رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبدالله بندر العتيبي

• أستاذ مساعد في العلاقات الدولية بجامعة قطر

aaletaibi@qu.edu.qa

مساحة إعلانية

مقالات

246

د. عبدالله بندر العتيبي

قطر في زمن الاضطراب.. الدولة التي تبني ما بعد الأزمة

22 سبتمبر 2026 , 12:00ص

في أوقات الاستقرار تتشابه خطابات الدول، لكن الأزمات هي التي تكشف الفارق بين دولة تنتظر ما ستؤول إليه الأحداث، ودولة تعرف ماذا تريد بعد انتهائها. وهذا تحديداً ما يمكن قراءته في حديث معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني هذا الأسبوع في المنتدى الاقتصادي في نيويورك، وما يمهد في الوقت ذاته للرسالة الأوسع التي يحملها خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام العالم. فالرسالة القطرية اليوم لا تقول إن الدولة استطاعت فقط أن تتحمل صدمات مرحلة استثنائية، بل تقول شيئاً أبعد من ذلك بكثير: إن قوة الدولة الحقيقية تظهر عندما تتحول الأزمات من مصدر استنزاف إلى دافع لبناء قدرة أكبر على الصمود والاستقلال والمبادرة. ولهذا جاء الحديث عن الاقتصاد والاستثمار والمؤسسات والطاقة بالتوازي مع الحديث عن الأمن والدبلوماسية. ليست هذه ملفات منفصلة، بل أجزاء من مفهوم واحد للأمن الوطني. فالاقتصاد القوي يحمي القرار السياسي، والمؤسسات القوية تحمي المجتمع عند الأزمات، والدبلوماسية تقلل كلفة الصراعات، والاستثمار في المستقبل يمنع الحرب من أن تفرض على الدولة أولوياتها ومسارها.

وهنا تكمن أهمية التجربة القطرية في هذه المرحلة. قطر تقع في قلب منطقة تعرضت لهزات أمنية وسياسية واقتصادية متلاحقة، لكنها اختارت ألا تجعل الجغرافيا حكماً على مستقبلها. لم تتخل عن الدبلوماسية عندما أصبحت الدبلوماسية أكثر صعوبة، ولم تتراجع عن الوساطة لأن أطراف الصراع أصبحت أكثر عدوانية، ولم تسمح للاضطراب الإقليمي بأن يتحول إلى ذريعة لتعطيل مشروعها الاقتصادي. هذه ليست مثالية سياسية، بل قراءة واقعية لمصلحة الدولة. فالحرب في الخليج لا تبقى داخل حدود ساحتها العسكرية، وإنما تصل إلى الموانئ والمطارات والطاقة وسلاسل الإمداد والاستثمارات وحياة الناس. ولذلك فإن الدفاع عن الاستقرار ليس موقفاً أخلاقياً فقط، بل ضرورة أمن قومي. ومن هنا أيضاً يجب أن تبدأ أي رؤية لمستقبل المنطقة. لا أمن مستدام إذا بقيت سيادة الدول قابلة للانتهاك، ولا استقرار إذا تحولت الممرات البحرية والطاقة والبنية التحتية المدنية إلى أوراق ضغط، ولا يمكن بناء نظام إقليمي إذا اعتقد أي طرف أن أمنه يمكن أن يتحقق على حساب أمن الآخرين. المنطقة لا تحتاج إلى منتصر جديد بقدر حاجتها إلى قواعد جديدة تمنع إنتاج الحرب نفسها مرة أخرى.

واليوم، عندما يتحدث سمو الأمير من على منبر الأمم المتحدة، فإن أهمية الرسالة القطرية تتجاوز الدفاع عن موقف دولة إلى الدفاع عن فكرة أصبحت أكثر إلحاحاً في عالم مضطرب: لا يمكن أن يستمر النظام الدولي بقواعد تطبق على طرف وتتوقف أمام طرف آخر. السيادة لا تتجزأ، والقانون الدولي لا يمكن أن يكون أداة تستخدم عند الحاجة ثم يتم تجاهلها عندما تصبح مكلفة سياسياً، وحياة المدنيين لا تختلف قيمتها باختلاف الجغرافيا أو هوية المعتدي. وإذا كانت المنطقة قد تعلمت شيئاً من السنوات الأخيرة فهو أن ازدواجية المعايير لا تنتج استقراراً، بل تراكم غضباً وفقداناً للثقة وتمهد لأزمات جديدة. ومن هنا تبدو الرسالة القطرية مترابطة في الداخل والخارج. في الداخل دولة تستثمر وتبني وتحصن اقتصادها ومؤسساتها. وفي الإقليم دولة تتمسك بالحوار والوساطة من دون التنازل عن سيادتها وأمنها. وعلى المستوى الدولي دولة تطالب بقواعد عادلة تحمي الجميع لا بمنظومة تمنح الحماية للبعض وتطلب من الآخرين التعايش مع الانتهاكات. هذه هي قطر التي ينبغي أن يراها العالم اليوم: دولة لا تنتظر نهاية الأزمة لتفكر في اليوم التالي، بل تبني اليوم التالي بينما الأزمة لا تزال مستمرة.

مساحة إعلانية