رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بداية أرى وقبل الدخول في الموضوع مباشرة. أهمية الحديث عن مسألتين اثنتين: الأولى. هي الإشادة بموقف قطر. بإدانة القمع والهمجية وقصف الطيران للمسالمين في ليبيا على أيدي النظام الفاشي. لقد جاءت الإدانة القطرية في موعدها ومكانها المناسبين. كانت أول إدانة للوحشية في ليبيا. وكانت قبل إدانة كافة الدول بما فيها الدول الكبرى للمذابح. الأمر. الذي حدا بالدول الأخرى إلى إصدار إدانات مماثلة. المسألة الثانية هي الإشادة بقناة الجزيرة على تغطيتها الكاملة والعظيمة. لكل الثورات العربية. وعلى الأخص في ليبيا. نظرا للعقبات الكثيرة التي تعترض تغطيتها. وأولها التعتيم الإعلامي الذي يمارسه النظام القمعي الليبي. وثانيها التشويش المقصود على الجزيرة الذي تمارسه فلول هذا النظام.
تأتي كل هذه الهمجية والقمع والقصف بالطائرات والدبابات للجماهير العزلاء في ليبيا. إلاّ من إيمانها بالثورة وحتمية التغيير في بلدها. لتعبر عن فاشية هذا النظام. القتلى بالمئات والجرحى بالآلاف، كل هذه الهمجية هي من أجل بقاء القذافي في منصبه على رأس الجماهيرية الشعبية الليبية الاشتراكية العظمى!
القذافي إن استمرت الثورة.وهي غالبا ستستمر. فسيجلس على أنقاض الشعب الليبي وعلى أشلاء جثث أطفاله وشيوخه ونسائه، وهو يدّعي بأنه من يفعل من أجل الجماهير، ومن يضحي من أجل المقهورين والمظلومين والفقراء! جرائم القذافي لم يقترفها طاغوت في التاريخ سوى نيرون الذي أحرق روما، فحتى هولاكو وهتلر لم يقترفا همجية القذافي تجاه شعبيهما.
عميد الملوك والرؤساء العرب(مثلما يحب أن ينادى) وملك ملوك إفريقيا. مصاب بداء قاتل اسمه(جنون العظمة). هذا المرض يؤدي بصاحبه إلى اقتراف المذابح والمحارق والمجازر الجماعية. فقط لإرواء هذا الشعور لديه، وهو مثل كل دكتاتور. يعتقد أنه الصح والصواب وغيره مخطئون! القذافي لم يستفد من ثورات الشعوب ودروس التاريخ. لا يدرك أنه وحاشيته وكل المرتزقة الذين استجلبهم لحرق الشعب الليبي لن يصمدوا أمام تيار الثورة الجارف. قد يصمدون لأيام،لأسابيع،لشهور،لكنهم لن يبقوا وسيكنسهم الشعب الليبي مثلما تم كنس الطواغيت والظلمة في التاريخ، ومثلما تم كنس طاغيين عربيين في التاريخ الحديث. صحيح أن التاريخ والكتب ستذكر القذافي بين سطورها. ولكن من الأصح أيضاً:أنها ستذكره باعتباره: جلاداَ طاغية. قام بارتكاب المجازر ضد شعبه،ستذكره بأن مصيره تمثل في قذفه على مزابل التاريخ.
لقد حلم القذافي بوراثة عبدالناصر،لكن شّتان ما بين الثرى والثريا،بين زعيم استقطب الأمة العربية من المحيط إلى الخليج وبين رئيس تلفظه الأمة من المحيط إلى الخليج،بين زعيم انتظرت الأمة خطابه بفارغ الصبر،وجلست حول الراديوات وبين جلاد لشعبه،بين زعيم قدّم استقالته طائعاً بعد هزيمة 1967 وبكل رجولة وشرف،ورفضت الجماهير العربية هذه الاستقالة. فهبّت عن بكرة أبيها تطلب منه العدول عن استقالته،وبين دكتاتور يريد إفناء شعبه في سبيل البقاء على كرسيه!
لقد تخلى القذافي عن الأمة العربية والوحدة العربية واستبدلهما بالأمة الإفريقية والوحدة الإفريقية.نحن لسنا ضد الوحدة الإفريقية بالطبع،ولكن نسوق ذلك من أجل أن نبيّن قصر نظر القذافي وقصر صبره!
القذافي حلم أن يكون ملك ملوك العرب،وملك ملوك إفريقيا لم يطلق اللقبين عليه أحد،بل هو الذي أطلقهما على نفسه،استجابة لشعور العظمة لديه.
ما أن لوّح له الغرب والولايات المتحدة تحديداً بإمكانية إقامة علاقة مع نظام حكمه،حتى سارع إلى تفكيك منشأته النووية،تخلى عنها في سبيل هذه العلاقة،هو الذي يتغنى بالأمة العربية صباح مساءً.
القذافي وفي إحدى نوبات جنونه دعا الفلسطينيين والإسرائيليين إلى تشكيل دولة(إسراطين) أي أنه يعترف بدولة إسرائيل. بعد ادعاءاته بأنه قام بالثورة وفي أحد أسبابها من أجل تحرير فلسطين المغتصبة.
تنكّر القذافي لرفاق سلاحه في الثورة فأزاح زميله،الرجل الثاني في ليبيا عبدالسلام جلود،أزاحه من الطريق خوفاً من الالتفاف الشعبي الليبي حوله.إن من يتنكر لأصدقائه لا يمكنه أن يكون حريصاً لا على الجماهير الليبية ولا على الجماهير العربية.
ما نوجهه من سؤال للزعيم الأوحد:أبعد كل هذه المجازر التي اقترفتها بحق الشعب الليبي... أتستطيع أن تحكم ليبيا؟ الجواب في منتهى الوضوح: سيظل متمسكاً بالسلطة! لكن الرد سيأتي من الجماهير الليبية العظيمة،التي قالت كلمتها في الثورة وفي الاستمرار فيها على طريق إسقاط القذافي.
من الخطأ أن يخرج القذافي من ليبيا،فالواجب يقتضي محاكمته على كل الجرائم التي اقترفها والتي سيقترفها بحق الليبيين. الواجب يقتدي محاسبته عن كل قطرة دم أراقها في ليبيا وهو المسؤول الأول عن المجازر.
القذافي كان يستعد لتوريث الحكم في ليبيا لواحد من أبنائه،وكأن ليبيا خُلقّت لتكون مزرعة لعائلته،لكن الشعب الليبي بكل أطيافه السياسية،بكل قبائله وفئاته يقول.... لا للقذافي! الشعب يريد إسقاط النظام.
عمر المختار الزعيم العربي الليبي قاوم الاستعمار الإيطالي لليبيا. وظل خالداً في الذاكرتين الليبية والعربية. وفي الذاكرة الإنسانية أيضاً، رماه الفاشيون الإيطاليون حياً من الطائرة،لم يحترموا شيخوخته! القذافي يحاول التشبه بالمختار،ولكن شتان ما بين العملاق والقزم،والقذافي ليس أكثر من قزم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4434
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4155
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
2067
| 07 مايو 2026