياسي. هذا العداء العنصري يمنح النظام في طهران "الذريعة الذهبية" لتقديم نفسه كمدافع عن كيان طائفته وقوميته على أنه مستهدف، مما يخلط الأوراق بين حق الشعوب في رفض التدخلات السياسية وبين الانزلاق إلى خطاب الكراهية العرقي. في كلتا الحالتين، يستفيد "العدو" من عنصرية خصمه ليثبت سردية "الدفاع عن النفس" أمام شعبه والعالم. وبين هذا وذاك، تبرز محاولات محمومة لجر دول الخليج العربي إلى "حرب بالوكالة" من قبل الدول الكبرى المهيمنة في هذا العالم. ليصبح صراعا إقليميا شاملا، حربٌ صُممت لتكون وقوداً لمصالح الآخرين، في حربٌ "لا ناقة للخليج فيها ولا جمل".

ثمة خطأ إستراتيجي قاتل يرتكب؛ وهو الاعتقاد بأن صمت الطرف الآخر هو صمت العاجز. هنا تبرز الحكمة العربية الخالدة: "اتقِ شر الحليم إذا غضب". إن هذه الغضبة ليست مجرد انفعال عابر، بل هي "لحظة الحقيقة" التي تنهار عندها كل التبريرات الواهية بـ "الدفاع عن النفس".

ختاماً. إن دول الخليج، التي طالما مدت يد البناء والحوار، تجد نفسها الآن محاصرة بخطاب "الضحية المعتدية". فعندما تدافع هذه الدول عن أمنها القومي ضد تمدد الأطماع الخارجية، يسارع الطرف الآخر لرفع قميص "العنصرية العرقية" أو "الاستهداف الطائفي"، مدعياً أنه في حالة "دفاع عن النفس". هذا النوع من الاستقواء بالمصطلحات يهدف إلى "تحجيم" الدور الخليجي وإحراجه دولياً. ختاماً، إن الرسالة الموجهة لكل من يتستر خلف مغالطة "الدفاع عن النفس" للنيل من دول الخليج هي: لا تراهنوا على نفاد الصبر، فخلف هذا الهدوء الخليجي تكمن إرادة صلبة تعرف كيف تفرق بين "الجوار الأخوي" وبين "التنمر المغلف بالشعارات".

اقرأ المزيد

alsharq الجبهة الخليجية الموحدة

أكملنا شهرا منذ أن جُرّت إيران لحرب أودت بدول الخليج لأن تكون طرفا رئيسيا بها رغم أنها كانت... اقرأ المزيد

99

| 23 مارس 2026

alsharq صلاة تحت صوت الصواريخ!

أتى العيد هذه المرّة مثقلاً بشيء لا يُرى، كأن الهواء نفسه تعلّم أن يحمل الارتباك، وكأن الفرح اضطرّ... اقرأ المزيد

231

| 23 مارس 2026

alsharq الرأي قبل شجاعة الشجعان

تتجسد السياسة الخارجية لدول الخليج العربية في التزامها بضبط النفس لمواجهة العواصف الجيوسياسية التي تضرب المنطقة، في بيت... اقرأ المزيد

138

| 23 مارس 2026

مساحة إعلانية