رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يمضي الذكاء الاصطناعي اليوم نحو لعب دورٍ يتجاوز كونه أداةً تقنية، ليغدو نواةً تحويلية تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي من داخله. فمع انتقاله إلى فاعلٍ مستقلٍ قادرٍ على اتخاذ القرار والتنفيذ، تتبدل مفاهيم الإنتاج والمسؤولية والحوكمة، وتبرز أنماط جديدة من المخاطر المعقّدة. هذه المخاطر لا يمكن اختزالها في أعطال تقنية أو ثغرات تشغيلية، إذ باتت تمس البنية العميقة للاستقرار المؤسسي، عبر تداخلها مع سلاسل التوريد الرقمية، وبُنى القرار، ومنظومات الثقة التي تضبط عمل المؤسسات الحديثة.
في هذا السياق، يقدّم تقرير «6 توقعات لاقتصاد الذكاء الاصطناعي: القواعد الجديدة للأمن السيبراني لعام 2026»، الصادر عن شركة «بالو ألتو نتوركس»، مدخلًا كاشفًا لفهم هذا التحول البنيوي. فالقضية المطروحة لا تتعلق بتطوير أدوات الحماية أو رفع كفاءة الدفاعات الرقمية فحسب، بل بإعادة تعريف طبيعة المخاطر في اقتصاد تعمل فيه الأنظمة الذكية بوصفها فاعلين مستقلين داخل المنظومات المؤسسية، وما يستتبع ذلك من إعادة نظر شاملة في مفاهيم الأمن والحوكمة والمسؤولية. لقد مثّل عام 2025 ذروة اضطراب سيبراني غير مسبوقة، بلغ فيها مشهد التهديدات مستويات عالية من السرعة والتعقيد، مدفوعًا بتوظيف الذكاء الاصطناعي في الهجوم، وبالهشاشة المتراكمة في سلاسل التوريد الرقمية. وتكشف المعطيات أن 84% من أبرز الحوادث السيبرانية الكبرى التي جرى التحقيق فيها خلال هذا العام أسفرت عن توقف تشغيلي أو أضرار بالسمعة أو خسائر مالية مباشرة، ما يؤكد أن الهجمات لم تعد أحداثًا معزولة يمكن احتواؤها عبر استجابات ظرفية، بل تحولت إلى أزمات تشغيلية شاملة تمس صميم استمرارية الأعمال. هذا الواقع كشف بوضوح حدود النموذج الأمني التقليدي القائم على الاستجابة اللاحقة، وأبرز الحاجة إلى مقاربة مختلفة جذريًا، لا تنطلق من منطق «الاختراق» بقدر ما تنطلق من مفهوم «الانكشاف البنيوي».
مع الاقتراب من عام 2026، يتبلور انتقال نوعي من منطق الاضطراب إلى منطق الدفاع، ليس بمعناه الكلاسيكي القائم على التحصين والمطاردة، بل من خلال إعادة تصميم منظومات الأمن لتواكب اقتصادًا تقوده كيانات غير بشرية. ففي البيئات التشغيلية الحديثة، يتجاوز عدد الهويات والوكلاء الآليين عدد البشر بنسبة تُقدَّر بنحو 82 إلى 1، وهو تحول كمي يعكس تغييرًا نوعيًا في بنية القوى العاملة الرقمية. ومع هذا الاختلال العددي، لم يعد الإنسان الفاعل الوحيد في اتخاذ القرار، ولا الهدف الأساسي للهجمات، بل أصبح جزءًا من منظومة هجينة تتقاسم فيها الآلة والبشر الصلاحيات والمسؤوليات. في هذا السياق، لم يعد الأمن يعني حماية الشبكات أو الأنظمة فقط، بل حماية منطق التشغيل والقرار وسلاسل الثقة التي تقوم عليها المؤسسة.
وتبرز الهوية هنا بوصفها ساحة المواجهة المركزية. ففي عالم تتكاثر فيه الهويات الآلية وتتراجع فيه القدرة على التمييز بين الحقيقي والمصطنع بفعل تقنيات التزييف العميق في الزمن الحقيقي، تدخل المؤسسات في أزمة ثقة بنيوية. الخطر لم يعد مقتصرًا على سرقة بيانات أو تعطيل خدمات، بل امتد إلى إمكانية توجيه سلاسل كاملة من القرارات المؤتمتة عبر أوامر مزيفة أو هويات مخترقة، بما يجعل أمن الهوية شرطًا جوهريًا لاستقرار القرار المؤسسي ذاته، لا مجرد إجراء وقائي تقني.
هذا التحول يتقاطع مع مفارقة أعمق تتعلق بوكلاء الذكاء الاصطناعي أنفسهم. فهؤلاء الوكلاء يُعوَّل عليهم لسد فجوة المهارات السيبرانية العالمية التي تُقدَّر بنحو 4.8 مليون متخصص، وتقليص إرهاق فرق الأمن، وتسريع الاستجابة للحوادث عبر العمل المستمر. غير أن منحهم صلاحيات واسعة وثقة ضمنية يحولهم، في الوقت ذاته، إلى الأصول الأعلى قيمة داخل المؤسسات، وبالتالي إلى الأهداف الأكثر جاذبية للهجمات. وهنا يتغير مفهوم «التهديد الداخلي» تغيرًا جذريًا، إذ لم يعد مرتبطًا بالسلوك البشري، بل بإمكانية تحويل وكيل ذكي موثوق إلى عنصر يعمل ضد الجهة المالكة له بسرعة ودقة تفوق أي اختراق تقليدي.
ولا يقل البعد القانوني والمؤسسي خطورة عن الأبعاد التقنية. فالفجوة بين التسارع الكبير في تبني الذكاء الاصطناعي ومحدودية المؤسسات التي تمتلك استراتيجيات ناضجة لأمنه—حيث لا تتجاوز النسبة 6% وفق التقديرات—تنقل المخاطر من مستوى تقني إلى مستوى سيادي مؤسسي. لم تعد تصرفات الأنظمة الذكية غير المنضبطة أعطالًا تقنية محايدة، بل باتت قرارات ذات تبعات قانونية ومسؤوليات مباشرة تقع على عاتق القيادات التنفيذية ومجالس الإدارة، ما يعيد رسم حدود الحوكمة في العصر الرقمي.
أما على مستوى الممارسة اليومية، فقد تحوّل متصفح الإنترنت من أداة عرض إلى مساحة تنفيذ مركزية، تُدار عبرها التطبيقات والبيانات ووكلاء الذكاء الاصطناعي. ومع الارتفاع الحاد في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي أصبح المتصفح نقطة التقاء بين الإنسان والآلة والبيانات، وفي الوقت ذاته أحد أوسع أسطح الهجوم غير المحكمة، ما يفرض نقل الضوابط الأمنية إلى نقطة التنفيذ الأخيرة بدل الاكتفاء بحماية الأطراف الخلفية للأنظمة.
في المحصلة، لا يتعلق التحول الجاري بإدخال أدوات أمنية أكثر تطورًا، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والقرار والثقة. ففي اقتصاد تقوده الأنظمة المستقلة، تصبح المخاطر السيبرانية مرآة لمخاطر الحوكمة والقيادة والمسؤولية. والتحدي الحقيقي مع اقتراب عام 2026 لن يكون في سرعة تبني الذكاء الاصطناعي، بل في القدرة على ضبطه وحوكمته وتأمينه بوصفه فاعلًا اقتصاديًا مستقلًا، دون أن يتحول من محرّك للنمو إلى مصدر دائم لانعدام اليقين. فالسؤال الذي يواجه البشرية اليوم لم يعد: هل نتبنى الذكاء الاصطناعي؟ بل: كيف نعيش وندير مؤسساتنا في عالم أصبح فيه الذكاء الاصطناعي فاعلًا لا مفر منه في تشكيل مصيرنا الاقتصادي والمؤسسي؟
من يملك الإعمار
كلما ازداد الدمار وكلما اتسعت رقعة الدمار وطال زمان الدمار كان هاجس إعادة الإعمار حاضراً بقوة في أذهان... اقرأ المزيد
12
| 30 مارس 2026
الإعلام.. حين تختلط الحقيقة بالدعاية
لا تأتي الأزمات اليوم فقط من الحدود، بل تصل أيضًا عبر الشاشات والهواتف، في صيغة خبرٍ سريع أو... اقرأ المزيد
9
| 30 مارس 2026
دول الخليج والمنظومة الجديدة للدفاع
يمكن النظر إلى المرحلة الراهنة باعتبارها نقطة تحول استراتيجية في مفهوم الأمن الخليجي، لأن التحديات التي فرضتها البيئة... اقرأ المزيد
3
| 30 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• متخصص بالسياسة السيبرانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل يضم الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، سيكون الاقتصاد العالمي معرضًا لصدمة عميقة قد تعيد تشكيل ملامحه على المدى القريب والبعيد، نظرًا للمكانة الحيوية التي تحتلها منطقة الخليج في منظومة الطاقة العالمية. وتتضاعف خطورة هذا السيناريو في حال اقترن بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في استقرار الأسواق الدولية. تتمثل أولى التداعيات في الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا. ومن ثمَّ، ستشهد الأسواق موجة تضخمية واسعة، تؤثر في القدرة الشرائية للأفراد وتزيد من الأعباء على الحكومات. وفي هذا السياق، أرى أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لن يكون مرحليًا فقط، بل قد يمتد ليُحدث تغيرات هيكلية في سياسات الطاقة لدى العديد من الدول. كما ستتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات ملحوظة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بحركة الملاحة في المنطقة. هذا الاضطراب سيؤدي إلى تباطؤ التجارة الدولية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما ينعكس سلبًا على استقرار الأسواق. ومن وجهة نظري، فإن التأثير الأكثر خطورة لا يكمن فقط في تعطّل الإمدادات، بل في حالة عدم اليقين التي ستدفع الشركات إلى تقليص استثماراتها، وهو ما يضعف النمو الاقتصادي العالمي بشكل تدريجي. ومن جانب آخر، ستواجه البنوك المركزية تحديًا معقدًا يتمثل في تحقيق التوازن بين كبح التضخم والحفاظ على النمو. فرفع أسعار الفائدة قد يحد من التضخم، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي. وفي هذا الإطار، أرى أن احتمالية دخول بعض الاقتصادات في حالة ركود تضخمي تبقى مرتفعة، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على استيراد الطاقة بشكل كبير. أما الأسواق المالية، فمن المرجح أن تشهد تقلبات حادة نتيجة توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، مثل الذهب والعملات المستقرة. وسيؤدي ذلك إلى خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية عليها. ومن وجهة نظري، فإن هذه التحركات تعكس حساسية الأسواق العالمية تجاه الأزمات الجيوسياسية، ومدى ارتباطها بحالة الاستقرار الدولي. في ضوء هذه المعطيات، أرى أن احتمال لجوء إيران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجية يظل قائمًا، خاصة في حال تصاعد الصراع إلى مواجهة مباشرة. ومع ذلك، أتوقع أن يكون أي إغلاق محتمل محدودًا من حيث المدة، نتيجة التدخل الدولي السريع لإعادة فتح هذا الممر الحيوي. كما أرى أن التأثيرات الاقتصادية للحرب لن تكون متساوية بين الدول؛ إذ ستتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر، في حين قد تحقق الدول المصدرة مكاسب مؤقتة. إلا أنني أتوقع أن هذه المكاسب ستكون قصيرة الأمد، نظرًا لتأثير تباطؤ الاقتصاد العالمي على مستويات الطلب. ومن وجهة نظري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تصعيد محدود ومواجهات غير مباشرة بدلًا من حرب شاملة طويلة الأمد، وذلك بسبب إدراك الأطراف المختلفة لحجم الخسائر الاقتصادية المحتملة. ومع ذلك، أرى أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو حدوث اضطرابات جزئية فيه سيكون كافيًا لإحداث تأثيرات كبيرة في الأسواق العالمية، سواء من حيث ارتفاع الأسعار أو تراجع ثقة المستثمرين. كلمة أخيرة أرى أن هذه الأزمة، في حال وقوعها، قد تسهم في تسريع التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة. ومن وجهة نظري، فإن العالم قد يتجه نحو إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي، بحيث تزداد أهمية الدول القادرة على تأمين إمدادات مستقرة، وهو ما يعكس الترابط العميق بين الأمن الجيوسياسي والاستقرار الاقتصادي.
2433
| 26 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1920
| 24 مارس 2026
يحق لي أن أكتب عنك اليوم بعد تردد، ليس لشيء سوى أن الحديث عن الأمراء والقادة عبر وسائل الإعلام يحتاج لوقفة، فليس كل ما يكتب عنهم هو من صميم القناعة والرضا، فقد تكون المجاملة وكسب الرضا والتقرب، وسائل تستخدم عبر القلم والسطور. ولكن أُشهد الله أنك يا سيدي، بمواقفك الصلبة ونفسك الأبية وشموخك العالي الهمة، منذ سخرك الله ومنحك شرف قيادة هذا البلد وإدارة أموره وأمور رعيته، تثبت في كل مرة أنك رجل المرحلة وقائد فذ شجاع وطني مخلص لبلادك وأهلك، بل تجاوزت ذلك لتشيد في كل مناسبة بأولئك الذين يعيشون بين أحضان هذا الوطن، فكأنك تبعث الطمأنينة في نفوسهم لأنهم جزء من نسيج هذا البلد. في الشدائد تعرف معادن الرجال، وفي الأزمات والصراعات تطل شخصية القائد والزعيم ويُعرف رجل الحكمة والصبر والذي يدرك كيف يدير الأمور بحكمة وبصيرة، دون العنتريات والخطب الرنانة. يشهد التاريخ لهذا البلد ومنذ سنوات عدة بأنه بلد الخير والعطاء والذي لم يبخل في تقديم يد العون والمساعدة وتقديم النصح والإرشاد وقت الشدائد، لذلك حافظت قطر ولسنوات عدة على علاقات مميزة مع كل دول العالم، وكانت عبر قادتها ووزرائها ومسؤولين فيها تطل على المشهد السياسي في كل المحافل العربية والعالمية من أجل أن تقول كلمتها وأمام الجميع وتبدي الرأي والنصح عند يتطلب ذلك. لقد أتاح لي سيدي سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، أن أرافقه في العديد من الرحلات لمختلف دول العالم، ومنها جمهورية إيران الإسلامية، وجلست ضمن الوفد القطري المرافق لسموه، واستمعت بأذني ماذا كان يقول المرشد السيد علي خامنئي، رحمه الله، من إشادة وثناء وتقدير لقطر ومواقفها من إيران وحرص سموه على فتح باب الحوار واحترام الجيرة بين البلدين، كما سمعت نفس الكلام من الرؤساء الذين كانوا في سدة الحكم في إيران بدءا من الرئيس رفسنجاني، رحمه الله، ثم الرئيس خاتمي وبعده الرئيس نجاد، بل كان الرئيس نجاد هو ضيف الشرف في قمة مجلس التعاون في الدوحة عام ٢٠٠٧م، ويذكر كل من تابع المؤتمر الصحفي والذي عقد خلال زيارة سمو الأمير الوالد لإيران في أبريل عام ٢٠٠٦، والمزاح الذي دار بين القائدين حول مشاركة منتخب إيران في نهائيات مونديال ٢٠٠٦ في ألمانيا، مما يعطي انطباعا عن أريحية العلاقة القطرية الإيرانية والاحترام المتبادل بينهما. كنت أظن أن هذه العلاقة المميزة ستكون كفيلة بتجنب تعرض قطر لأي اعتداء من قبل إيران، ولكن ما شاهدته وعشته طوال الأسابيع الماضية جعلني أتحسر على ما ظننت أنه لا يمكن أن يحدث، بل لا أبالغ عندما أقول بأن دول مجلس التعاون حرصت على أن تكون في معزل عن الصراع الدائر بين إيران وإسرائيل وأمريكا، وأبلغت الجانب الإيراني بذلك، ولكن ما حدث هو عكس ذلك وهو معروف لدى الجميع ولا داعي أن أسرد تفاصيله. إنني أعجب لمثل هذه المواقف والتي اتخذتها جمهورية إيران الإسلامية ضد جيرانها العرب، وهذه الصواريخ والمسيرات والتي تتجه لأهداف مدنية وبنية تحتية، دون سبب واضح، كل ما يتردد بأنه ضد القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وهذا مبرر غير واقعي وغير منطقي، فالقواعد كانت هنا منذ سنوات عدة، وأُبلغت إيران بأن دول المنطقة لن تسمح بأن هذه القواعد تستخدم في الاعتداء على أي دولة. وفي خضم هذه الأحداث والتي تعصف في المنطقة والعالم وتتمحور في هذا الصراع العسكري العنيف في منطقتنا، تطل قطر بقيادتها الحكيمة القوية والتي تعرف كيف تدير الأمور بما يتناسب مع مصلحة الوطن والمواطنين. تحية حب وتقدير وامتنان لمقام سموك الكريم، وأنت تقف بكل ثقة وعزة نفس وشجاعة مقرونة بحكمة وعزيمة لا تلين في مواجهة مثل هذه الظروف، وتحية لشعبك الأبيّ الكريم والذي يبادلك حباً وولاء.
1719
| 24 مارس 2026